الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وموسى ونوح عليهم الصلاة والسلام، فإنهم أعطوا من المزايا والآيات ما يقتضي تفضيلهم عليه، أو بالجملة فرجع الأمر في ذلك إلى الله يدبره كما يشاء، لا يسأل عما يفعل لكمال علمه وحكمته، ثم إنه لا يترتب على السؤال عن ذلك عمل أو تثبيت عقيدة، بل ربما أصيب بالحيرة من حام حول ذلك، واستولت عليه الريب والشكوك، وعلى المؤمن التسليم فيما هو من شئون الله، وليجتهد فيما هو من شئون العباد عقيدة وعملا، وهذا هو منهج الأنبياء والمرسلين، وطريق الخلفاء الراشدين، وسلف الأمة المهتدين.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو
…
عضو
…
نائب رئيس اللجنة
…
الرئيس
عبد الله بن قعود
…
عبد الله بن غديان
…
عبد الرزاق عفيفي
…
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
السؤال الرابع:
لماذا سمي عيسى ابن مريم بالمسيح
؟
الجواب: سمي عيسى ابن مريم بالمسيح؛ لأنه ما مسح على ذي عاهة إلا برئ بإذن الله.
وقال بعض السلف: سمي مسيحا لمسحه الأرض، وكثرة سياحته فيها للدعوة إلى الدين.
وعلى هذين القولين يكون المسيح بمعنى ماسح، وقيل: سمي مسيحا؛ لأنه كان مسيح القدمين لا أخمص له، وقيل: لأنه مسح بالبركة، أو طهر من الذنوب فكان مباركا، وعلى هذين القولين يكون مسيح ممسوح والأظهر الأول، والله أعلم.
وعلى كل حال لا يتعلق بذلك عقيدة ولا عمل فالجدوى في ذلك ضعيفة أو معدومة.
مع هذه الأسئلة نصوص يستدل بها القاديانيون على موت عيسى ودفنه، أرجو بيان تلك النصوص وكيف نرد عليهم؟
الآية الأولى: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ} (1).
الجواب: القصد من هذه الآية الرد على من قال: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} (2)، ومن قالوا:{إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} (3) ببيان أن عيسى المسيح عليه السلام ليس ربا ولا إلها يعبد،
(1) سورة المائدة الآية 75
(2)
سورة المائدة الآية 72
(3)
سورة المائدة الآية 73
بل رسول كرمه الله بالرسالة، شأنه شأن الرسل الذين مضوا من قبله أجله محدود، لكن لم تبين هذه الآية متى يموت، وقد بينت الأدلة الماضية من الكتاب والسنة أنه رفع حيا، وأنه سينزل حكما عدلا، ثم يموت بعد نزوله آخر الزمان وحكمه بين الناس، ثم ذكر تعالى أن عيسى وأمه عليهما السلام كانا يأكلان الطعام، فدل بذلك على أنهما ليسا إلهين مع الله؛ لشدة حاجتهما إلى ما يحفظ عليهما حياتهما من الطعام، والله تعالى فرد صمد له الغنى المطلق يحتاج إليه كل ما عداه، ولا يحتاج هو إلى أحد سواه.
يؤيد أن المراد بالآية ما ذكر سابقها ولاحقها من الآيات فقد سبقها آية: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} (1) وآية {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} (2) وقد ذكر بعدها النهي عن الغلو في الدين وإنكار عبادة غير الله، ولعن من فعل ذلك أو سكت عنه ولم ينكره، ويوضح ذلك أيضا قوله تعالى في سورة الأنعام:{قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ} (3).
الآية الثانية: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَاّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ} (4).
الجواب: القصد من الآية الرد على من كفر برسالة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لزعمه أن الرسول إنما يكون من الملائكة لا من البشر، فرد الله عليهم زعمهم ببيان أن سنة الله سبحانه في إرسال الرسل إلى البشر أن يصطفيهم من البشر، وأنهم يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، شأنهم في ذلك شأن البشر، وليس في الآية تحديد لأجل عيسى عليه السلام، وقد بينت الآيات الأخرى والأحاديث رفعه حيا ثم نزوله وحكمه بعد نزوله آخر الزمان، ثم موته كما تقدم.
