الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التلقي، أما وسائل الإعداد ذاتها، فإنما تستمد كما أسلفنا من عقيدة المجتمع وتضامنه وأهدافه، وعاداته وتقاليده وقيمه وآدابه، ومعارفه وتأريخه، ومصادر ثروته، المهارات اللازمة للمعيشة فيه، ومن هذه العقيدة والثقافة الواسعة، تختار المدرسة ما تعلمه لتلاميذها، في كل مرحلة من مراحل نموهم، وما يناسبها من المعرفة والمهارات والآداب، ومنها تكون مناهج الدراسة.
ومن هنا تأتي أهمية المدرسة وضرورة تعاهدها بالمنهج القويم، والمدرس المسلم الأمين والكتاب الجيد، وتعاهد بيئتها الاجتماعية بأن تكون إحدى وسائل الإعداد لتكوين الشخصية المسلمة، وأن أي تهاون في ذلك أو تقصير إنما يتجرع مرارة كأسه الفرد والجماعة معا.
البيت المسلم حلقة من حلقات الإعداد:
يمثل البيت المسلم إحدى الدعائم الأساسية في بناء الشخصية الإسلامية إذ هو المحضن الأول للطفل والمقر الدائم لحياة الفرد، وما دامت المدرسة في تعليمها إنما تنطلق من عقيدة الأمة وأهدافها وثقافتها وتاريخها وكل جوانب المعرفة وروافد العلم التي تتضافر على تكوين الشخصية المسلمة، فإن دور البيت ينبغي أن يكون دورا أساسيا لمساعدة وتدعيم كل المعارف والحقائق التي يتلقاها الفرد في المدرسة فتسير معها في اتجاه واحد يحقق التعاون والانسجام، وإذا كانت المدرسة تمثل الجانب النظري في الإعداد، فإن البيت ينبغي أن يكون محلا للتطبيق العملي لما يتلقاه الفرد في المدرسة، ويزيد في تبصيره بكثير مما تعجز المدرسة عن تغطيته، فإذا تحقق هذا التلاحم بين البيت والمدرسة كان لذلك أثره البعيد في تكوين الفرد وصلاحه واستقامة سلوكه، أما إذا حصل أي تناقض أو اختلاف بين ما يأخذه الطالب في المدرسة، وما يمارسه في البيت أو يشاهده في المنزل، فإن ذلك يورث اهتزازا في القيم، وتذبذبا في النفس، وازدواجية في التفكير، وبالتالي يحدث خللا في بناء الشخصية وتكوينها وتقل تطلعاتها
وسائل الإعلام:
وتأتي وسائل الإعلام اليوم في مقدمة وسائل الإعداد للشخصية المسلمة، فهي ذات
أثر بالغ الأهمية والخطورة، سلبا وإيجابا في تنشئة الأفراد وتوجيه الأجيال وتكوين الرأي العام.
ولهذا فإن وسائل الإعلام ينبغي أن يكون هدفها الأساسي هو الإعداد السليم، ومساندة البيئة والأسرة والمدرسة والمجتمع، في تكوين شخصيات الأفراد وإعدادهم، وعدم خروجها على وسائل التربية المقصودة والمبرمجة؛ لأن ذلك يحقق الانسجام والتعاون بين وسائل الإعداد، أما إذا كانت وسائل الإعلام تنطلق من منطلقات الترفيه، والتسلية، وقتل الوقت وغير ذلك، من الأغراض الهابطة، فإن كثيرا مما تتقبله النفوس المريضة في مجال الترفيه والتسلية، يتناقض مع ما تقرره العقيدة السليمة، وثقافة الأمة التي عادة ما تعد المناهج في المدارس والجامعات والمعاهد لخدمتها، وتعريف الناشئة بها وطبع نفوسهم عليها.
وهذا التناقض بين وسائل إعداد الناشئة في الأمة الواحدة، ينجم عنه اهتزاز في القيم وازدواجية في التفكير، وإذا كانت الصحافة تطالع الجيل في كل يوم بجديد في المقالات والتحاليل السياسية، والخبر والصورة وغيرها في صورة جذابة وإخراج متقن يشد القارئ، فإنه بقدر ما تكون هذه الأخبار صادقة، والمقالات هادفة، والتحاليل الإخبارية تطرق من وجهة نظر صادقة وسليمة، يكون رافد المعرفة وثمر الخبرة في اتجاه سليم أو طريق خاطئ، فإما أن يساند الإعداد الجيد أو يناقضه. الأمة الواعية هي التي تساند وسائل الإعداد فيها، على إعداد أفرادها إعدادا يتلاءم مع متطلعاتها، ويدفع إلى السعي لبلوغ غاياتها.
(والتلفزيون) يأتي في مقدمة وسائل الإعلام وأشدها خطرا وأبعدها أثرا في حياة الناشئة؛ إذ إنه يجمع بين جمال الصورة وحسن الصوت وإتقان الإخراج، في صور متغيرة وجذابة، ويتم إعداد برامجه وفق دراسة واعية للأوقات والمناسبات، وما يناسب كل فئة من فئات المجتمع من الوقت والمادة وطريقة العرض.
لهذا فإن الأمة الواعية في إعداد ناشئتها هي التي تستعمل هذه الوسيلة أداة للتربية السليمة، والتوجيه السديد.
فإذا انحرفت هذه الوسيلة في أية أمة كان ذلك مؤشرا على سوء الإعداد ونذير خطر
على الناشئة، وبالتالي ذهاب الريح والاندثار.
ولهذا يجب على الأمة أن تكون حارسة لعقيدة أبنائها، عاملة على تكتيل كل الجهود والوسائل، لإعداد أفرادها وعدم السماح لأي وسيلة بأن تنحرف عن المسار الصحيح، والمنهج القويم، في أي صورة من الصور سواء كان ذلك في جريدة أو إذاعة أو تليفزيون أو غيرها.
وهذا الإعداد والتكوين الذي أشرنا إلى حلقاته ومراحله، له خصائص ومقومات ينفرد بها عن مناهج التربية المعهودة على وجه الأرض المستمدة من غير شرع الله، وله وسائل متعددة منها النظري وفيها العملي، في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وحياة الأنبياء والرسل، من قبله وفي حياة الرعيل الأول من هذه الأمة المجاهدة. آثرت أن أتركها في هذا المقام لفرصة أخرى، وأرجو أن تتاح لي فرصة أخرى لاستعراض هذه المقومات والخصائص وتفصيل هذه الوسائل واستخلاص العبرة من التطبيقات العملية عبر التاريخ. ولكي يعطي هذا الإعداد ثماره اليانعة وعطاءه المثمر فإنه يتطلب أن يتم في مناخ ملائم وتربة خصبة قابلة للإنبات، أو مجتمع يشم فيه الفرد عبير الحرية ويعطيه بعدا كافيا في نفسه وفي شخصيته في مجتمعه.
هذا وإن أمتنا المسلمة اليوم وقد جربت مناهج الأرض كلها وطبقت كل التجارب الأرضية والأفكار والنظم العلمانية. فنزلت بها إلى الدرك الأسفل، وبقيت مثخنة بجراحها، تئن من سوء واقعها حتى فقدت الأمل في كل ما كانت ترجو النجاة عن طريقه، وأصابها شعور مزيج من اليأس والأمل واليأس من أنهم ممن لا يستحقون نصر الله، والأمل في النصر من عند الله، إذ إنه سبحانه وحده هو المأمول لكشف البلاء، وإبدال الذل عزة والهزيمة نصرا. مصداقا لقوله تعالى:{حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ} (1).
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(1) سورة يوسف الآية 110