الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، وهذه الفرق كلها في النار إلا واحدة وهي من كان على مثل ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهذه الفرقة الناجية التي نجت في الدنيا من البدع وتنجو في الآخرة من النار، هي الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة التي لا تزال ظاهرة قائمة بأمر الله عز وجل " (1).
رأينا من خلال ما سبق أن النصوص صريحة في بقاء الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة، وأن الطائفة المنصورة هي الجماعة، وعليه؛ فالجماعة التي أمرنا بلزومها موجودة على مدار الزمان، فيجب البحث عنها، والحرص على لزومها، فلزومها واجب، والآثار المترتبة على لزومها عظيمة، وسيأتي بيان ذلك في المباحث التالية، إن شاء الله تعالى.
(1) مجموع الفتاوى والرسائل (1/ 38).
المبحث الثالث: وجوب لزوم الجماعة
النصوص الواردة في الحث على لزوم الجماعة والتحذير من مفارقتها واضحة الدلالة على وجوب لزوم الجماعة وبيان ما يترتب عليها من الوعيد الشديد:
ففي حديث عمر رضي الله عنه: «عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة (1)» .
وفي حديث حذيفة: «تلزم جماعة المسلمين (2)» .
(1) سنن الترمذي (كتاب الفتن، 2165).
(2)
صحيح البخاري مع الفتح (كتاب المناقب، ح 3606، كتاب الفتن، ح 7084).
فحديث عمر قد اشتمل على الأمر الصريح بلزوم الجماعة، وحديث حذيفة جاء بصيغة الخبر ولكنه بمعنى الأمر، والأمر يقتضي الوجوب.
قال ابن بطال رحمه الله عن حديث حذيفة: " فيه حجة لجماعة الفقهاء في وجوب لزوم جماعة المسلمين، وترك الخروج على أئمة الجور "(1).
وجاء في حديث ابن عمر (2) وغيره النهي عن الفرقة، والنهي يقتضي التحريم.
وقد تواطأت على الأمر بلزوم الجماعة والنهي عن مفارقتها نصوص الكتاب:
فيقول تبارك وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (3){وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} (4).
وروى ابن جرير رحمه الله بسنده عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} (5) قال: الجماعة (6).
(1) حكاه ابن حجر في الفتح (13/ 37).
(2)
سبق (برقم 17).
(3)
سورة آل عمران الآية 102
(4)
سورة آل عمران الآية 103
(5)
سورة آل عمران الآية 103
(6)
تفسير ابن جرير (3/ 30).
وقال ابن كثير رحمه الله في قوله تعالى: {وَلَا تَفَرَّقُوا} (1)"أمرهم بالجماعة ونهاهم عن التفرقة "(2).
وقال تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (3){يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} (4) الآية.
روى ابن جرير بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا} (5) قال: " أمر الله جل ثناؤه المؤمنين بالجماعة، فنهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم أنما أهلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله "(6).
وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} (7)" يعني: يوم القيامة تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة ". حكاه عنه ابن كثير (8).
ويؤكد وجوب لزوم الجماعة ما رتب الشارع على الخروج عنها ومفارقتها من الوعيد الشديد:
ففي الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من رأى من أميره شيئا يكرهه
(1) سورة آل عمران الآية 103
(2)
تفسير ابن كثير (2/ 74).
(3)
سورة آل عمران الآية 105
(4)
سورة آل عمران الآية 106
(5)
سورة آل عمران الآية 105
(6)
تفسير ابن جرير (3/ 39).
(7)
سورة آل عمران الآية 106
(8)
تفسير ابن كثير (2/ 76).
فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة (2)».
وثبت أيضا من حديث ابن عمر رضي الله عنهما بنحوه (3).
وثبت من حديث أبي ذر والحارث الأشعري رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من فارق الجماعة شبرا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه (4)» .
وثبت من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من فارق الجماعة واستذل الإمارة لقي الله لا حجة له (5)» .
وقد بوب النووي رحمه الله للأحاديث الواردة في صحيح مسلم بهذا المعنى بقوله: " باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند الفتن وفي كل حال، وتحريم الخروج من الطاعة ومفارقة الجماعة "(6).
(1) صحيح البخاري مع الفتح (كتاب الفتن، ح 7054، كتاب الأحكام، ح 7143).
(2)
(1) جاهلية
(3)
سبق (برقم 12).
(4)
سنن أبي داود (كتاب السنة، ح 4758).
(5)
المستدرك (1/ 119).
(6)
شرح صحيح مسلم (12/ 237).
ومما يؤكد كذلك وجوب لزوم الجماعة وحرمة مفارقتها أن من عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يرون الصلاة والجهاد مع الأئمة وإن كانوا ظلمة فجرة، وذلك للحفاظ على الجماعة، يقول الإمام أبو إسماعيل الصابوني رحمه الله:"ويرى أصحاب الحديث الجمعة والعيدين وغيرهما من الصلوات خلف كل إمام برا كان أو فاجرا" ويرون جهاد الكفار معهم وإن كانوا جورة فجرة ويرون الدعاء لهم بالإصلاح والتوفيق والصلاح وبسط العدل في الرعية" (1).
وكان عبد الله بن عمر وأنس بن مالك رضي الله عنهما يصليان (2) خلف الحجاج بن يوسف وهو معروف بظلمه وجوره.
وكان ابن مسعود رضي الله عنه يصلي خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط حين كان أميرا بالكوفة وكان يشرب الخمر، وقد صلى الصبح أربعا، ثم قال:"أزيدكم"؟ فقال له ابن مسعود: " ما زلنا معك منذ اليوم في زيادة"(3).
وذكر الحافظ ابن حجر في ترجمة الوليد: أن قصة صلاته بالناس الصبح أربعا مشهورة مخرجة (4).
(1) عقيدة أصحاب الحديث (ص 92).
(2)
صحيح البخاري.
(3)
شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (ص 422).
(4)
الإصابة (10/ 313).