الآية الثالثة: {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ} (5).
الجواب: ليس في هذه الآية أي دلالة على موت عيسى عليه السلام حينما تآمر اليهود على قتله وصلبه، وإنما فيها الدلالة على أن الأنبياء والمرسلين ومنهم عيسى، ليسوا أجسادا لا تأكل
(1) سورة المائدة الآية 17
(2)
سورة المائدة الآية 73
(3)
سورة الأنعام الآية 14
(4)
سورة الفرقان الآية 20
(5)
سورة الأنبياء الآية 8
بل يأكلون كما يأكل الناس، وفيها الحكم بأنهم لا يخلدون في الدنيا، وأهل السنة يؤمنون بذلك، وأن عيسى كغيره من المرسلين يأتي عليه الموت كغيره، إلا أن الكتاب والسنة دلا على أن ذلك بالنسبة له لا يكون إلا بعد نزوله من السماء حكما عدلا، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير كما تقدم.
الآية الرابعة: {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} (1).
الجواب: هذه الجملة وإن كانت عامة، إلا أنها خصصت بالآيات والمعجزات التي أجراها الله على أيدي رسله، وكانت حجة لهم على أممهم في إثبات الرسالة، كانفلاق البحر لموسى اثني عشر طريقا يبسا بضربة عصا، وكإبراء عيسى الأكمه والأبرص وإحيائه الموتى بإذن الله، إلى غير هذا مما هو كثير معلوم، فرفع عيسى حيا وإبقاؤه قرونا ونزوله بعد ذلك مما استثني من هذا العموم كغيره من خوارق العادات التي هي سنة الله مع رسله، ولا غرابة في ذلك.
الآية الخامسة: {إِنْ هُوَ إِلَاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ} (2).
الجواب: هذه الآية تثبت العبودية لعيسى عليه السلام، وأن الله أنعم عليه بالرسالة، وليس ربا ولا إلها، وأنه آية على كمال قدرة الله، ومثل أعلى في الخير يقتدى به ويهتدى بهديه فهي شبيهة في مغزاها بالآية الأولى، وليس فيها أي دلالة على تحديد لأجل عيسى عليه السلام، وإنما يؤخذ بيان ذلك وتحديده من نصوص أخرى كما تقدم.
الآية السادسة: {قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} (3).
الجواب: جاء في صدر الآية {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} (4)، فكان قوله تعالى:{قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} (5) ردا على زعمهم أن عيسى عليه السلام هو الله، ببيان أن عيسى وأمه عبدان ضعيفان كسائر خلق الله، لو شاء الله أن يهلكه وأمه ومن في
(1) سورة الأحزاب الآية 62
(2)
سورة الزخرف الآية 59
(3)
سورة المائدة الآية 17
(4)
سورة المائدة الآية 72
(5)
سورة المائدة الآية 17
الأرض جميعا من المخلوقات لفعل، ولكنه لم يعمهم بالهلاك بل أجرى فيهم سنته بالإهلاك في مواقيت محدودة اقتضتها حكمته سبحانه، وكان من حكمته أنه لم يهلك عيسى عليه السلام حينما تآمر عليه اليهود، ولا بعد رفعه، وإنما رفعه حيا وأبقاه حيا حتى ينزل ويحكم ببن الناس بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم يميته بعد ذلك كما تقدم.
الآية السابعة: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} (1).
الجواب: حملت مريم بعيسى عليهما السلام بلا أب، بل على خلاف السنة الكونية في غيرهما من الآيات البينات الدالة على كمال قدرة الله سبحانه، وقد آواهما الله إلى ربوة مكان مرتفع خصيب فيه استقراه وماء معين ظاهر تراه العيون، والمراد بذلك بيت المقدس من فلسطين؛ رحمة من الله بهما ونعمة من الله عليهما، وكان ذلك في فلسطين لا في بلد من بلاد باكستان، وكان ذلك قبل ميلاد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بأكثر من خمسمائة عام، لا بعد هجرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بأكثر من اثني عشر قرنا، فمن حمل الربوة على مكان بباكستان، أو تأول ابن مريم على غلام أحمد فقد حرف الآية وافترى على الله كذبا، وخرج عن واقع التاريخ.
