الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من فتاوى سماحة الشيخ
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
مفتي عام المملكة العربية السعودية رحمه الله
مسألة الزكاة في حلي الذهب والفضة من مسائل الخلاف
(1)
بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فقد تكرر السؤال من كثير من الناس عن حكم زكاة الحلي من الذهب والفضة وما ورد في ذلك من الأدلة، ولتعميم الفائدة أجبت بما يلي، والله الموفق والهادي إلى الصواب:
لا ريب أن هذه المسألة من مسائل الخلاف بين أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم، وقد دل الكتاب والسنة على وجوب رد ما تنازع فيه الناس إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم عملا بقوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (2).
(1) كلمة لسماحته نشرت في مجلة (راية الإسلام) العددان (11، 12) رمضان وشوال عام 1380هـ
(2)
سورة النساء الآية 59
وإذا رددنا هذه المسألة إلى الكتاب والسنة وجدناهما يدلان دلالة ظاهرة على وجوب الزكاة في حلي النساء من الذهب والفضة وإن كان هذا للاستعمال أو العارية؛ سواء كانت قلائد أو أسورة أو خواتم أو غيرها من أنواع الذهب والفضة، ومثل ذلك ما تحلى به السيوف والخناجر من الذهب والفضة إذا كان الموجود من ذلك نصابا، أو كان عند مالكه من الذهب أو الفضة أو عروض التجارة ما يكمل النصاب، وهذا القول هو أصح أقوال أهل العلم في هذه المسألة، والدليل على ذلك من القرآن الكريم قوله تعالى:{وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (1){يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} (2).
ومن السنة المطهرة ما ثبت في صحيح مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها إلا صفحت له يوم القيامة صفائح من نار، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله؛ إما إلى الجنة، وإما إلى النار (3)» فهذان النصان
(1) سورة التوبة الآية 34
(2)
سورة التوبة الآية 35
(3)
رواه مسلم في الزكاة باب إثم مانع الزكاة برقم (987).
العظيمان من الكتاب والسنة يعمان جميع أنواع الذهب والفضة، ويدخل في ذلك أنواع الحلي من الذهب والفضة، ومن استثنى شيئا فعليه الدليل المخصص لهذا العموم، لو لم يرد إلا العموم في هذه المسألة، فكيف وقد ورد في هذه المسألة بعينها أحاديث صحيحة دالة على وجوب الزكاة في الحلي، منها: ما خرجه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما:«أن امرأة دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وفي يد ابنتها مسكتان من ذهب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أتعطين زكاة هذا، قالت: لا. قال: أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار، فألقتهما وقالت: هما لله ولرسوله (1)» . قال الحافظ ابن القطان: إسناده صحيح.
وخرج أبو داود بإسناد جيد عن أم سلمة رضي الله عنها أنها كانت تلبس أوضاحا من ذهب فقالت: يا رسول الله، أكنز هو؟ فقال عليه الصلاة والسلام:«ما بلغ أن تؤدى زكاته فزكي فليس بكنز (2)» .
ففي هذا الحديث فائدتان جليلتان، إحداهما: اشتراط النصاب وأن ما لم يبلغ النصاب فلا زكاة فيه، ولا يدخل في الكنز المتوعد عليه
(1) رواه أبو داود في (الزكاة) باب الكنز ما هو وزكاة الحلي برقم (1563) والنسائي في الزكاة باب زكاة الحلي برقم (2479).
(2)
رواه أبو داود في (الزكاة) باب الكنز ما هو وزكاة الحلي برقم (1564).
بالعذاب.
والفائدة الثانية: أن كل مال وجبت فيه الزكاة فلم يزك فهو من الكنز المتوعد عليه بالعذاب.
وفيه أيضا فائدة ثالثة: وهي المقصودة من ذكره، وهي الدلالة على وجوب الزكاة في الحلي؛ لأن أم سلمة رضي الله عنها سألت عن ذلك كما هو صريح الحديث، ومن ذلك ما ثبت في سنن أبي داود عن عائشة رضي الله عنها «أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى عليها فتخات من فضة فقال: ما هذا يا عائشة؟ قلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله. فقال: أتؤدين زكاتهن؟ قلت: لا. أو ما شاء الله. قال: هو حسبك من النار (1)».
