الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فهذه. الأحاديث تدل على أن الصلاة على القبر هي سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه.
المبحث الثالث: حكم الصلاة على قبر من صلي عليه عن فاتته الصلاة:
اختلف الفقهاء رحمهم الله في حكم الصلاة على قبر من صلي عليه ممن فاتته الصلاة عليه قبل الدفن على قولين:
القول الأول: أن الصلاة على قبر من دفن لمن فاتته الصلاة عليه قبل الدفن جائزة.
وقال بذلك الشافعية (1)، والحنابلة (2)، والظاهرية (3)، بل صرح فقهاء الشافعية والحنابلة بأن الصلاة على من دفن لمن لم يصل عليه مستحبة (4)، وهو قول الأوزاعي، وإسحاق بن راهويه، وقال
(1) ينظر: الأم 1/ 454، والمجموع 5/ 205.
(2)
ينظر: المغني 3 444، الإنصاف 2/ 533.
(3)
ينظر: المحلى 5/ 139.
(4)
ينظر: الأم 1/ 454، وكشاف القناع 2/ 121.
بذلك من الصحابة - رضوان الله عليهم. علي وابن عمر، وابن مسعود (1)، وأنس بن مالك، وأبو موسى الأشعري وعائشة، وغيرهم (2).
ومن التابعين: سعيد بن المسيب، وابن سيرين، وقتادة، والزهري، وهو اختيار ابن المنذر (3)، وابن عبد البر (4)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (5) وتلميذه ابن القيم (6).
واستدل أصحاب هذا القول بما يلي:
أولا: الأدلة من السنة التي تدل على جواز الصلاة على القبر. ومنها:
1 -
حديث أبي هريرة رضي الله عنه «أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد، وفي رواية: كانت تتلقط الخرق والعيدان من المسجد، ففقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عنها، فقالوا: ماتت قال: " أفلا آذنتموني " قال: فكأنهم صغروا أمرها.
(1) ينظر: المحلى 5/ 140.
(2)
ينظر: المحلى 5/ 142، التمهيد 6/ 260، 274، 277.
(3)
ينظر: الأوسط 5/ 211.
(4)
ينظر: الاستذكار 8/ 252.
(5)
ينظر: الفتاوى 23/ 387.
(6)
ينظر: أعلام الموقعين 2/ 346.
وفي رواية، قالوا: ماتت بالليل، ودفنت فكرهنا أن نوقظك فقال:" دلوني على قبرها "، فدلوه على قبرها فصلى عليها ثم قال: إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها. وإن الله عز وجل ينورها لهم بصلاتي عليهم (1)».
2 -
حديث ابن عباس رضي الله عنه «أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم صلى على قبر بعدما دفن، فكبر عليه أربعا، وفي رواية قال: " انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قبر رطب فصلى عليه، وصفوا خلفه وكبر أربعا (2)» .
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على القبر من وجوه ستة (3) وزاد عليها ابن عبد البر ثلاثة وجوه (4).
وهذا يدل على مشروعية الصلاة على القبر! لفعله صلى الله عليه وسلم.
ونوقش هذا الاستدلال بما يلي:
أولا: قالوا: إن الصلاة على القبر خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم بدليل قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث (5): «إن هذه القبور مملوءة ظلمة، على أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم (6)» .
(1) تقدم تخريجه ص 237
(2)
تقدم تخريجه ص 249
(3)
ينظر: المغني 3/ 445
(4)
ينظر: التمهيد 2/ 271
(5)
ينظر: المحلى 5/ 140
(6)
تقدم تخريجه ص 237
ويجاب عن ذلك: بأن هذه السنة لو كانت خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم لمنع الصحابة أن يصطفوا خلفه، ويصلوا معه على القبر.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها .... (1)» الحديث. فيدل على بركة صلاته صلى الله عليه وسلم وفضلها (2).
ثانيا: احتج الإمام مالك رحمه الله على ترك العمل بهذه الأحاديث السابقة الدالة على مشروعية الصلاة على القبر بأن عمل أهل المدينة لم يكن على ذلك (3).
ويجاب عن ذلك: بأن عمل أهل المدينة ليس بحجة شرعية على القول الراجح، وخصوصا إذا كان مخالفا لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم (4).
ثانيا: فعل الصحابة رضوان الله عليهم، حيث دلت الآثار المروية عنهم على جواز الصلاة على القبر، وقد ذكرت جماعة من الصحابة قالوا بذلك، ولا يعرف لهم مخالف في ذلك (5).
القول الثاني: أن الصلاة على قبر الميت إذا كان قد صلي عليه مكروهة.
(1) تقدم تخريجه ص 237
(2)
ينظر: المحلى 5/ 140
(3)
ينظر: المدونة 1/ 181، 182
(4)
ينظر: الإحكام لابن حزم 4/ 584، إرشاد الفحول 1/ 318
(5)
ينظر: المحلى5/ 142
وقال بذلك الحنفية، والمالكية (1).
وقال بذلك النخعي، والحسن البصري، والثوري والأوزاعي، والحسن بن صالح بن حيي والليث بن سعد (2).
واستدل أصحاب هذا القول بما يلي:
أولا: حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام (3)» .
ثانيا: حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بين القبور (4)» .
