الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شريك له، والإشراك أن يجعل مع الله إله آخر (1).
(1) انظر: التدمرية ص 179 - 182، 185، 186.
المبحث الثاني: في العبادة:
تمهيد: سبق أن عرفنا عند تعريف توحيد الألوهية أن الألوهية هي العبادة، والآن لنعرف ما هي العبادة؟ وما هي أركانها، وشروطها، وخصائصها، وأنواعها؟ فنقول - وبالله التوفيق -:
أ -
تعريفها:
العبادة: لغة: الطاعة مع الخضوع، ومنه طريق معبد إذا كان مذللا بكثرة الوطء، ومنه: البعير المعبد، أي: المهنوء بالقطران؛ لأن ذلك يذله ويخفض منه (1).
العبادة شرعا: عرفت بتعاريف كثيرة، أظهرها ما قاله شيخ الإسلام حيث قال:(العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة)(2).
(1) انظر: لسان العرب، مادة عبد ج 9 ص 12، ومعجم مقاييس اللغة، مادة عبد ج 4 ص 206.
(2)
العبودية ص 38.
ب -
أركان العبادة:
يقول شيخ الإسلام: (لكن العبادة المأمور بها تتضمن معنى
الذل ومعنى الحب، فهي تتضمن غاية الذل لله تعالى بغاية الحب له، ومن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابدا له، ولو أحب شيئا ولم يخضع له لم يكن عابدا له كما يحب الرجل ولده وصديقه، ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء. . .) (1).
وقال ابن القيم وهو يستدل بقوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} (2) على منزلة الرجاء، قال: فذكر مقامات الإيمان الثلاثة التي عليها بناؤه: الحب، والخوف، والرجاء) (3)، من كلام شيخ الإسلام وابن القيم اتضح أن العبادة المأمور بها تقوم على أركان ثلاثة، وهي المحبة والرجاء والخوف.
الركن الأول: المحبة:
والمراد بها هنا محبة العبودية المستلزمة للذل والخضوع والتعظيم وكمال الطاعة وإيثاره سبحانه وتعالى على غيره، وهي المحبة الخاصة التي لا يجوز تعلقها بغير الله، ومتى أحب
(1) العبودية ص 44.
(2)
سورة الإسراء الآية 57
(3)
مدارج السالكين ج 2، ص 36.
العبد بها غيره كان شركا أكبر، قال تعالى:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} (1).
ودليلها وعلامتها اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، قال تعالى:{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (2).
قال أبو سليمان الداراني: (لما ادعت القلوب محبة الله أنزل الله لها محنة {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} (3)، وقال ابن القيم وهو يتكلم عن هذه المحبة:(فدليلها وعلامتها اتباع الرسول صلى الله علمه وسلم. . .)(4).
الثاني: الرجاء:
وهو أن يقوم العبد بالعبادة على نور من الله يرجو ثوابه، أو يتوب إليه من ذنب، فهو يرجو مغفرته وعفوه، ويطمع في مزيد إحسانه دون أن يوقعه ذلك في شيء من الأمن من مكر الله وعقوبته، قال تعالى:{فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} (5).
(1) سورة البقرة الآية 165
(2)
سورة آل عمران الآية 31
(3)
سورة آل عمران الآية 31
(4)
مدارج السالكين ج 3، ص 22.
(5)
سورة الأعراف الآية 99
وهو من مستلزمات المحبة، وعلى حسب المحبة وقوتها يكون الرجاء، فالعبد أرجى ما يكون لحبيبه أحب ما يكون إليه، كما أنه لا يكون إلا مع الإتيان بالأسباب من فعل الأوامر وترك النواهي، قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (1)، فذكر سبحانه وتعالى أنهم يرجون رحمة الله مع الاجتهاد في الأعمال الصالحة، أما الرجاء مع الإصرار على ترك المأمور أو فعل المنهي فذلك من غرور الشيطان.
الثالث: الخوف:
وهو أن يعبد العبد ربه خوفا من عقابه وحذرا من ناره دون أن يدفعه هذا الخوف إلى شيء من اليأس والقنوط، قال تعالى:{إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} (2)، وعلى حسب المحبة يكون الخوف، لكن خوف المحب لا يصحبه وحشة بخلاف خوف المسيء.
وهذا الخوف لا يجوز تعلقه بغير الله تعالى؛ لأنه من لوازم الألوهية، فمن اتخذ مع الله ندا يخافه كخوف الله فهو مشرك كمن يخاف من صاحب قبر ونحوه، قال تعالى:{فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (3).
(1) سورة البقرة الآية 218
(2)
سورة يوسف الآية 87
(3)
سورة آل عمران الآية 175
وهذا هو الذي كان المشركون يعتقدونه في آلهتهم، ولهذا يخوفون بها أولياء الرحمن كما خوفوا الخليل عليه السلام فقال لهم:{وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ} (1){وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (2).
ونختم الكلام في أركان العبادة بالتذكير بأن هذه الأركان لا بد أن تكون مجتمعة، وأن يكون بينها شيء من التوازن، فمن تعلق بواحد منها أو غلا فيه على حساب الآخر لم يكن عابدا لله تمام العبادة.
فعبادة الله بالحب فقط طريقة الصوفية، وعبادته بالرجاء وحده طريقة المرجئة، وعبادته بالخوف وحده طريقة الخوارج، وعبادته بالحب والخوف والرجاء طريقة أهل السنة التي يجب أن يكون عليها
(1) سورة الأنعام الآية 80
(2)
سورة الأنعام الآية 81