الآية الثامنة: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} (2).
الجواب: استدلال القاديانيين بهذه الآية على موت عيسى عليه السلام فيما مضى مبني على تفسير المتوفى بالإماتة، وهو مخالف لما صح عن السلف من تفسيره بقبض الله رسوله عيسى عليه السلام من الأرض، ورفعه إليه حيا، وتخليصه بذلك من الذين كفروا جميعا بين نصوص الكتاب والسنة الصحيحة الدالة على رفعه حيا، وعلى نزوله أخر الزمان وعلى إيمان أهل الكتاب جميعا وغيرهم به.
أما ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما من تفسير التوفي هنا بالإماتة فلم يصح سنده؛ لانقطاعه إذ هو من رواية علي بن أبي طلحة عنه، وعلي لم يسمع منه ولم يره، ولم يصح أيضا ما روي عن وهب بن منبه اليماني من تفسير التوفي بالإماتة؛ لأنه من رواية محمد بن إسحاق عمن لا يتهم عن وهب ففيه عنعنة ابن إسحاق وهو مدلس، وفيه مجهول، ثم هذا التفسير لا يزيد عن
(1) سورة المؤمنون الآية 50
(2)
سورة آل عمران الآية 55
كونه احتمالا في معنى التوفي؛ فإنه قد فسر بمعان: فسر بأن الله قد قبضه من الأرض بدنا وروحا، ورفعه إليه حيا وفسر بأنه أنامه ثم رفعه، وبأنه يميته بعد رفعه ونزوله آخر الزمان؛ إذ الواو لا تقتضي الترتيب، وإنما تقتضي جمع الأمرين له فقط.
وإذا اختلفت الأقوال في معنى الآية وجب المصير إلى القول الذي يوافق ظواهر الأدلة الأخرى؛ جمعا بين الأدلة وردا للمتشابه منها إلى المحكم، كما هو شأن الراسخين في العلم، دون أهل الزيغ الذين يتبعون ما تشابه من التنزيل؛ ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله. وقانا الله شرهم.
الآية التاسعة: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} (1).
الجواب: الاستدلال بالآية على موت عيسى عليه السلام، قبل رفعه إلى السماء، أو بعد رفعه، وقبل نزوله آخر الزمان، مبني على تفسير التوفي بالإماتة كما سبق في الكلام على الآية الثامنة، وقد تقدم أن هذا التفسير غير صحيح، وأنه على خلاف ما فسره به السلف جمعا بين نصوص الأدلة من الكتاب والسنة الصحيحة.
الآية العاشرة: {وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} (2).
الجواب: هذه الكلمة مما حكاه الله سبحانه في القرآن، من كلام عيسى عليه السلام في المهد، وفيها أنه سبحانه أمره بالصلاة والزكاة ما دام حيا، وليس فيها تحديد لحياته ولا بيان لوقت مماته، وقد بينت ذلك الآيات التي تقدم ذكرها، فيجب حمل المجمل على المفصل من النصوص، وألا يضرب بعضها ببعض، ولا يوقف عند الذي يتشابه؛ فإن جميع ذلك من عند الله يبين بعضه بعضا ويصدق بعضه بعضا.
الآية الحادية عشرة: {وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} (3)
(1) سورة المائدة الآية 117
(2)
سورة مريم الآية 31
(3)
سورة مريم الآية 33
الجواب: هذه كالتي قبلها، فيها إثبات السلام والأمن له من الله في كل أحواله، وليس فيها تحديد لمدة حياته، ولا لوقت موته، فيجب الرجوع إلى النصوص الأخرى التي تبين ذلك كما تقدم بيانه.
الآية الثانية عشرة: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} (1){أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ} (2) الجواب: هذه الآية سبقت للرد على من عبد غير الله من الملائكة، وعزيز وعيسى واللات والعزى ومناة، ببيان أنهم لا يخلقون شيئا ما ولا ذبابا، بل هم مخلوقون مربوبون أموات غير أحياء.
لكن الأدلة الأخرى دلت على بقاء عيسى عليه السلام حيا؛ حتى ينزل ويحكم بين الناس بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم ثم يموت.
