الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وسطية أهل السنة والجماعة في باب القدر
لفضيلة الدكتور عبد الله بن سليمان الغفيلي
الأستاذ المشارك بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية.
المقدمة:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (1)، {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} (2)، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} (3){يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} (4).
(1) سورة آل عمران الآية 102
(2)
سورة النساء الآية 1
(3)
سورة الأحزاب الآية 70
(4)
سورة الأحزاب الآية 71
أما بعد: فإن الله سبحانه وتعالى أنعم على هذه الأمة المحمدية بأن شرفها وجعلها أمة وسطا، فهي خير أمة أخرجت للناس كما قال تعالى:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} (1).
واختار لها هذا النبي الكريم محمدا صلى الله عليه وسلم خيرها نسبا ومكانة ومنزلة، كما جاء في حديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم (2)» ، وجعل الكتاب الذي أنزل عليها أشرف الكتب وأشملها، قال تعالى:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} (3).
(1) سورة آل عمران الآية 110
(2)
أخرجه الإمام مسلم في صحيحه: كتاب الفضائل (4/ 1782).
(3)
سورة المائدة الآية 48
يقول الحافظ ابن كثير عند هذه الآية: فهو أمين وشاهد وحاكم على كل كتاب قبله، جعل الله هذا الكتاب العظيم الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها وأشملها وأعظمها وأكملها؛ حيث جمع فيه محاسن ما قبله، وزاده من الكمالات ما ليس في غيره؛ فلهذا جعله شاهدا وأمينا وحاكما عليها كلها، وتكفل - تعالى - حفظه بنفسه الكريمة فقال تعالى:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (1).
واقتضت حكمته سبحانه وتعالى أن يكون الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين - هم المصطفين الأخيار الذين تلقوا عن هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، فكان زمانهم خير القرون وأفضلها، تعلموا من رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدى والنور والحق المبين الذي جاء به من عند رب العالمين، فكانوا هم أتباعه وحاملين لواءه والداعين إليه، وسار على منهجهم التابعون وتابعوهم بإحسان الذين كانوا متمسكين بكتاب الله سبحانه وتعالى وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم وحريصين على السير عليه، حتى بدأت الفتن تظهر بعد انقضاء عصر النبوة والخلافة الراشدة، فحدث التفرق،
(1) سورة الحجر الآية 9
وظهرت الفرق من الخوارج، والشيعة، والمعتزلة
والجهمية، وغيرهم ممن غلا أو جفا، وفرط أو أفرط، وانحرف عن الطريق السوي طريق الكتاب والسنة، وبقيت هذه الطائفة المنصورة - أهل السنة والجماعة - على الهدي المبين وسطا بين الغلو والإفراط وبين الجفاء والتفريط، ومن ذلك عقيدة أهل السنة والجماعة في القدر، وكان من توفيق الله عز وجل أن كتبت بحثا عن أقسام الناس في القدر (1)، فرأيت أن أفرد معتقد أهل السنة والجماعة في القدر ببحث خاص؛ لأبين فيه وسطية أهل السنة والجماعة في هذه المسألة العظيمة والتي هي الركن السادس من أركان الإيمان، خصوصا في هذا العصر الذي كثر فيه التفرق وتشتت فيه السبل، وأصبحت الحاجة فيه ماسة إلى إيضاح الحق وبيان قضايا العقيدة في ضوء كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم حسب فهم سلفنا الصالح؛ ليكون هداية للطالبين وتذكرة للمسترشدين وتنبيها للغافلين، سائلا المولى - تبارك
(1) هذا البحث قدم للنشر في مجلة البحوث الإسلامية.
وتعالى - أن ينفع به وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم، إنه سميع مجيب.
يقول العلامة ابن القيم: " فإن أهم ما يجب معرفته على المكلف النبيل فضلا عن الفاضل الجليل: ما ورد في القضاء والقدر والحكمة والتعليل، فهو أسنى المقاصد، والإيمان به قطب رحى التوحيد ونظامه، ومبدأ الدين المبين وختامه، فهو أحد أركان الإيمان وقاعدة أساس الإحسان التي يرجع إليها، ويدور في جميع تصاريفه عليها، فالعدل قوام الملك، والحكمة مظهر الحمد، والتوحيد متضمن لنهاية الحكمة وكمال النعمة، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، فبالقدر والحكمة ظهر خلقه وشرعه المبين، ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين "(1).
هذا، وقد جعلت هذا البحث في مقدمة وعدة مباحث.
المقدمة: ذكرت فيها أهمية الموضوع، وأسباب اختياره، وخطة البحث وعملي فيه.
المبحث الأول: معنى الوسطية لغة وشرعا.
المبحث الثاني: تعريف أهل السنة والجماعة.
المبحث الثالث: تعريف القدر لغة وشرعا.
المبحث الرابع: معنى الإيمان بالقدر عند أهل السنة والجماعة وأدلتهم على ذلك.
(1) شفاء العليل ص 3.
المبحث الخامس: مراتب الإيمان بالقدر وأدلتها.
المبحث السادس: النهي عن الخوض في القدر.
المبحث السابع: قول أهل السنة والجماعة في القدر.
المبحث الثامن: أثر الإيمان بالقدر على المسلم.
الخاتمة: وتشتمل على أهم النتائج.
وقد قمت في هذا البحث بعزو الآيات القرآنية إلى سورها من القرآن الكريم، وتخريج الأحاديث النبوية والحكم عليها صحة وضعفا حسب كلام أهل العلم إذا كانت في غير الصحيحين، وترجمت للأعلام غير المشهورين، وشرحت الغريب، وعرفت بالفرق والمصطلحات، ووثقت النقول، وعملت خاتمة اشتملت على أهم النتائج ومجملها.
والله أسأل أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يجعل عملي خالصا لوجهه الكريم، وأن ينفع بهذا البحث، إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.