الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الشبهة الأربعون
اتهام البخاري بالتدليس أحيانًا في الحديث بقوله: «عن فلان»
يقول المشكك:
«وعن التدليس بكتب الصحاح فحدث ولا حرج، فكيف ترضى بالبخاري وهو يقول:"عن فلان" ولا يسميه؟ فقد قالها:
1 -
بكتاب الإيمان، باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.
2 -
وقالها بكتاب الزكاة، باب من سأل الناس تكثرًا.
3 -
وقالها بكتاب المغازي، باب {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ} [آل عمران:153].
4 -
وقالها بكتاب تفسير القرآن، باب {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران:128].
5 -
وقالها بكتاب استتابة المرتدين وقتالهم، باب ما جاء في المتأولين.
6 -
وقالها بكتاب الدعوات، باب الدعاء على المشركين.
أليست كلمة فلان هذه تعني: "مجهول" يا أساتذة علم الحديث؟ ألا يعتبر ذلك تدليس
(1)
أم إننا نحن الذين لم نفهم وأنتم المتخصصون أصحاب الحظوة والفهم؟
والعجيب أنك تجدهم إذا ما أظهرت لهم عوارًا بمتن أي حديث تجدهم يقولون بـ"إن البخاري حقق السند ولم يحقق المتن". بينما الحقيقة أنه لم يحقق متنًا ولا سندًا، لكن هناك من أرادوا له شهرة زائفة بلا موضوعية».
(1)
كذا في المنشور، والصواب: تدليسًا.
والجواب:
أولًا: إن هذا المشكك للأسف لا يعرف الفرق بين: "التدليس" و"المبهم" و"المجهول".
ولا يعرف الفرق بين: "الإبهام في السند" و"الإبهام في المتن".
وهذه إحدى الرزايا التي أصيبت بها الأمة، وأخبرنا عنها النبي صلى الله عليه وسلم، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا)
(1)
.
وجاء في إخباره صلى الله عليه وسلم عن الفتن وأشراط الساعة من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ العِلْمُ وَيَكْثُرَ الجَهْلُ)
(2)
، أي: الجهال. وما أكثر الجهل في كلام هذا المشكك! وهذا منه.
ثانيًا: التدليس إذا كان يقصد به المعنى الاصطلاحي عند علماء الحديث فليس معناه ما ذكره، وإن كان يقصد به المعنى اللغوي أو الفقهي وهو:"كتمان عيب السلعة عن المشتري" -أي: أن البخاري كتم عن الناس شيئًا من العلم في الأسانيد أو المتون فلم يظهرها لهم- فليس بصحيح. ولو كان في "صحيح البخاري" شيء من ذلك لبينه العلماء السابقون.
ولكونه لم يسبقه أحد إلى مثل هذا الاتهام فهذا يدل على أنه هو المدلس، لا البخاري الذي أجمعت الأمة على ثقته وإمامته وصحة كتابه.
ثالثًا: المجهول هو: من عرف اسمه لكن لم تعرف عينه أو صفته، بخلاف المبهم، فإنه: الذي لم يصرح باسمه في الحديث.
فإن كان الإبهام في الإسناد فلا يقبل؛ لأنه أشد جهالة من المجهول، وإن كان في المتن فلا يضر، بلا خلاف بين العلماء؛ لأنه لا يترتب على معرفته كبير فائدة، وقد يكون من الأولى عدم معرفته؛ سترًا عليه، كما أمر الشرع.
رابعًا: قوله: "إن البخاري دلس في صحيحه فذكر فيه: عن فلان ولم يسمه" لقد تتبعت أنا المواضع التي أشار إليها عن طريق البحث الإلكتروني والبحث العادي، ولم أجد أنه قال في الإسناد:"عن فلان" إلا في موضع واحد فقط في كتابه، وهو في: كتاب استتابة المرتدين وقتالهم، باب ما جاء في المتأولين، حديث رقم (6939)، فقد قال: «حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو عوانة عن حصين عن فلان قال: (تَنَازَعَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَحِبَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ)
(3)
»، الحديث في قصة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه وكتابه إلى المشركين يوم الفتح.
(1)
صحيح البخاري، كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم (1/ 32)، رقم (100)، وصحيح مسلم، كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان (4/ 2058)، رقم (2673).
(2)
صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب يقل الرجال ويكثر النساء (7/ 37)، رقم (5231).
(3)
صحيح البخاري، كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب ما جاء في المتأولين (9/ 18)، رقم (6939).
وقد صرح البخاري باسمه في: كتاب المغازي، باب فضل من شهد بدرًا، حديث رقم (3983)، فقد قال:«حدثني إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عبد الله بن إدريس قال: سمعت حصين بن عبد الرحمن عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي»
(1)
، وساق الحديث.
فارتفع بذلك ما يخشى من إبهام الراوي.
وأما باقي المواضع فلم يرد في الإسناد فيها أي إبهام، وإنما وقع الإبهام لبعض الأسماء في المتن، ومن ذلك:
1 -
قول سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: (مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ)
(2)
؟ أي: لمَ لم تعطه كما أعطيت غيره.
2 -
قوله صلى الله عليه وسلم في دعائه: (اللَّهُمَّ العَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا)
(3)
.
3 -
قول أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: (قَالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي)
(4)
؟
ونحو ذلك.
وهذا الإبهام لا يضر المتن شيئًا، كما يعلم ذلك أهل الصنعة.
خامسًا: قوله عن البخاري: «بينما الحقيقة أنه لم يحقق متنًا ولا سندًا، لكن هناك من أرادوا له شهرة زائفة بلا موضوعية» كذب صريح، وإذا كان البخاري ليس من المحققين في الأسانيد والمتون فلا أعلم محققًا في الدنيا.
ثم أليس هذا القول هو التدليس بعينه؟! وهو خلاف الحق، {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ} [يونس:32]؟
والله المستعان، وإليه المصير.
(1)
صحيح البخاري (5/ 77).
(2)
صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل (1/ 14)، رقم (27)، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب تألف قلب من يخاف على إيمانه لضعفه والنهي عن القطع بالإيمان من غير دليل قاطع (1/ 132)، رقم (150).
(3)
صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128)}
[آل عمران:128](5/ 99)، رقم (4069). عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.
(4)
صحيح البخاري، كتاب العلم، باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره (1/ 30)، رقم (92)، وصحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب توقيره صلى الله عليه وسلم وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه أو لا يتعلق به تكليف وما لا يقع ونحو ذلك (4/ 1834)، رقم (2360).
وهنا انتهت الردود بحمد الله تعالى على هذا المشكك.
وقد طالت كثيرًا؛ لأني رددت على جميع شبهاته التي أوردها في منشوره بالتفصيل.
وبنهاية الرد عليها ينتهي الفصل الثاني بعون الله تعالى وتوفيقه.