الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القدرة البتة، وهذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانا وطواغيت تعبد من دون الله تعالى" (1) اهـ.
وبناء على ذلك فلا يجوز بناء المساجد على القبور، وإذا بني في المقبرة بين القبور فحكمه حكمها، فلا تجوز الصلاة فيه.
وإن حدثت المقبرة بعد المسجد حوله أو في قبلته، فالصلاة فيه كالصلاة إلى القبر لا تجوز.
وكذا لو حدث القبر والمسجد معا لم تصح الصلاة فيه.
لأن الصحيح من أقوال أهل العلم أن الصلاة لا تصح في المقبرة وأن المساجد المبنية على القبور، أو المساجد التي فيها قبور أو قبر كلها يشملها هذا الحكم فلا تصح الصلاة فيها.
كما أنه لا يجوز دفن الميت في المسجد، وأن ذلك نوع من اتخاذ القبور مساجد، وأنه يجب نبش ما دفن في المسجد وإزالته (2).
(1) زاد المعاد 5/ 506.
(2)
ينظر: الفتاوى الكبرى 2/ 198.
الفصل الثاني: الصلاة على الجنازة في المقابر:
المبحث الأول: حكم الصلاة على الجنازة في المقبرة:
الأفضل في الصلاة على الجنازة أن يكون في مصلى الجنائز، وهو المكان المعد للصلاة عليها؛ لفعله صلى الله عليه وسلم.
كما يجوز أن يصلى عليها في المسجد؛ لقول عائشة رضي الله عنها: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بن بيضاء في المسجد (1)» وصلي على أبي بكر وعمر فيه ".
أما الصلاة على الجنازة في المقبرة، فقد اختلف فيها الفقهاء رحمهم الله في جوازها، وعدمه على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الصلاة على الجنازة في المقبرة جائزة.
وقال بذلك بعض الحنفية (2)، والمالكية (3)، وهو المذهب عند
(1) أخرجه مسلم 2/ 668 في كتاب الجنائز برقم 99، 100.
(2)
ينظر: الفتاوى الهندية 1/ 165.
(3)
ينظر: بداية المجتهد 1/ 410.
الحنابلة (1)، وقال به الظاهرية (2).
واستدل أصحاب هذا القول بما يلي:
1 -
حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «إن امرأة سوداء كانت تقم المسجد
…
، فقال: دلوني على قبرها، فدلوه على قبرها فصلى عليها .. (3)» الحديث.
وهذا دليل على جواز صلاة الجنازة في المقبرة؛ لفعله صلى الله عليه وسلم.
2 -
وحديث ابن عباس رضي الله عنهما «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على قبر بعدما دفن، فكبر عليه أربعا وفي رواية قال: انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قبر رطب فصلى عليه، وصفوا خلفه، وكبر أربعا (4)» .
فهذا الحديث دليل على أن المقبرة محل للصلاة على الجنازة سواء كان الميت في قبره أو خارج القبر (5). وهذا الفعل منه صلى الله عليه وسلم تخصيص للنهي عن الصلاة في المقبرة.
3 -
ما روي عن نافع قال: "لقد صلينا على عائشة وأم سلمة وسط البقيع بين القبور، والإمام يوم صلينا على عائشة أبو هريرة،
(1) ينظر: المغني 3/ 423 والإنصاف 1/ 490.
(2)
ينظر: المحلى 4/ 32.
(3)
تقدم تخريجه ص 237.
(4)
أخرجه البخاري في صفة الصلاة باب وضوء الصبيان ومتى يجب عليهم الغسل 1/ 259، برقم (857) وأخرجه مسلم في الجنائز، باب الصلاة على القبر 3/ 658 برقم (954).
(5)
ينظر: المغني 3/ 423.
وحضر ذلك ابن عمر " (1).
فهذا الأثر دليل على جواز الصلاة على الجنازة في المقبرة؛ لأن الصحابة الذين حضروا جنازة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها صلوا عليها وسط القبور بالبقيع، ولم ينقل عن أحد منهم نهي أو مخالفة لهذا الفعل. فدل ذلك على جوازه وإقراره.
القول الثاني: أن الصلاة على الجنازة في المقبرة مكروهة.
وقال بذلك جماعة من الحنفية (2)، والمالكية (3)، وهو مذهب الشافعية (4) ورواية عن أحمد (5).
واستدل أصحاب هذا القول بما يلي:
1 -
حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم «نهى عن الصلاة بين القبور (6)» .
وفي رواية: «نهى أن يصلى على الجنائز بين القبور (7)» ".
(1) الأوسط 2/ 185.
(2)
ينظر: بدائع الصنائع 1/ 320.
(3)
ينظر: بداية المجتهد 1/ 410.
(4)
ينظر: المجموع 5/ 231.
(5)
ينظر: المغني 3/ 423، والإنصاف 1/ 490.
(6)
تقدم تخريجه ص 231.
(7)
خرج هذه الرواية الطبراني في الأوسط 6/ 293 برقم (9627) وهي من طريق حسين بن يزيد الطحان، وقد تفرد بذلك وهو (لين الحديث). وبهذا تكون هذه الزيادة شاذة أو ضعيفة. ينظر: التقريب ص 169.
