الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أن تحمل حقيقة ما تعنيه ألفاظه على تركيبها المعجز، ولو هي أدت معانيه كما يفهم أهل العصر، بقي منها ما ستفهمه العصور الأخرى. . ويقول: إن أشهر وأدق ترجمة لمعاني القرآن في اللغة الفرنسية ترجمت فيها هذه الآية: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} (1)، فكانت الترجمة هكذا: هن بنطلونات لكم وأنتم بنطلونات لهن. . . وكيف يمكن أن تترجم هذه الكنايات الدقيقة بشرح وبسط تؤدى فيه الكلمة الواحدة بجمل طويلة. .!؟
تم يقول: إن أمثال هذه الكنايات هي وجه من وجوه إعجاز القرآن للغات العالم كله.
(1) سورة البقرة الآية 187
رأي القائلين بجواز الترجمة:
أما الفريق الآخر الذي يجيز ترجمة معاني القرآن، ويدعو إليها، ويحض عليها، فمنهم الإمام أبو حنيفة، والإمام الشاطبي والإمام البخاري. . ومن المحدثين الإمام المراغي وأضرابه.
إن أبا حنيفة يجيز ترجمة معاني القرآن، بل يقول بصحة الصلاة بتلك الترجمة، والحنفية قاطبة متفقون على جواز ترجمة معاني القرآن للعارف، ويقولون: إذا ترجم القرآن فمن كان عاجزا عن القراءة باللفظ العربي وجب عليه وصحت له القراءة بالألفاظ الأجنبية المترجم إليها، وذلك هو أقوى الآراء عندهم.
أما إذا كان القارئ الأعجمي قادرا على تحريك لسانه باللفظ العربي فقد اختلفوا في أمره، فمنهم من يرى إلزامه بالقراءة في الصلاة وغيرها بالألفاظ العربية ما دام ذلك قد صار في مقدوره، ومنهم من يجيز له أن يقرأ بالترجمة الأجنبية التي يعي معانيها، ويدرك مقاصدها.
وللحنفية في هذه المسألة تفاصيل وفروع، ولكنها جميعها تتفق على جواز ترجمة معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية.
أما الشاطبي: فقد استدل في: الموافقات، على جواز ترجمة معاني القرآن بالقياس على ما هو حاصل من إجماع الأمة على تفسيره للعامة ومن ليس له من الفهم ما يقوى به على إدراك كل معانيه الدقيقة، وما الترجمة إلا تفسير وإيضاح لغير العربي؛ حتى يفقه القرآن وأحكامه، ويتدبر معانيه ومقاصده.
وأما البخاري: فإنه يستدل في " صحيحه " إلى جواز ترجمة معاني القرآن إلى لغات الأعاجم بالقياس على ما كان من ترجمة التوراة إلى العربية بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم. فقد روى في باب ما يجوز من تفسير التوراة وكتب الله بالعربية وغيرها هذا الرأي استنادا لقوله تعالى: {فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (1)، وذكر ما أخبر به ابن عباس عن أبي سفيان بن حرب من أن هرقل دعا ترجمانه ليقرأ كتاب النبي ويترجمه إليه، ونص الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله ورسوله إلى هرقل:{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَاّ نَعْبُدَ إِلَاّ اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} (2) فقرأ الترجمان الرسالة وترجمها إلى هرقل ليعيها ويفهم ما جاء بها.
وأورد البخاري أيضا ما رواه محمد بن بشار مرفوعا إلى أبي هريرة، قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، (4)» .
وأورد بسنده أيضا حديث ابن عمر قال: «أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل وامرأة من اليهود قد زنيا، فقال لليهود: ما تصنعون بهما؟ قالوا: نسخم وجهيهما ونخزيهما، قال: فجاءوا بها، فقالوا لرجل ممن يرضون: يا أعور، اقرأ، فقرأ حتى انتهى إلى موضع منها فوضع يده عليه، قال - يعني النبي صلى الله عليه وسلم ارفع يدك، فرفع يده، فإذا فيه آية الرجم تلوح، فقال (أي اليهودي القارئ): إن عليهما الرجم،
(1) سورة آل عمران الآية 93
(2)
سورة آل عمران الآية 64
(3)
صحيح البخاري تفسير القرآن (4485).
(4)
(5)
صحيح البخاري التوحيد (7543)، صحيح مسلم الحدود (1699)، سنن أبو داود الحدود (4446)، سنن ابن ماجه الحدود (2556)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 5)، موطأ مالك الحدود (1551)، سنن الدارمي الحدود (2321).
ولكنا نكاتمه بيننا، فأمر بهما فرجما، فرأيته يجنأ. عليها الحجارة (2)».
والبخاري يستنبط من ذلك كله جواز ترجمة معاني القرآن إلى لغات الأعاجم أخذا بالقياس على ترجمة التوراة.
وقد علق صاحب فتح الباري على ما ورد في الحديث الشريف من قوله تعالى: {فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا} (3) الآية. فقال: وجه الدلالة عند الإمام البخاري، أن التوراة بالعبرانية، فقضية ذلك الإذن في التعبير عنها بالعربية، وعكس ذلك يجوز أيضا بحكم قياس المساوي، فيجوز التعبير عن القرآن العربي بالعبرانية وغيرها، إذ لا فرق. . بل قد يقال: إن القرآن أولى لأن رسالته عامة، فالضرورة قاضية بترجمة معانيه، بخلاف التوراة فترجمتها للحاجة أو للكمال لا للضرورة لعدم عموم رسالة موسى عليه السلام.
وعلق أيضا صاحب فتح الباري على الحديث الذي ذكره البخاري عن ابن عباس عن أبي سفيان السابق ذكره، فقال: ووجه الدلالة منه أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى هرقل باللسان العربي، وهرقل لسانه رومي، ففيه إشعار بأنه اعتمد في إبلاغه ما في الكتاب على من يترجم عنه بلسان المبعوث إليه ليفهمه، والمترجم المذكور هو الترجمان، وكذا وقع، بل الحديث واضح الدلالة في جواز ترجمة معاني القرآن لغير العربية؛ لأن كتاب النبي صلى الله عليه وسلم مشتمل على آية قرآنية وهي:{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} (4) الآية. وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم بها للنجاشي ملك الحبشة أيضا، ولملك الفرس كذلك، والثلاثة أعاجم لا يعرفون العربية، ولا يخفى أن في ذلك إذنا ضمنيا منه عليه الصلاة والسلام في ترجمة معنى هذه الآية للغات المذكورة كلها، وقد جاء في الصحيح عن أبي سفيان بن حرب، أن هرقل لما جاءه الكتاب أمر ترجمانه فترجمها له، وما جاز في آية واحدة يجوز مثله في سائر القرآن على الإطلاق.
وعلق أيضا على حديث أبي هريرة بأن بعضهم استدل على جواز قراءة القرآن بالفارسية، وأيد ذلك بدليل آخر هو أن الله حكى في القرآن الكريم قول الأنبياء كقول
(1) سورة آل عمران الآية 93 (5){فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}
(2)
جنأ: أكب وحدب، أي أشرف كاهله على صدره، واجتنأ عليه: أكب عليه يقيه. (1)
(3)
سورة آل عمران الآية 93
(4)
سورة آل عمران الآية 64