الجواب: هذه الآية أمر الله فيها بالإيمان بجميع الأنبياء وما أنزل إليهم من ربهم، وبين أنه سبحانه لا يفرق بينهما في وجوب الإيمان بهم، وما أنزل إليهم من الله، وفي هذا رد على اليهود والنصارى الذين قالوا: كونوا هودا أو نصارى تهتدوا، وبيان لما أجمل من الرد عليهم في قوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:{قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (4) وليس المراد الأمر بعدم التفريق بينهم في الموت والحياة، فإن هذا لا يرشد إليه سياق الكلام، بل يرشد إلى ما ذكرنا.
كما أن ذلك مما لم تدع إليه الرسل فحمل الآية عليه تحريف لها عما سيقت له من المعنى، وعلى تقدير حمل قوله تعالى:{لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ} (5) على عمومة حتى يشمل عدم التفريق
(1) سورة النحل الآية 20
(2)
سورة النحل الآية 21
(3)
سورة البقرة الآية 136
(4)
سورة البقرة الآية 135
(5)
سورة البقرة الآية 136
بينهم في جنس الموت والحياة بدليل الواقع والنصوص، فإن ذلك يدل على التفاوت بينهم في كثير من صفات الموت والحياة وأنواعها ومكانها وطول العمر وقصره، إلى غير ذلك فلتكن من حياة عيسى وامتدادها طويلا ومكانها وموته بعد ذلك، مما اختلف فيه عن إخوانه النبيين بدليل النصوص السابقة.
الآية الرابعة عشرة: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (1).
الجواب: القصد من هذه الآية بيان أن كل إنسان مجزي بعمله لا يتجاوزه إلى غيره، ولا يسأل عنه سواه، كما في قوله تعالى:{كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} (2)، وقوله تعالى:{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (3).
فعليه أن يسعى جهده في كسب الخير واجتناب الشر، وألا يتعلق على غيره فخرا به أو أملا في النجاة من العذاب يوم القيامة بقرابته منه أو صلته به وتعظيمه له في دنياه.
وعيسى عليه السلام وإن دخل في عموم الأمة الماضية، إلا أن الأدلة من الكتاب والسنة قد خصصته برفعه إلى السماء وإبقائه حيا، ثم إنزاله آخر الزمان إلى آخر ما تقدم بيانه، ومن الأصول المعلومة في الشريعة الإسلامية أن النصوص الخاصة يقضى بها على النصوص العامة فتخصها، والنصوص التي نحن بصددها من ذلك.
الآية الخامسة عشرة: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا} (4){بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} (5).
الآية السادسة عشرة: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا} (6).
الجواب: تقدم الكلام على هاتين الآيتين في الكلام على الآية الأولى والثانية والثالثة
(1) سورة البقرة الآية 134
(2)
سورة الطور الآية 21
(3)
سورة الأنعام الآية 164
(4)
سورة النساء الآية 157
(5)
سورة النساء الآية 158
(6)
سورة النساء الآية 159
والرابعة.
وبالجملة فما يتعلل به القاديانيون من الآيات القرآنية لإثبات ما زعموا أن عيسى عليه السلام قد مات ودفن:
أ- إما عموميات خصصتها أدلة أخرى من الآيات والأحاديث دلت على رفع عيسى حيا وبقائه كذلك حتى ينزل آخر الزمان ويحكم بشريعة القرآن.
ووقف القاديانيون عند عموم الآيات بعد تخصيصها، وذلك باطل لمخالفته للقواعد والأصول الإسلامية.
-2 وإما آيات مجملة فسرتها نصوص أخرى يجب المصير إليها، فوقف القاديانيون عند المجمل يتعللون به لباطلهم، دون أن يرجعوا إلى المحكم الذي فسره، وهذا شأن من في قلوبهم زيغ ونفاق، الذين يتبعون ما تشابه من نصوص الكتاب والسنة؛ ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله على ما يوافق هواهم.
