الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث السابع: قول أهل السنة والجماعة في القدر
للناس في مسألة القدر ثلاثة أقوال:
1 -
الغلاة في الإثبات وهم الجبرية.
2 -
الغلاة في النفي، وهم القدرية.
3 -
المتوسطون، وهم أهل السنة والجماعة.
يقول الطيبي: مذهب الجبرية: إثبات القدرة لله ونفيها عن العبد أصلا، ومذهب المعتزلة بخلافه، وكلاهما من الإفراط والتفريط على شفا جرف هار، والطريق المستقيم: القصد (1).
والذي يعنينا في هذا المقام هو قول أهل السنة والجماعة، وهو القول الوسط والقول الحق المستمد من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهو المذهب الحق الذي عليه السلف الصالح من هذه الأمة: أن كل شيء بقضاء الله وقدره، وأن الله سبحانه وتعالى خالق لأفعال العباد، كما قال تعالى:{إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} (2)، وقوله:{وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} (3)،
(1) انظر: فتح الباري (11/ 512).
(2)
سورة القمر الآية 49
(3)
سورة الفرقان الآية 2
وأن للعبد مشيئة لا تخرج عن مشيئة الله سبحانه وتعالى، كما قال تعالى:{وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} (1)، وقوله تعالى:{مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} (2)، وقوله تعالى:{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا} (3).
وعن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان (4)» .
ففي هذه الأدلة إثبات لمشيئة العبد تأتي بعد مشيئة الله تبارك وتعالى، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا يكون في ملكه - سبحانه - ما لا يشاء.
والإرادة في كتاب الله نوعان كما سبق ذكر ذلك عند الرد على القدرية:
إرادة قدرية كونية خلقية، وهي المشيئة الشاملة لجميع الحوادث، كقوله تعالى:{فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ} (5).
(1) سورة الإنسان الآية 30
(2)
سورة الأنعام الآية 111
(3)
سورة يونس الآية 99
(4)
أخرجه الإمام أحمد في مسنده (5/ 384)، وأبو داود في سننه (5/ 259)، قال النووي في الأذكار ص (308): إسناده صحيح.
(5)
سورة الأنعام الآية 125
وقوله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} (1)، وإرادة دينية شرعية وهي المتضمنة للمحبة والرضا كقوله تعالى:{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (2)، وقوله:{يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} (3)، وقوله:{وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} (4) ".
فالله تبارك وتعالى يريد الكفر من الكافر ويشاؤه، ولكنه لا يرضاه ولا يحبه ولا يأمر به، فهو يشاؤه كونا وقدرا ولا يرضاه ولا يحبه دينا وشرعا (5).
فالقول الحق في هذا الباب مع الذين توسطوا بين الجبرية والقدريه، وهم أهل السنة والجماعة، وفيما يلي بعض أقوالهم:
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وهو يتكلم عن وسطية أهل السنة بين الفرق: " وهم في باب خلق الله وأمره " وسط بين المكذبين بقدرة الله الذين لا يؤمنون بقدرته الكاملة ومشيئته الشاملة وخلقه لكل شيء، وبين المفسدين لدين الله الذين يجعلون العبد ليس له مشيئة ولا قدرة ولا عمل، فيعطلون الأمر والنهي والثواب والعقاب، فيصيرون بمنزلة المشركين الذين قالوا:{لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ} (6)،
(1) سورة البقرة الآية 253
(2)
سورة البقرة الآية 185
(3)
سورة النساء الآية 26
(4)
سورة النساء الآية 27
(5)
انظر: شرح الطحاوية ص (196).
(6)
سورة الأنعام الآية 148
فيؤمن أهل السنة بأن الله على كل شيء قدير، يقدر أن يهدي العباد ويقلب قلوبهم، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون في ملكه ما لا يريد ولا يعجز عن إنفاذ مراده، وأنه خالق كل شيء من الأعيان والصفات والحركات، ويؤمنون أن العبد له قدرة ومشيئة وعمل وأنه مختار، ولا يسمونه مجبورا؛ إذ المجبور من أكره على خلاف اختياره، والله - سبحانه - جعل العبد مختارا لما يفعله، فهو مختار مريد، والله خالقه وخالق اختياره، وهذا ليس له نظير، فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله " (1).
ويقول في موضع آخر: والعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم، والعبد هو المؤمن والكافر والبر والفاجر والمصلي والصائم، وللعباد قدرة على أعمالهم ولهم إرادة، والله خالقهم وقدرتهم وإرادتهم، كما قال تعالى:{لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} (2){وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (3)، وهذه الدرجة من القدر يكذب بها عامة القدرية الذين سماهم النبي - صلى الله عليه
(1) انظر: الفتاوى 3/ 373، 374، وسطية أهل السنة بين الفرق ص 383 - 387.
(2)
سورة التكوير الآية 28
(3)
سورة التكوير الآية 29
وسلم - مجوس هذه الأمة، ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات حتى سلبوا العبد قدرته واختياره ويخرجون عن أفعال الله وأحكامه حكمها ومصالحها (1).
ويقول الإمام ابن القيم بعد أن حكى رأي الجبرية والقدرية: " فإن قيل: فما تقولون أنتم في هذا المقام؟ قلنا: لا نقول بواحد من القولين، نقول: هي أفعال العباد حقيقة ومفعولة للرب، فالفعل عندنا غير المفعول، وهو إجماع من أهل السنة حكاه الحسين بن مسعود البغوي وغيره، فالعبد فعلها حقيقة والله خالقه وخالق ما فعل به من القدرة والإرادة وخالق فاعليته "(2).
وقال في موضع آخر: والصواب أن يقال: تقع الحركة بقدرة العبد وإرادته التي جعلها الله فيه، فالله - سبحانه - إذا أراد فعل العبد خلق له القدرة والداعي إلى فعله، فيضاف الفعل إلى قدرة العبد
(1) العقيدة الواسطية مع شرحها للعلامة محمد خليل هراس ص (135).
(2)
شفاء العليل ص (131).