الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الرد على كلام صاحب الرسالة في الشعبي وعائشة رضي الله عنها
-:
أولًا: لم يكتفِ صاحب الرسالة بما نقله من "نهج البلاغة" من كذب بليغ، بل راح يضيف إليه كذبًا من عند نفسه، يرفضه الواقع وتأباه العقول وتمجه النفوس! فهو يزعم:"أن الإمام الشعبي من المنحرفين عن علي رضي الله عنه "، أي: أنه من النواصب. وأقول في الرد على فريته هذه:
1 -
حاشا الإمام الشعبي أن يكون من المنحرفين عن علي رضي الله عنه، وهو الذي تتلمذ على علي رضي الله عنه وروى عنه! كما في "صحيح البخاري" و"المسند" والسنن.
2 -
ما هو دليله على انحرافه عنه؟ هل كان يشتمه وينال منه؟ فليأتِ بدليل واحد على ذلك إن كان صادقًا، ولكنها شنشنة معروفة من رافضي.
3 -
من يقرأ سيرة الشعبي يجد أنه من أئمة التابعين الذين شهدت لهم الأمة بالإمامة في الدين مع كثرة العلم والعمل وحسن المعتقد في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وآل بيته الكرام، وخاصة عليًا رضي الله عنه، ومما أثر عنه في ذلك:
(1)
.
ب- عن أبي عمرو عن الشعبي قال: «أَصْبَحَتِ الأُمَّةُ عَلَى أَرْبَعِ فِرَقٍ: مُحِبٌّ لِعَلِيٍّ مُبْغِضٌ لِعُثْمَانَ، وَمُحِبٌّ لِعُثْمَانَ مُبْغِضٌ لِعَلِيٍّ، وَمُحِبٌّ لَهُمَا، وَمُبْغِضٌ لَهُمَا. قُلْتُ: مِنْ أَيِّهِمَا أَنْتَ؟ قَالَ: مُبْغِضٌ لِبَاغِضِهِمَا»
(2)
.
ثانيًا: أسوأ من تهجم صاحب الرسالة هذا على الشعبي محاولته المستميتة لإقصاء عائشة رضي الله عنها عن شهودها لموته عليه الصلاة والسلام مع أنه صلى الله عليه وسلم توفي في بيتها رضي الله عنها! وقصده من ذلك: إبطال حديثها السابق رضي الله عنها، حيث ذكر من جملة ما ذكر من أدلة واهية:
1 -
"أن حضورها مع قرابات النبي صلى الله عليه وسلم حرام". وهذا لا شك أنه على إطلاقه حكم غريب يفتقر إلى دليل، فإن الله تعالى إنما حرم الاجتماع بنساء النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان بغير حجاب، وأما مع وجوده ووجود المحرم كذلك -كما هو الحال هنا- فلا.
2 -
وأغرب من حكمه هذا في حضورها: استنكاره الشديد عليها رضي الله عنها أن تسند إلى صدرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في تلك الحالة الشديدة -حالة الاحتضار- مع صغر سنها وضعف بنيتها، كما يقول!
(1)
المعجم لابن المقرئ (ص:118)، رقم (305)، وتاريخ دمشق لابن عساكر (25/ 348)، ترجمة: عامر بن شراحيل بن عبد أبو عمرو الشعبي الكوفي، رقم الترجمة (3047).
(2)
الضعفاء الكبير للعقيلي (4/ 180)، ترجمة: المغيرة بن سعيد، رقم الترجمة (1755)، وتاريخ دمشق لابن عساكر (25/ 371)، ترجمة: عامر بن شراحيل بن عبد أبو عمرو الشعبي الكوفي، رقم الترجمة (3047). واللفظ المذكور ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (4/ 308)، ترجمة: الشعبي عامر بن شراحيل بن عبد بن ذي كِبَارٍ، رقم الترجمة (113).
