الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولقد كان لعقوبات الزنا التي جاءت بها الشريعة أثرها في محاربة الجريمة في كل زمان ومكان، ونستطيع أن نلمس هذا الأثر في أي بلد يأخذ بأحكام الشريعة، ونستطيع أن نلمسه في الفرق بين ما كنا عليه من خمسين أو أربعين أو ثلاثين سنة أو أقل من ذلك وبين ما نحن عليه الآن، ولم تكن الشريعة تطبق قبل خمسين سنة ولكن أثرها قوي كان لا يزال باقياً متمثلاً في أخلاقنا وعاداتنا وتقاليدنا ثم أخذ يضعف ويتضاءل على مر الأيام.
ونستطيع أن نلمس أثر الشريعة واضحاً في الفرق بين الشرق الإسلامي عامة وبين بلاد الغرب، بالرغم من أن بلاد الشرق كلها تقريباً قد أخذت بقوانين الغرب ونظمه ودرجت على أثره وراحت تتشبه به حتى فيما يتصل بالأعراض والأخلاق، فلا زال الشرق ينفر من جريمة الزنا ويستفظعها ويحقر مرتكبيها ويستقل كل عقوبة مهما عظمت عليها، بينما الغرب لا يحفل بهذه الجريمة ولا يهتم بالأخلاق والأعراض على العموم. والفرق بين الشرق والغرب هو الفرق بين الشريعة والقانون، كل قد ترك طابعه في الجماعة التي حكمها طويلاً، فعقوبة الشريعة العادلة الرادعة قد خلفت وراءها مجتمعاً صالحاً يقوم على الأخلاق الفاضلة، وعقوبة القانون الهينة على الأفراد المضيعة للجماعة قد تركت وراءها مجتمعاً فاسداً منحلاً تسيره الأهواء وتحكمه الشهوات.
* * *
المبحث الثاني
عقوبة القذف
455 -
الجلد وعدم الأهلية للشهادة: للقذف في الشريعة عقوبتان: إحداهما: أصلية وهي الجلد، والثانية: تبعية وهي عدم قبول شهادة القاذف.
وعقوبة الجلد ولو أنها بطبيعتها ذات حدين إلا أن عقوبة الجلد للقاذف ذات حد واحد؛ لأن عدد الجلدات محدد، وليس للقاضي أن ينقص منها أو يزيد فيها أو يستبدل بها غيرها.
والأصل في عقوبتي القذف قول الله جل شأنه: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4] .
ولا تعاقب الشريعة على القذف إلا إذا كان كذباً واختلافاً، فإن كان تقديراً للواقع فلا جريمة ولا عقوبة.
والبواعث التي تدعو القاذف للافتراء والاختلاق كثيرة منها: الحسد والمنافسة والانتقام، ولكنها جميعاً تنتهي إلى غرض واحد يرمي إليه كل قاذف هو إيلام المقذوف وتحقيره.
وقد وقعت عقوبة القذف في الشريعة على أساس محاربة هذا الغرض، فالقاذف يرمي إلى إيلام المقذوف إيلاماً نفسياً فكان جزاؤه الجلد ليؤلمه إيلاماً بدنياً؛ لأن الإيلام البدني هو الذي يقابل الإيلام النفسي؛ لأنه أشد منه وقعاً على النفس والحس معاً، إذ أن الإيلام النفسي هو بعض ما ينطوي عليه الإيلام البدني.
والقاذف يرمي من وراء قذفه إلى تحقير المقذوف، وهذا التحقير فردي؛ لأن مصدره فرد واحد هو القاذف، فكان جزاؤها أن يحقر من الجماعة كلها وأن يكون هذا التحقير العام بعض العقوبة التي تصيبه فتسقط عدالته ولا تقبل له شهادة أبداً ويوصم وصمة أبدية بأنه من الفاسقين.
وهكذا حاربت الشريعة الإسلامية الدوافع النفسية الداعية إلى الجريمة بالعوامل النفسية المضادة التي تستطيع وحدها التغلب على الدوافع الداعية للجريمة وصرف الإنسان عن الجريمة، فإذا فكر شخص أن يقذف آخر ليؤلم نفسه ويحقر شخصه ذكر العقوبة التي تؤلم النفس والبدن، وذكر التحقير الذي تفرضه عليه الجماعة، فصرفه ذلك عن الجريمة، وإن تغلبت العوامل الداعية إلى الجريمة مرة على العوامل الصارفة عنها فارتكب الجريمة، كان فيما يصيب بدنه ونفسه من ألم العقوبة وفيما يلحق شخصه من تحقير الجماعة ما يصرفه نهائياً عن العودة لارتكاب الجريمة بل ما يصرفه نهائياً عن التفكير فيها.
456 -
عقوبة القذف في القوانين: وتعاقب القوانين على القذف بالحبس أو بالغرامة أو بهما معاً، وهي عقوبات غير رادعة، ولذلك ازدادت جرائم القذف والسب زيادة عظيمة، وأصبح الناس وعلى الأخص رجال الأحزاب يتبادلون القذف والسب كما لو كانوا يتقارضون المدح والثناء، كل يحاول تحقير الآخر وتشويهه بالحق أو بالباطل، وكل يريد أن يهدم أخاه ليخلوا له الجو ينطلق فيه، وسيظلون كذلك حتى يمزقوا أعراضهم ويقطعوا أرحامهم ويهدموا أنفسهم بأيديهم، ولكنهم سيتركون أسوأ مثل يحتذى لمن بعدهم.
ولو أن أحكام الشريعة الإسلامية طبقت على هؤلاء بدلاً من القانون لما جرؤ أحدهم على أن يكذب على أخيه كذبة واحدة؛ لأنها تؤدي به إلى الجلد وتنتهي بإبعاده عن الحياة العامة، فلا قيادة ولا رئاسة ولا أمر ولا نهي، ذلك أن من كذب سقطت شهادته، ومن سقطت شهادته سقطت عدالته، ومن سقطت عدالته سقطت عنه قيادته ورئاسته، ولأن الأمر والنهي من حق المتيقن ولا يكون أبداً للفاسقين.
وما تشكو منه مصر وتتألم له تشكو منه كل البلاد الديموقراطية، ويرى بعض المفكرين في هذا عارضاً محتملاً تقتضيه حياة الشورى؛ لأنها تقوم على اختلاف وجهات النظر وتعد الأحزاب واختلاف البرامج، ويراه البعض شراً مستطيراً ومرضا ًخطيراً من أمراض الديموقراطية لا ينقضي إلا بالقضاء عليها، وأصحاب الرأيين على خطأ فيما ذهبوا إليه؛ لأن الشورى لا تقتضي بطبيعتها خلق الجرائم ولا التشجيع على ارتكابها، ولو هدوا إلى الطيب من القول لقالوا إن هذا العارض المحتمل وهذا الشر المستطير كلاهما ناشئ عن انعدام العقوبة الرادعة التي تصد الناس عن اقتراف الجريمة.
إن العالم كله يقوم على فكرة الثواب والعقاب، ولقد كان يسير على هذه الفكرة في روحانيتها القديمة الباقية، وهو يسير عليها الآن في ماديته الحديثة