الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الترجيح: إذا نظرنا إلى الأقوال السابقة في هذه المسألة وأدلتها وما ورد عليها، يظهر - والله تعالى أعلم - أن القول الأول وهو أن الصلاة في المقبرة لا تجوز هو الراجح، وذلك:
أولا: قوة أدلتهم وصراحتها في النهي عن ذلك.
ثانيا: أن أدلة القول الثاني والثالث قد أجيب عنها بما يكفي - إن شاء الله -.
ثالثا: أن الصلاة في المقابر يترتب عليها مفاسد عظيمة من الفتنة بالقبور، وتعلق القلوب بها، والعكوف عندها مما يكون وسيلة إلى الشرك، فصيانة لحمى التوحيد يمنع من ذلك؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، والله أعلم.
المبحث الثاني: حكم الصلاة في المقبرة من حيث الإجزاء:
بينت - سابقا - أن القول الراجح هو حرمة الصلاة في المقبرة، فهل تكون هذه الصلاة صحيحة مع التحريم، أم أنها باطلة وغير مجزئة.
اختلف الفقهاء رحمهم الله في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الصلاة في المقبرة لا تصح بحال.
وقال بذلك الشافعية في المقبرة المنبوشة (1)، وهو رواية عن أحمد، وهي أشهر وأصح في المذهب، واختاره الأصحاب (2).
(1) ينظر: المجموع 2/ 164
(2)
ينظر: المغني 2/ 468، والإنصاف 1/ 489.
وعللوا ذلك: بأن الصلاة عبادة وقد أتى بها المصلي على الوجه المنهي عنه! فلم تصح؛ كصلاة الحائض وصومها؛ لأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه (1).
قال أحمد رحمه الله: " من صلى في مقبرة، أو إلى قبر أعاد أبدا "(2).
القول الثاني: أن الصلاة في المقبرة لا تصح إن علم بالنهي وإلا صحت.
وهو رواية عن أحمد (3).
وعللوا ذلك: بأن المصلي إذا كان عالما بالنهي، فهو عاص بفعله، والمعصية لا تكون قربة ولا طاعة.
وإن لم يكن عالما بالتحريم، فهو معذور بالجهل (4).
ويجاب عن ذلك: بأن الجهل لا يكون مسوغا للفعل، ومصححا له، وإنما يكون عذرا في رفع الإثم.
القول الثالث: أن الصلاة في المقبرة صحيحة مع التحريم، وهو رواية عن أحمد (5).
(1) ينظر: المغني 2/ 477.
(2)
ينظر: المحلى 4/ 32.
(3)
ينظر: المغني 2/ 469، والإنصاف 1/ 489.
(4)
ينظر: المغني 2/ 469.
(5)
ينظر: الكافي 1/ 110، الإنصاف 1/ 489.
وعللوا ذلك: بأن النهي الوارد على الفعل لمعنى في غير الصلاة أشبه المصلي وفي يده خاتم من ذهب (1).
ويجاب عن ذلك: بأن أفعال الصلاة في نفسها منهي عنها فقياس ذلك على المصلي وفي يده خاتم من ذهب قياس مع الفارق.
الترجيح: إذا نظرنا إلى هذه الأقوال وما عللوا به، وما أجيب عن بعضها يظهر والله تعالى أعلم أن القول الأول هو الراجح، وهو أن الصلاة في المقبرة لا تصح بحال، لما ذكروه من التعليل، وهذا هو المختار عند المحققين من أهل العلم (2) والله تعالى أعلم.
(1) ينظر: الكافي 1/ 110.
(2)
ينظر: اقتضاء الصراط المستقيم 2/ 286، الاختيارات الفقهية ص 44، القواعد لابن رجب ص 11.
المبحث الثالث: حكم الصلاة في المقبرة بقصد التبرك:
بينت سابقا أن القول الراجح هو تحريم الصلاة في المقبرة، ولو لم يقصد التبرك سدا لذريعة الشرك وصيانة لحمى التوحيد.
أما إذا قصد الرجل الصلاة عند بعض القبور، وخاصة قبور الأنبياء والصالحين متبركا بالصلاة في تلك البقعة؛ فهذا عين المحادة لله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم والمخالفة لدينه، وابتداع دين لم يأذن به الله – عز وجل.
فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين رسول الله
صلى الله عليه وسلم من أن الصلاة عند القبر أي قبر كان لا فضل فيها لذلك، ولا للصلاة في تلك البقعة مزية خير أصلا، بل هي مزية شر (1)
…
هذا وقد ذكر بعض أهل العلم: أن الصلاة عند رأس قبر النبي صلى الله عليه وسلم متوجها إليه حرام (2).
(1) اقتضاء الصراط المستقيم 2/ 680، 681.
(2)
ينظر: المجموع 3/ 165.
المبحث الرابع: حكم الصلاة عند القبر الواحد والقبور الكثيرة:
بينت - فيما سبق - أن الصواب تحريم الصلاة في المقبرة، وهذا يشمل تحريم الصلاة عند القبر الواحد، وحريمه المضاف إليه، وعند القبور الكثيرة بطريق الأولى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ما نصه: "وليس في كلام أحمد، وعامة أصحابه هذا الفرق، بل عموم كلامهم وتعليلهم واستدلالهم يوجب منع الصلاة عند قبر واحد من القبور، وهو الصواب، والمقبرة كل ما قبر فيه لا أنه جمع قبر "(1) اهـ.