ففي هذه النصوص الدلالة الظاهرة على وجوب الزكاة في حلي الذهب والفضة، وإن أعدت للاستعمال أو العارية؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أنكر على عائشة والمرأة المذكورة في حديث عبد الله بن عمرو ترك زكاة حليهما، وهما مستعملتان له، ولم يستثن صلى الله عليه وسلم من الحلي شيئا، لا المستعار، ولا غيره، فوجب الأخذ بصريح النص وعمومه، ولا يجوز أن تخصص النصوص إلا بنص ثابت يقتضي التخصيص. وأما ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«ليس في الحلي زكاة (2)» ، فهو حديث ضعيف
(1) رواه أبو داود في (الزكاة) باب الكنز ما هو وزكاة الحلي برقم (1565).
(2)
رواه الدارقطني في باب (زكاة الحلي) برقم (1926) وقال: أبو حمزة هذا ميمون ضعيف الحديث.
لا يصلح للاحتجاج ولا يقوى على معارضة أو تخصيص هذه النصوص المتقدم ذكرها، بل قال الحافظ البيهقي:" إنه حديث باطل لا أصل له " نقل عنه ذلك الحافظ الزيلعي في نصب الراية، والحافظ ابن حجر في التلخيص.
ولتكميل الفائدة نوضح للقارئ نصاب الذهب والفضة حتى يكون على بصيرة فنقول: أما نصاب الذهب فهو عشرون مثقالا، ومقدار ذلك من العملة للذهب الموجودة حاليا هو أحد عشر جنيها سعوديا، وثلاثة أسباع جنيه؛ لأن زنة الجنيه الواحد بتحرير أهل الخبرة من الصاغة مثقالان إلا ربع، وأما نصاب الفضة فهو مائة وأربعون مثقالا، ومقدار ذلك من العملة الفضية الحالية ستة وخمسون ريالا سعوديا فضة، فمن ملك المبلغ المذكور من الذهب والفضة، أو ملك من النقود الورقية، أو عروض التجارة ما يساوي المبلغ المذكور من الذهب والفضة فعليه الزكاة إذا حال عليه الحول، وما كان دون ذلك فليس فيه زكاة. والحجة في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:«ليس فيما دون خمس أواق صدقة (1)» . والأوقية: أربعون درهما، والدرهم: نصف مثقال، وخمس مثقال، بتحرير أهل العلم. والدرهم السعودي الفضي: مثقالان ونصف، فإذا نظرت في زنة الستة والخمسين الدرهم
(1) رواه البخاري في (الزكاة) باب ما أدي زكاته فليس بكنز برقم (1405)، ومسلم في (أول الزكاة) برقم (979).
السعودي وجدتها تبلغ خمس أواق، وهي مائة وأربعون مثقالا، وأما دليل نصاب الذهب فهو ما رواه أحمد وأبو داود بإسناد حسن، واللفظ لأبي داود عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول، ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء - يعني في الذهب - حتى يكون لك عشرون دينارا، فإذا كان لك عشرون دينارا وحال عليها الحول ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك، وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول (1)» . انتهى. والدينار: عملة ذهبية وزنته مثقال واحد بتحرير أهل العلم، فيكون النصاب من الذهب عشرون مثقالا كما تقدم. والله أعلم، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه.
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
المدرس في كلية الشريعة بالرياض
(1) رواه أبو داود في (الزكاة) باب زكاة السائمة برقم (1572).
س: هناك إسراف من بعض النساء في لبس الذهب مع أن لبسه حلال، فما حكم الزكاة في الذهب؟ طبعا الزكاة فرع من فروع موضوعنا عن الاستهلاك وعن الإنفاق.
