الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والجواب أن يقال: إن شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - لم يقل: إن معية الله لخلقه معية ذاتية حتى يكون للمردود عليه تعلق بكلامه، وقد تقدم في الجواب عن الجملة الثانية ما نقله شيخ الإسلام عن سلف الأمة وأئمتها، أنهم أثبتوا أن الله تعالى فوق سماواته، وأنه على عرشه، بائن من خلقه، وهم منه بائنون، وأنه مع العباد عموما بعلمه، ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد والكفاية، وأن في آية النجوى دلالة على أنه عالم بهم، فكلام شيخ الإسلام "في الفتاوى" يوضح كلامه في "العقيدة الواسطية"، ويبين أنه أراد بالمعية معية العلم، ولم يرد المعية الذاتية التي تستلزم مخالطة الخلق في كل مكان.
وأما قول شيخ الإسلام: وهو علي في دنوه، قريب في علوه، فمراده بالدنو نزول الرب تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، كما جاء ذلك في الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك دنوه من أهل الموقف عشية عرفة، فقد جاء في حديث مرفوع أن الله تعالى يهبط إلى سماء الدنيا عشية عرفة، فيباهي بأهل الموقف الملائكة. وليس في نزول الرب تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا في آخر الليل، وفي عشية عرفة، ودنوه من خلقه ما يقتضي أن تكون معيته لهم معية ذاتية، وليس في كلام شيخ الإسلام ما يدل على ذلك، وقد ذكرت كلامه في المعية مما ذكره في الفتاوى وغيرها من كتبه، وما نقله من إجماع المسلمين من أهل السنة على أن معنى قوله تعالى:{وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} (1) ونحو ذلك في القرآن أن ذلك علمه. فليراجع ما تقدم من النقول عنه؛ ففيها كفاية في الرد على من توهم من كلامه في "العقيدة الواسطية" خلاف ما أجمع عليه الصحابة والتابعون في المعية، وأنها معية العلم وليست معية ذاتية.
(1) سورة الحديد الآية 4
الجملة الرابعة من الجمل التي تعلق بها المردود عليه:
قول ابن القيم في "مختصر الصواعق
" المثال التاسع: مما ادعى فيه المجاز قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} (1) وذكر آيات فيها المعية، ثم قال: قالت المجازية: هذا كله مجاز يمتنع حمله على الحقيقة؛ إذ حقيقته المخالطة والمجاورة، وهي منتفية قطعا، فإذا معناه العلم والقدرة والإحاطة، ومعية النصر والتأييد والمعونة، وكذلك القرب.
قال أصحاب الحقيقة: والجواب عن ذلك من وجوه - إلى أن قال: - الوجه الرابع: إنه ليس ظاهر اللفظ ولا حقيقته أنه مختلط بالمخلوقات، ممتزج بها - إلى أن قال: - وغاية ما تدل عليه (مع) المصاحبة والموافقة والمقارنة في أمر من الأمور، وذا الاقتران في كل موضع بحسبه يلزمه لوازم بحسب متعلقه، فإذا قيل: الله مع خلقه بطريق
(1) سورة الحديد الآية 4
العموم، كان من لوازم ذلك علمه بهم، وتدبيره لهم، وقدرته عليهم، وإذا كان ذلك خاصا كقوله:{إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} (1)، كان من لازم ذلك معيته لهم بالنصر والتأييد والمعونة.
قال: وقد أخبر الله تعالى أنه مع خلقه مع كونه مستويا على عرشه - إلى أن قال: - فعلوه لا يناقض معيته، ومعيته لا تبطل علوه، ثم تكلم على قرب الله تعالى وقال: فهو قريب من المحسنين بذاته ورحمته قربا ليس له نظير، وهو سبحانه مع ذلك فوق سماواته على عرشه، كما أنه سبحانه يقرب من عباده في آخر الليل، وهو فوق عرشه، ويدنو من أهل عرفة عشية عرفة وهو على عرشه. قال: وهو سبحانه قريب في علوه عال في قربه.
قال: والذي يسهل عليك فهم هذا معرفة عظمة الرب وإحاطته بخلقه، وأن السماوات السبع في يده كخردلة في يد العبد، وأنه سبحانه يقبض السماوات بيده والأرض بيده الأخرى، ثم يهزهن فكيف يستحيل في حق من هذا بعض عظمته أن يكون فوق عرشه، ويقرب من خلقه كيف شاء، وهو على العرش. اهـ.
والجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أن يقال: إن أهل السنة والجماعة أجمعوا على أن الله تبارك وتعالى مستو على عرشه، وعلمه وقدرته وتدبيره بكل ما خلقه، وأجمعوا على أن معنى قوله:{وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} (2) ونحو ذلك في القرآن أن ذلك علمه، وأن الله تعالى فوق السماوات بذاته، مستو على عرشه كيف شاء. وقد نقل ابن القيم هذا الإجماع في كتابه المسمى (باجتماع الجيوش الإسلامية)، والعمدة على هذا الإجماع، ولا عبرة بما خالفه من أقوال الناس.
الوجه الثاني: أن أقول: إني لم أر في شيء من كتب ابن القيم التصريح بأن معية الله لخلقه معية ذاتية، وإنما كان كلامه يدور على إثبات معية العلم والقدرة والإحاطة والرؤية لعموم الخلق، وعلى معية النصر والتأييد والكفاية لأنبياء الله وأوليائه، وقد ذكر في كتابه المسمى "باجتماع الجيوش الإسلامية" آيات كثيرة في إثبات علو الرب تبارك وتعالى واستوائه على عرشه، ومنها قوله تعالى في سورة الحديد:{هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (3)، ثم قال:
(1) سورة النحل الآية 128
(2)
سورة الحديد الآية 4
(3)
سورة الحديد الآية 4
فذكر عموم علمه، وعموم قدرته، وعموم إحاطته، وعموم رؤيته، وذكر أيضا في كتاب " اجتماع الجيوش الإسلامية" عن القاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني أنه قال في قول الله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} (1)، يعني بالحفظ والنصر والتأييد، ولم يرد أن ذاته معهم. قال: وقوله تعالى: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} (2) محمول على هذا التأويل، وقوله تعالى:{مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَاّ هُوَ رَابِعُهُمْ} (3) يعني أنه عالم بهم وبما خفي من سرهم ونجواهم. انتهى.
وقد أقره ابن القيم على هذا القول، وذلك يدل على الرضى به والموافقة عليه، وفيه رد لما تشبث به المردود عليه من كلام ابن القيم في كتاب (الصواعق المرسلة)، وقد قال ابن القيم في كتاب "الصواعق المرسلة" قبل كلامه الذي نقله المردود عليه بأقل من صفحة: الوجه الثاني: أن الله سبحانه قد بين في القرآن غاية البيان أنه فوق سماواته، وأنه مستو على عرشه، وأنه بائن عن خلقه، وأن الملائكة تعرج إليه وتنزل من عنده، وأنه رفع المسيح إليه، وأنه يصعد إليه الكلم الطيب إلى سائر ما دلت عليه النصوص من مباينته لخلقه وعلوه على عرشه. وهذه نصوص محكمة فيجب رد المتشابه إليها. انتهى.
قلت: وفي النصوص المحكمة الدالة على علو الله تبارك وتعالى فوق سماواته، ومباينته لجميع خلقه أبلغ رد على من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية؛ لأن هذا القول الباطل يستلزم الحلول مع الخلق في أماكنهم، وذلك من أبطل الباطل.
وأما دنو الرب تبارك وتعالى من عباده فهو ثابت في حديث النزول المتفق على صحته، وجاء في حديث مرفوع أن الله تعالى يهبط إلى سماء الدنيا عشية عرفة، فيباهي بأهل الموقف الملائكة، وهذا الحديث وحديث النزول في آخر الليل وغيرهما مما جاء في الصفات وهو ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه يجب الإيمان به، وإمراره كما جاء.
قال الأوزاعي: سئل مكحول والزهري عن تفسير الأحاديث - أي التي جاءت في الصفات - فقالا: أمروها كما جاءت. رواه الخلال في كتاب (السنة)، ونقله شيخ الإسلام ابن تيمية في "الفتوى الحموية الكبرى"، وروى الخلال أيضا عن الوليد بن مسلم قال: سألت مالك بن أنس وسفيان الثوري والليث بن سعد والأوزاعي عن الأخبار التي جاءت في الصفات، فقالوا: أمروها كما جاءت. وفي رواية فقالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف.
وقد نقل هذه الرواية أيضا
(1) سورة النحل الآية 128
(2)
سورة طه الآية 46
(3)
سورة المجادلة الآية 7