وقد ذهب طائفة من أهل العلم إلى أن وجود القبر والقبرين لا يمنع من الصلاة.
وعللوا ذلك بأن القبر والقبرين لا يناوله اسم المقبرة، وإنما المقبرة عندهم تطلق على الثلاثة فصاعدا (2).
(1) ينظر: الاختيارات الفقهية ص 44.
(2)
ينظر: المغني 2/ 470، الإنصاف 1/ 490.
ولا شك أن ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هو الصواب وهو أن كل ما دخل في اسم المقبرة مما حول القبر الواحد أو القبور الكثيرة لا يصلى فيه.
إن العلة التي من أجلها منع من الصلاة في المقبرة متحققة في القبر الواحد، والقبور الكثيرة على حد سواء، والله أعلم.
المبحث الخامس: حكم الصلاة في أماكن القبور إذا أزيلت:
إن المقبرة إذا أزيلت بسبب شرعي، وتغير اسمها. صحت الصلاة فيها على الصحيح من مذهب الحنابلة (1) وقال بذلك الظاهرية (2).
ويدل على صحة الصلاة في أماكن القبور إذا أزيلت، أن مكان مسجد النبي صلى الله عليه وسلم كان مقبرة للمشركين فنبش قبورهم وسواها، واتخذه مسجدا.
ويدل على ذلك حديث أنس رضي الله عنه في بناء مسجد النبي صلى الله عليه وسلم قال: كان فيه قبور المشركين .. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقبور فنبشت.
قال ابن حجر: " في الحديث جواز نبش القبور الدارسة، إذا لم
(1) ينظر: الإنصاف 1/ 496، وكشاف القناع 1/ 298.
(2)
ينظر: المحلى 4/ 27.
تكن محترمة، وجواز الصلاة في مقابر المشركين بعد نبشها، وإخراج ما فيها وجواز بناء المساجد في أماكنها " (1) اهـ.
ومثل ذلك - أيضا - في جواز الصلاة في أماكن القبور، ما أعد للدفن، ولم يدفن فيه (2)، لأنه لا يصير مقبرة حتى يدفن فيه.
ومثل ذلك - أيضا - ما دفن في الدار من الموتى؛ لأن الدار لا تصير بذلك مقبرة (3).
لكن لا تجوز الصلاة إلى القبر، حتى لو كان في الدار لعموم النهي عن ذلك.
ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها (4)» .
ولأن في ذلك سدا لذريعة الشرك.
(1) فتح الباري 3/ 526.
(2)
ينظر: كشاف القناع 1/ 294.
(3)
ينظر: الإنصاف 1/ 490، كشاف القناع 1/ 294.
(4)
تقدم تخريجه ص 230.
المبحث السادس: حكم بناء المساجد في المقابر:
ذهب عامة الفقهاء رحمهم الله إلى النهي عن بناء المساجد على القبور (1)، وقد استدلوا على ذلك بالأحاديث الواردة في النهي عن
(1) ينظر: تحفة الفقهاء 1/ 257، مواهب الجليل 2/ 339، الأم 1/ 465، كشاف القناع 2/ 141.
ذلك، ومنها:
1 -
حديث عائشة وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم قالا: لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة على وجهه، فإذا اغتم كشفها عن وجهه فقال: وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر مثل ما صنعوا (1)» .
2 -
حديث جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس، وهو يقول:«إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلا، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك (2)» .
3 -
وحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:«قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (3)» .
(1) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة 1/ 154 رقم (435، 436)، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور 1/ 377 رقم (531).
(2)
أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور. 1/ 377 برقم (532).
(3)
أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب الصلاة في البيعة 1/ 154 رقم (437) ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة؛ باب النهي عن بناء المساجد على القبور .. 1/ 376، رقم (530).
والأحاديث والآثار في النهي عن اتخاذ القبور مساجد كثيرة، وقد بين صلى الله عليه وسلم أن من يتخذ القبور مساجد هم شرار الخلق عند الله.
فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن من شرار الناس من تدركه الساعة وهم أحياء، ومن يتخذ القبور مساجد (1)» .
وإنما خاف النبي صلى الله عليه وسلم على أمته من ذلك العمل؛ لأن اتخاذ القبور مساجد، وبناء المساجد على القبور وسيلة إلى الشرك؛ لأن الشرك إنما وقر في الأمم السابقة بسبب تعظيم قبور الصالحين والغلو بهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " والمساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين والملوك وغيرهم يتعين إزالتها بهدم وغيره، هذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء المعروفين "(2).
وقال ابن القيم رحمه الله: " ولا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوما واحدا، فإنها شعائر الكفر والشرك، وهي أعظم المنكرات، فلا يجوز الإقرار عليها مع
(1) أخرجه أحمد 1/ 405، 435، 454، والطبراني في الكبير 10/ 788 رقم (10413)، وابن خزيمة في أبواب المواضع التي تجوز الصلاة عليها.، باب الزجر عن اتخاذ القبور مساجد 2/ 6، رقم (789)، والحديث حسن إسناده الهيثمي في مجمع الزوائد 2/ 30 وقال ابن تيمية: إسناده جيد، اقتضاء الصراط المستقيم 2/ 674.
(2)
اقتضاء الصراط المستقيم 2/ 675.