3 -
وإما كلمات اعتمدوا في تفسيرها على آثار لم يصح نسبتها إلى السلف، وقد تقدم بيان ذلك عند الكلام على الآية الثامنة:{إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} (1)، ففرح هؤلاء بهذه الآثار؛ لموافقتها لهواهم وموهوا بها على الجمهور، ولم ينظروا إلى أسانيدها، إما لجهلهم وإما تدليسا وخداعا؛ ترويجا لباطلهم، وما ذلك إلا لزيغهم ورغبتهم في الفتنة، قال الله تعالى:{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَاّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَاّ أُولُو الْأَلْبَابِ} (2)، والله الموفق للصواب وصلى الله على نبينا محمد آله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو
…
عضو
…
نائب رئيس اللجنة
…
الرئيس
عبد الله بن قعود
…
عبد الله بن غديان
…
عبد الرزاق عفيفي
…
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
(1) سورة آل عمران الآية 55
(2)
سورة آل عمران الآية 7
صفحة فارغة
أسئلة
الشباب القطري
مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فقد اطلعت على الأسئلة المقدمة من الأخ خالد بن أحمد بن عبد الله وإخوانه من شبيبة الدوحة، وهذه الإجابة عليها:
السؤال الأول: مسألة الاستمناء باليد. يقول الشيخ القرضاوي (1): وروي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه اعتبر المني فضلة من فضلات الجسم، فجاز إخراجه كالفصد، وهذا ما ذهب إليه وأيده ابن حزم. فهل صحيح أن الإمام أحمد أجاز الاستمناء عموما؟ وما دليله؟ ثم البلوى التي نشتكي إلى الله نحوها، هي أن الشباب ابتلوا بهذه الفعلة، ونسوا الصيام المأمور به عند هذه الحالة، وأن بعضهم أخذ يخبرنا أنه يصنع هيكلا من القماش والقطن، كهيئة قبل ودبر الأمرد، أو الفتاة، وبهذا يطأ هذا الشاب هذا الهيكل بإيلاج ذكره فيه. . إلخ.
الجواب: الاستمناء باليد محرم في أصح أقوال أهل العلم، وهو قول جمهورهم؛ لعموم قوله تعالى:{وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} (2){إِلَاّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} (3){فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} (4)، فأثنى سبحانه على من حفظ فرجه فلم يقض وطره إلا مع زوجته أو أمته، وحكم بأن من قضى وطره فيما وراء ذلك أيا كان، فهو عاد متجاوز لما أحله الله له، ويدخل في عموم ذلك الاستمناء باليد، كما نبه على ذلك الحافظ ابن كثير وغيره؛ ولأن في استعماله مضار كثيرة، وله عواقب وخيمة: منها إنهاك القوى، وضعف الأعصاب، وقد جاءت الشريعة الإسلامية بمنع ما يضر الإنسان في دينه وبدنه وماله وعرضه.
قال الموفق ابن قدامة رحمه الله في كتابه المغني: (ولو استمنى بيده فقد فعل محرما، ولا يفسد صومه به إلا أن ينزل، فإن أنزل فسد صومه؛ لأنه في معنى القبلة) اهـ. ومراده أنه في معنى القبلة؛ إذ أنزل بسببها، أما القبلة بدون إنزال فلا تفسد الصوم.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (5): (أما الاستمناء باليد فهو حرام عند جمهور العلماء، وهو أصح القولين في مذهب أحمد؛ ولذلك يعزر من فعله، وفي القول الآخر هو مكروه غير محرم، وأكثرهم لا يبيحونه؛ لخوف العنت ولا غيره) اهـ.
(1) الحلال والحرام ص 116 طبعة المكتب الإسلامي
(2)
سورة المؤمنون الآية 5
(3)
سورة المؤمنون الآية 6
(4)
سورة المؤمنون الآية 7
(5)
مجموع الفتاوى ج 34 ص 328.
وقال العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في تفسيره أضواء البيان (1) ما نصه: (المسألة الثالثة: اعلم أنه لا شك في أن آية: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} (2) هذه التي هي: {فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} (3) تدل بعمومها على منع الاستمناء باليد، -المعروف بجلد عميرة، ويقال له: الخضخضة - لأن من تلذذ بيده حتى أنزل منيه بذلك؛ قد ابتغى وراء ما أحله الله؛ فهو من العادين بنص هذه الآية الكريمة المذكورة هنا، وفي سورة سأل سائل، وقد ذكر ابن كثير: أن الشافعي ومن تبعه استدلوا بهذه الآية على منع الاستمناء باليد.