فهذان الحديثان يدلان على النهي عن الصلاة في المقبرة، وبين
(1) ينظر: المدونة 1/ 184، مواهب الجليل 2/ 250
(2)
ينظر: الاستذكار 8/ 246
(3)
تقدم تخريجه ص 230
(4)
تقدم تخريجه ص 231
القبور وحملوا ذلك على عموم الصلوات. ومن ذلك صلاة الجنازة بين القبور أو على القبر، وهذا النهي حمله أصحاب هذا القول على الكراهة، ويجاب عن هذا الاستدلال:
بأن النهي عن الصلاة بين القبور المقصود به سائر الصلوات دون صلاة الجنازة على القبر، ودليل ذلك فعله صلى الله عليه وسلم حيث ثبت أنه صلى على القبر.
ثالثا: قالوا: إن الميت إذا صلي عليه، فإن الفرض قد تأدى بمن صلى عليه، والتنفل في الصلاة على الجنازة غير مشروع (1).
ويجاب عن هذا الدليل:
بأن صلاة من يصلي على القبر إذا فاتته الصلاة الأولى على الميت ليست نافلة؛ بل صلاته فرض كفاية، وليست نفلا، وذلك مثل لو صلت جماعة بعد جماعة على الجنازة، فصلاة الجميع تقع فرضا (2).
رابعا: قالوا: لو جاز الصلاة على قبر من صلي عليه، لكان أولى أن يصلى على قبر النبي صلى الله عليه وسلم (3).
ويجاب عن ذلك: بأن ابن قدامة وغيره من العلماء نقلوا إجماع
(1) ينظر: المبسوط 2/ 67
(2)
ينظر: المجموع 5/ 206، 207
(3)
ينظر: القدير 2/ 123
أهل العلم على عدم جواز الصلاة على قبر النبي صلى الله عليه وسلم؛ فيترك ذلك لأجل الإجماع؛ لأنه حجة (1).
والسبب في ذلك أن الصلاة على قبر النبي صلى الله عليه وسلم تفضي إلى جعله مسجدا ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مسجدا (2)» .
وذلك خوفا من الافتتان بقبره وأن يؤدي ذلك إلى تعظيمه وعبادته من دون الله عز وجل.
يضاف إلى ذلك أن قياس قبر غير النبي صلى الله عليه وسلم بقبره في عدم جواز الصلاة عليه لا يمكن؛ لأن الفقهاء القائلين بالجواز لا يجيزون الصلاة على القبور القديمة. بل نقل ابن عبد البر رحمه الله إجماع أهل العلم الذين قالوا بجواز الصلاة على القبر أنه لا يصلى على قبر إلا بقرب ما يدفن، وأكثر ما قالوا في ذلك شهر) (3).
الترجيح: إذا نظرنا إلى القولين السابقين وأدلتهما وما ورد عليهما، يظهر - والله تعالى أعلم - أن القول الراجح هو القول الأول،
(1) ينظر: المغني 3/ 455
(2)
تقدم تخريجه ص 231
(3)
ينظر: الاستذكار 8/ 251
وهو أن من فاتته الصلاة على الجنازة قبل الدفن جاز له أن يصلي على القبر، بل ذلك مستحب، كما ذهب إلى هذا فقهاء الشافعية والحنابلة، وذلك لسببين:
أولا: قوة أدلتهم وصراحتها وسلامتها من المعارض.
ثانيا: أن أدلة القول الثاني قد تمت الإجابة عليها، بما لا يدع فيها حجة قائمة - والله تعالى أعلم -.
المبحث الرابع: حكم إخراج الميت من القبر لأجل الصلاة عليه:
اتفق الفقهاء رحمهم الله على أن الميت إذا دفن قبل الصلاة عليه فإنه لا يخرج من قبره لأجل الصلاة عليه إذا كان قد تغير (1).
واختلفوا فيما إذا كان قبل تغيره، هل يجب إخراجه، من قبره لأجل الصلاة عليه، أو لا يخرج، ويصلى على قبره. فقط على قولين:
القول الأول: أن الميت إذا دفن قبل الصلاة عليه، فإنه لا يخرج بل يصلى عليه في قبره.
وقال بذلك الحنفية (2) والشافعية (3)، وهو رواية عند الحنابلة (4).
(1) ينظر: المبسوط 2/ 69 مواهب الجليل 2/ 250، الحاوي الكبير 3/ 59، المغنى 3/ 444
(2)
ينظر: المبسوط 2/ 69 فتح القدير 2/ 124
(3)
ينظر: الحاوي الكبير 3/ 22 المجموع 5 210
(4)
ينظر: المغني 5/ 500 والإنصاف 2/ 471
وقيد الحنفية ذلك بما إذا وضع اللبن على اللحد وأهيل التراب عليه، أما إذا لم يوضع اللبن على اللحد، أو وضع ولكن لم يهل التراب عليه فإنه يخرج ويصلى عليه (1).
وتقييد الحنفية لهذا القول حسن، فهو يدل على أن إخراج الميت من قبره إذا لم يصل عليه في لحظات الدفن، أو قبل اكتماله؛ لأجل الصلاة عليه جائز؛ لأن الدفن لم يكتمل بعد.
لأن الأفضل في حق الميت هو الصلاة عليه خارج القبر لينتفع بدعاء الحاضرين وفي هذا مصلحة للميت.
وعللوا ذلك:
أن الميت إذا قبر فقد سلم إلى ربه عز وجل وخرج من أيديهم (2).
ولأن إخراج الميت من قبره لغير ضرورة انتهاك له، ولأن تدارك واجب الصلاة عليه ممكن وهو في قبره، فهي مجزئة ومسقطة للفرض (3).
القول الثاني: أنه يجب إخراج الميت؛ لأجل الصلاة عليه إذا دفن قبل أن يصلى عليه.
(1) ينظر: فتح القدير 2/ 124
(2)
ينظر: المبسوط 2/ 69
(3)
ينظر: المجموع 5/ 210