ج: الذهب والحرير قد أحلا للإناث دون الرجال، كما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:«أحل الذهب والحرير لإناث أمتي، وحرم على ذكورها (1)» . خرجه أحمد والنسائي والترمذي، وصححه من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
واختلف العلماء في الزكاة: هل تجب في الحلي أم لا؟ فذهب بعض العلماء إلى أنها لا تجب في الحلي الذي تلبسه المرأة وتعيره، وقال آخرون: إنها تجب، وهذا هو الصواب، أي وجوب الزكاة فيه إذا بلغ النصاب، وحال عليه الحول؛ لعموم الأدلة.
والنصاب: هو عشرون مثقالا من الذهب، ومائة وأربعون مثقالا من الفضة، فإذا بلغ الحلي من الذهب من القلائد أو الأسورة أو نحوها عشرين مثقالا وجبت فيها الزكاة، والعشرون مثقالا تعادل أحد عشر جنيها ونصفا من الجنيهات السعودية.
ومقداره بالجرام (92) جراما، فإذا بلغ الحلي من الذهب هذا المقدار (92) جراما - أحد عشر جنيها ونصفا - فإنه تجب فيه الزكاة، والزكاة ربع العشر من كل ألف خمسة وعشرون كل حول.
وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أن امرأة دخلت
(1) رواه الإمام أحمد في (أول مسند الكوفيين) حديث أبي موسى الأشعري برقم (19008)، والنسائي في (الزينة) باب تحريم الذهب على الرجال برقم (5148).
عليه وفي يد ابنتها مسكتان من ذهب، فقال: أتعطين زكاة هذا؟ قالت: لا. فقال: أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار (1)»؟ قال الراوي وهو عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: «فخلعتهما فألقتهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: هما لله ولرسوله (2)» . رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح.
وقالت أم سلمة رضي الله عنها، وكانت تلبس أوضاحا من ذهب: أكنز هذا يا رسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «ما بلغ أن تؤدى زكاته فزكي فليس بكنز (3)» . رواه أبو داود والدارقطني وصححه الحاكم.
وأخرج أبو داود من حديث عائشة رضي الله عنها بسند صحيح قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يدي فتخات من ورق، فقال:«ما هذا يا عائشة؟ فقلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله. قال: أتؤدين زكاتهن؟ قالت: لا، أو ما شاء الله. قال: هو حسبك من النار (4)» وقد صححه الحاكم كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام، والمراد بالورق: الفضة.
فدل ذلك على أن الذي لا يزكى هو كنز يعذب به صاحبه يوم
(1) الترمذي الزكاة (637)، النسائي الزكاة (2479)، أبو داود الزكاة (1563)، أحمد (2/ 204).
(2)
النسائي الزكاة (2479)، أبو داود الزكاة (1563).
(3)
أبو داود الزكاة (1564).
(4)
أبو داود الزكاة (1565).
القيامة والعياذ بالله.
نسأل الله للجميع التوفيق والإعانة والهداية وصلاح العمل، كما نسأله سبحانه أن يوفقنا وإياكن وجميع المسلمين لما فيه خير الإسلام، وأن يتوفانا الله جميعا عليه، إنه سميع قريب، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المسائل الخلافية المعمول فيها على الدليل
س: يرد بعض الفقهاء وجوب زكاة الحلي المعد للاستعمال بعدم انتشار ذلك بين الصحابة والتابعين، مع أنه مما لا يخلو منه بيت تقريبا، فهو كالصلاة في وجوبها وتحديد أوقاتها، وكذا الزكاة عموما بوجوبها وتحديد أنصبتها. . . إلخ. وبالرغم من ذلك، فقد ثبت عن بعض الصحابة القول بعدم الوجوب كعائشة رضي الله عنها وابن عمر رضي الله عنهما وغيرهما. فكيف يجاب عن ذلك؟ (1).
ج: هذه المسألة كغيرها من مسائل الخلاف المعول فيها وفي غيرها على الدليل، فمتى وجد الدليل الذي يفصل النزاع وجب الأخذ به؛ لقول الله سبحانه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (2)
(1) نشر في كتاب (تحفة الإخوان) لسماحته ص147، وفي (جريدة الندوة) العدد (12207) بتاريخ 4/ 9 / 1419هـ.
(2)
سورة النساء الآية 59