وقال القرطبي: قال محمد بن عبد الحكم: سمعت حرملة بن عبد العزيز قال: سألت مالكا عن الرجل يجلد عميرة، فتلا هذه الآية:{وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} (4) إلى قوله: {الْعَادُونَ} (5) قال مقيده- عفا الله عنه وغفر له -: الذي يظهر لي أن استدلال مالك والشافعي وغيرهما من أهل العلم بهذه الآية الكريمة على منع جلد عميرة الذي هو الاستمناء باليد، استدلال صحيح بكتاب الله، يدل عليه ظاهر القرآن. ولم يرد شيء يعارضه من كتاب ولا سنة. وما روي عن الإمام أحمد مع علمه وجلالته وورعه من إباحة جلد عميرة مستدلا على ذلك بالقياس قائلا: هو إخراج فضلة من البدن تدعو الضرورة إلى إخراجها، فجاز قياسا على الفصد والحجامة، كما قال في ذلك بعض الشعراء:
إذا حللت بواد لا أنيس به
…
فاجلد عميرة لا عار ولا حرج
فهو خلاف الصواب، وإن كان قائله في المنزلة المعروفة التي هو بها؛ لأنه قياس يخالف ظاهر عموم القرآن، والقياس إن كان كذلك؛ رد بالقادح المسمى فساد الاعتبار كما أوضحناه في هذا الكتاب المبارك مرارا، وذكرنا فيه قول صاحب مراقي السعود:
والخلق للنص أو إجماع دعا
…
فساد الاعتبار كل من وعى
فالله - جل وعلا - قال: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} (6) ولم يستثن من ذلك البتة إلا النوعين المذكورين في قوله تعالى: {إِلَاّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} (7) وصرح برفع الملامة في عدم حفظ الفرج عن الزوجة والمملوكة فقط، ثم جاء بصيغة عامة شاملة لغير النوعين
(1) أضواء البيان ج5 البيان ص 769.
(2)
سورة المؤمنون الآية 1
(3)
سورة المؤمنون الآية 7
(4)
سورة المؤمنون الآية 5
(5)
سورة المؤمنون الآية 7
(6)
سورة المؤمنون الآية 5
(7)
سورة المؤمنون الآية 6
المذكورين دالة على المنع هي قوله: {فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} (1) وهذا العموم لا شك أنه يتناول بظاهرة ناكح يده، وظاهر عموم القرآن لا يجوز العدول عنه إلا لدليل من كتاب أو سنة يجب الرجوع إليه، أما القياس المخالف له فهو فاسد الاعتبار كما أوضحنا، والعلم عند الله تعالى. اهـ.
وقال أبو الفضل عبد الله بن محمد بن الصديق الحسني الإدريسي في كتابه الاستقصاء لأدلة تحريم الاستمناء - أو العادة السرية - من الناحيتين الدينية والصحية، ما نصه: (الباب الأول في تحريم الاستمناء وبيان دليله: ذهب المالكية والشافعية والحنفية وجمهور العلماء إلى أن الاستمناء حرام، وهذا هو المذهب الصحيح الذي لا يجوز القول بغيره، وعليه أدلة كما يتبين بحول الله تعالى:
الدليل الأول:
قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} (2){إِلَاّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} (3){فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} (4) وجه الدلالة من هذه الآية الكريمة ظاهر، فإن الله تعالى مدح المؤمنين بحفظهم لفروجهم مما حرم عليهم، وأخبر برفع الحرج واللوم عنهم في قربانهم لأزواجهم، وإمائهم المملوكات لهم مستثنيا ذلك من عموم حفظ الفرج الذي مدحهم به، ثم عقب بقوله تعالى:{فَمَنِ ابْتَغَى} (5) أي طلب {وَرَاءَ ذَلِكَ} (6) أي سوى ذلك المذكور من الأزواج والإماء {فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} (7) أي الظالمون المتجاوزون الحلال إلى الحرام؛ لأن العادي هو الذي يتجاوز الحد، ومتجاوز ما حده الله ظالم بدليل قوله تعالى:{وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (8) فكانت هذه الآية عامة في تحريم ما عدا صنفي الأزواج والإماء، ولا شك أن الاستمناء غيرهما، فهو حرام ومبتغيه ظالم بنص القرآن، ثم استرسل في ذكر الأدلة إلى أن قال: (الدليل السادس: ثبت في علم الطب أن الاستمناء يورث عدة أمراض: منها: أنه يضعف البصر، ويقلل من حدته المعتادة إلى حد بعيد، ومنها: أنه يضعف عضو التناسل، ويحدث فيه ارتخاء جزئيا أو كليا، بحيث يصير فاعله أشبه بالمرأة؛ لفقده أهم مميزات الرجولة التي فضل الله بها الرجل على المرأة، فهو لا يستطيع الزواج، وإن فرض أنه تزوج فلا يستطيع القيام بالوظيفة الزوجية على الوجه المطلوب، فلا بد أن تتطلع امرأته إلى غيره؛ لأنه لم يستطع إعفافها، وفي ذلك مفاسد لا تخفى.