حيث دل هذا الحديث وخاصة الرواية الثانية على كراهة الصلاة على الجنائز في المقبرة.
ويجاب عن هذا الدليل:
بأن هذه أدلة عامة مخصصة بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، من صلاته على المرأة في قبرها، مما يدل على أن المقبرة محل للصلاة على الجنازة.
وأما الرواية الثانية في حديث أنس "على الجنائز" فهي رواية شاذة مخالفة لسائر روايات الحديث؛ لأنها من رواية غير الثقات فلا تكون مقبولة (1).
2 -
حديث أبي سعيد رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام (2)» .
حيث دل هذا الحديث على أن المقبرة ليست محلا للصلاة، ومن ذلك صلاة الجنازة فتكون مكروهة.
ويجاب عن هذا الدليل:
بأن هذا الحديث عام مخصص بما ثبت من فعله صلى الله عليه وسلم.
وبهذا يصح استثناء صلاة الجنازة من عموم النهي عن الصلاة في المقبرة.
3 -
ما روي عن أنس رضي الله عنه أنه كان يكره أن يصلى على الجنائز بين القبور.
(1) ينظر: الأوسط 6/ 293، والتقريب ص 169.
(2)
تقدم تخريجه ص 230.
ويجاب عن ذلك بأن هذا معارض لفعل النبي صلى الله عليه وسلم ولفعل غيره من الصحابة وهو اجتهاد منه رضي الله عنه، خالفه غيره من الصحابة والعبرة بما يؤيده الدليل.
4 – قالوا: إن صلاة الجنازة يمكن فعلها في غير المقابر، فيكره فعلها في المقابر كسائر الصلوات (1).
ويجاب عن ذلك: بأن هناك فرقا واضحا بين ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم وحذر أمته منه وهي الصلاة المفروضة أو النافلة؛ لأنها وسيلة إلى الشرك وبين ما فعله وهو صلاة الجنازة على القبر (2).
5 -
وقالوا: أيضا إن المقابر ليست بمكان للصلاة سوى صلاة الجنازة، فتكره فيها صلاة الجنازة كما تكره في الحمام (3).
ويجاب عن ذلك: بأن هذا قياس مع النص، فلا يعتبر.
القول الثالث: أن صلاة الجنازة في المقبرة لا تصح.
وهو رواية عن أحمد (4).
وقد استدل أصحاب هذا القول بما سيق من أدلة القول الثاني وحملوا النهي على التحريم.
(1) ينظر: المسائل الفقهية من كتاب (الروايتين والوجهين) 1/ 414.
(2)
ينظر: إعلام الموقعين 2/ 346، 347.
(3)
ينظر: المغني 3/ 423.
(4)
ينظر: الإنصاف 1/ 490.
ويجاب عن ذلك بأن هذا مخالف لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
الترجيح: إذا نظرنا إلى ما سبق من الأقوال وأدلتها وما ورد عليها يظهر – والله أعلم - أن القول الأول: وهو أن الصلاة على الجنازة في المقبرة جائزة هو الراجح وذلك لأمرين:
أولا: قوة أدلة هذا القول من فعله صلى الله عليه وسلم؛ لأن من أدنى درجات الفعل الجواز والمشروعية.
ثانيا: أن أدلة القول الثاني والثالث قد أجيب عليها مما يدل على ضعفها.
المبحث الثاني: حكم الصلاة على القبر إذا دفن الميت قبل الصلاة عليه:
من المشروع الصلاة على الجنازة قبل الدفن، وهي فرض كفاية ولا يجوز أن يدفن الميت قبل الصلاة عليه، ومن فعل ذلك فهو آثم، وتارك للواجب، ومسقط لحق الميت (1).
وقد ذهب عامة الفقهاء رحمهم الله من الحنفية (2) والمالكية،
(1) ينظر: المجموع 5/ 210.
(2)
ينظر: المبسوط 2/ 69، والفتاوى الهندية 1/ 165.
والشافعية (1)، والحنابلة (2)، إلى أن الميت إذا دفن قبل الصلاة عليه، فإنه يشرع أن يصلى عليه في قبره، تداركا للواجب ووفاء بحق الميت؛ لأن الصلاة على الميت في قبره تسقط الواجب.
ويدل على ذلك الأحاديث المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة على القبر، فمن ذلك:
أولا: حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد وفي الحديث قال صلى الله عليه وسلم: " دلوني على قبرها فدلوه فصلى عليها (3)» .
ثانيا: حديث ابن عباس رضي الله عنهما «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على قبر بعدما دفن، فكبر عليه أربعا. وفي رواية قال: انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قبر رطب فصلى عليه وصفوا خلفه وكبر أربعا (4)» .
ثالثا: ما روي عن أنس رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر (5)» .
قال الإمام أحمد رحمه الله: ومن يشك في الصلاة على القبر يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم من ستة وجوه كلها حسان (6).
(1) ينظر: الأم 1/ 454، الحاوي الكبير3/ 59.
(2)
ينظر: المغني 3/ 444، الفروع 2/ 250.
(3)
تقدم تخريجه ص 237.
(4)
تقدم تخريجه ص 249.
(5)
أخرجه مسلم في الجنائز، باب الصلاة على القبر 2/ 658، رقم (955).
(6)
ينظر: المغني 3/ 445.