الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الشريعة لتقرير المساواة وإنما اقتضت ذلك ضرورة تكميل الشريعة بالمبادئ التي يجب أن تكون في شريعة كاملة دائمة.
ونستطيع أن ندرك مدى السمو الذي وصلت إليه الشريعة بتقريرها مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة إذا علمنا أن القوانين الوضعية لم تسمح بالتسوية بينهما إلا في القرن التاسع عشر، وأن بعضها يمنع النساء إلى اليوم من التصرف في شئونهن الخاصة إلا بإذن أزواجهن.
ويمكننا أن نلاحظ بسهولة مدى عموم النصوص ومرونتها، وأنها لا تضيق بحالة ما، ولا تعجز عن الإحاطة بكل ما يتصور من المسائل، فإذا أضيف هذا إلى ما في النصوص من كمال وسمو كان من الحق أن نقول إن نصوص الشريعة لا تقبل التعديل والتبديل، لأنها ليست في حاجة إلى تعديل أو تبديل.
23 - نظرية الحرية:
من المبادئ الأساسية التي جاءت بها الشريعة الإسلامية مبدأ الحرية، فقد أعلنت الشريعة الحرية وقررتها في أروع مظاهرها؛ فقررت حرية التفكير، وحرية الاعتقاد، وحرية القول، وسنتكلم عن هذه الحريات واحدة بعد الأخرى فيما يأتي.
24 - حرية التفكير:
جاءت الشريعة الإسلامية معلنة حرية التفكير، محررة للعقل من الأوهام والخرافات والتقاليد والعادات، داعية إلى نبذ كل ما لا يقبله العقل. فهي تحث على التفكير في كل شئ وعرضه على العقل، فإن آمن به العقل كان محل إيمان، وإن كفر به كان محل كفران. فلا تسمح الشريعة للإنسان أن يؤمن بشيء إلا بعد أن يفكر فيه ويعقله، ولا تبيح له أن يقول مقالاً أو أن يفعل فعلاً إلا بعد أن يفكر فيما يقول ويفعل ويعقله.
ولقد قامت الدعوة الإسلامية نفسها على أساس العقل، فها هو القرآن يعتمد في إثبات وجود الله، ويعتمد في إقناع الناس بالإسلام، ويعتمد في حملهم على الإيمان بالله ورسوله وكتابه - يعتمد القرآن في ذلك كله اعتماداً أساسياً على استثارة
تفكير الناس وإيقاظ عقولهم، ويدعوهم بشتى الوسائل إلى التفكير في خلق السموات والأرض وفي خلق أنفسهم وفي غير ذلك من المخلوقات، ويدعوهم إلى التفكير فيما تقع عليه أبصارهم وما تسمعه آذانهم؛ ليصلوا من وراء ذلك كله إلى معرفة الخالق، وليستطيعوا التمييز بين الحق والباطل.
ونصوص القرآن التي تحض على استخدام العقل وتحرير الفكر لا تعد كثرة، منها قوله تعالى:{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164]، وقوله:{قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا} [سبأ: 46] وقوله: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى} [الروم: 8]، وقوله:{قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [يونس: 101]، وقوله:{إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ* فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ* خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ* يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} [الطارق: 5 - 7]، وقوله:{أَفَلا يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ* وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ* وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ* وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} [الغاشية: 17 - 20]، وقوله:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق: 37]، وقوله:{وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَاّ أُوْلُواْ الألْبَابِ} [آل عمران: 7] .
ويعيب القرآن على الناس أن يلغوا عقولهم، ويعطلوا تفكيرهم، ويقلدوا غيرهم، ويؤمنوا بالخرافات والأوهام، ويتمسكوا بالعادات والتقاليد دون تفكير فيما يتركون وما يدعون، وينعي عليهم ذلك كله، ويصف من كانوا على هذه الشاكلة بأنهم كالأنعام بل أضل سبيلاً من الأنعام؛ لأنهم يتبعون غيرهم دون التفكير ولا يحكمون عقولهم فيما يعملون أو يقولون أو يسمعون، ولأن العقل هو الميزة الوحيدة التي ميز الله بها الإنسان على غيره من المخلوقات، فإذا ألغى