(1) سورة المؤمنون الآية 7
(2)
سورة المؤمنون الآية 5
(3)
سورة المؤمنون الآية 6
(4)
سورة المؤمنون الآية 7
(5)
سورة المؤمنون الآية 7
(6)
سورة المؤمنون الآية 7
(7)
سورة المؤمنون الآية 7
(8)
سورة البقرة الآية 229
ومنها: أنه يورث ضعفا في الأعصاب عامة؛ نتيجة الإجهاد الذي يحصل من تلك العملية. ومنها: أنه يورث اضطرابا في آلة الهضم؛ فيضعف عملها، ويختل نظامها. ومنها: أنه يوقف نمو الأعضاء خصوصا الإحليل والخصيتين، فلا تصل إلى حد نموها الطبيعي. ومنها: أنه يورث التهابا منويا في الخصيتين؛ فيصير صاحبه سريع الإنزال إلى حد بعيد، بحيث ينزل بمجرد احتكاك شيء بذكره أقل احتكاك.
ومنها أنه يورث ألما في فقار الظهر، وهو الصلب الذي يخرج منه المني، وينشأ عن هذا الألم تقويس في الظهر وانحناء.
ومنها: أنه يحل ماء فاعله؛ فبعد أن يكون منيه غليظا ثخينا كما هو المعتاد في مني الرجل؛ يصير بهذه العملية رقيقا خاليا من الدودات المنوية، وربما تبقى فيه دويدات ضئيلة لا تقوى على التلقيح؛ فيتكون منها جنين ضعيف، ولهذا نجد ولد المستمني- إن ولد له- ضعيفا بادي الأمراض، ليس كغيره من الأولاد الذين تولدوا من مني طبيعي.
ومنها: أنه يورث رعشة في بعض الأعضاء كالرجلين.
ومنها: أنه يورث ضعفا في الغدد المخية؛ فتضعف القوة المدركة، ويقل فهم فاعله بعد أن يكون ذكيا، وربما يبلغ ضعف الغدد المخية إلى حد يحصل معه خبل في العقل. اهـ.
وبذلك يتضح للسائل تحريم الاستمناء بغير شك؛ للأدلة والمضار التي سبق ذكرها- ويلحق بذلك استخراجه بما يصنع على هيئة الفرج من القطن ونحوه، والله أعلم.
الرئيس العام
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
السؤال الثاني: هل يجوز للرجل أن يحلق شعر جسده من الظهر والساقين والفخذين مع العانة والإبط، دون قصد تشبه بالنساء ولا بالكفرة من أهل الكتاب وغيرهم؟
الجواب: يجوز إزالة الشعر مما ذكر بما لا ضرر فيه على البدن ما دام لا يقصد فيه التشبه بالنساء أو الكفار؛ لأن الأصل هو الإباحة، ولا يجوز للمسلم أن يحرم شيئا إلا بالدليل، ولا دليل يدل على تحريم ما ذكر، وسكوت الله -سبحانه - ورسوله صلى الله عليه وسلم عن ذلك يدل على الإباحة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم شرع لنا قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الآباط، وحلق العانة، وأباح للرجال