وهذا الاستنكار في غير محله:
أ- لأنها رضي الله عنه لم تكن صغيرة السن ولا ضعيفة البُنية، كما يدّعي، بل كانت ممتلئةً لحمًا، وبسبب كثرة لحمها عجزت أن تسبق النبي صلى الله عليه وسلم في المسابقة الثانية بينهما
(1)
، كما جاء في الرواية التي أنكرها، وكان سِنُّها يوم وفاته عليه الصلاة والسلام ثمانية عشر عامًا أو تزيد.
ب- لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يستند فيها النبي صلى الله عليه وسلم إليها رضي الله عنها، فقد كان في حال صحته يتكئ في حجرها وهي حائض ثم يقرأ القرآن
(2)
.
وفي حديث آخر في قصة التيمم: عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: (فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ)
(3)
.
ولها رضي الله عنها فضائل أخرى كثيرة غير ما تقدم، منها:
1 -
أن الله تعالى أنزل براءتها من الإفك في آيات تتلى إلى يوم القيامة
(4)
. وقد أجمع العلماء بعد ذلك على أن قاذفها كافر حلال الدم والمال
(5)
.
(1)
عن عائشة رضي الله عنها: (أَنَّهَا كَانَتْ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ قَالَتْ: فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ عَلَى رِجْلَيَّ، فَلَمَّا حَمَلْتُ اللَّحْمَ سَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي، فَقَالَ: هَذِهِ بِتِلْكَ السَّبْقَةِ). مسند أحمد (40/ 144)، رقم (24118)، وسنن أبي داود، كتاب الجهاد، باب في السبق على الرجل (3/ 30)، رقم (2578). وقال الألباني:«صحيح» . صحيح سنن أبي داود للألباني (2/ 118)، رقم (2578).
(2)
عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَتَّكِئُ فِي حِجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ، فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ). صحيح البخاري، كتاب الحيض، باب قراءة الرجل في حجر امرأته وهي حائض (1/ 67)، رقم (297)، وصحيح مسلم، كتاب الحيض، باب اتكاء الرجل في حجر زوجته وهي حائض وقراءة القرآن (1/ 246)، رقم (301).
(3)
صحيح البخاري، كتاب التيمم -ولم يذكر له بابًا- (1/ 74)، رقم (334)، وصحيح مسلم، كتاب الحيض، باب التيمم (1/ 279)، رقم (367).
(4)
عن عائشة رضي الله عنها في حديث قصة الإفك الطويل -وفيه-: (فَأَنْزَلَ اللهُ عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} [النور:11]، عَشْرَ آيَاتٍ، فَأَنْزَلَ اللهُ عز وجل هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ بَرَاءَتِي). صحيح البخاري، كتاب الشهادات، باب تعديل النساء بعضهن بعضًا (3/ 176)، رقم (2661)، وصحيح مسلم، كتاب التوبة، باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف (4/ 2136)، رقم (2770).
(5)
وممن نقل الإجماع على ذلك:
1 -
الإمام النووي، حيث قال:«براءة عائشة رضي الله عنها من الإفك وهي براءة قطعية بنص القرآن العزيز، فلو تشكك فيها إنسان والعياذ بالله صار كافرًا مرتدًا بإجماع المسلمين» . شرح صحيح مسلم للنووي (17/ 117).
2 -
ابن تيمية، حيث قال:«قال القاضي أبو يعلى: "من قذف عائشة بما برأها الله منه كفر بلا خلاف". وقد حكى الإجماع على هذا غير واحد، وصرح غير واحد من الأئمة بهذا الحكم» . الصارم المسلول على شاتم الرسول لابن تيمية (ص:565 - 566).
3 -
ابن القيم، حيث قال:«واتفقت الأمة على كفر قاذفها» . زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم (1/ 103).
4 -
ابن كثير، حيث قال:«وقد أجمع العلماء على تكفير من قذفها بعد براءتها» . البداية والنهاية لابن كثير (8/ 99).
5 -
زين الدين العراقي، حيث قال:«فصارت براءة عائشة رضي الله عنها من الإفك براءة قطعية بنص القرآن، فلو شك فيها إنسان والعياذ بالله تعالى صار كافرًا مرتدًا بإجماع المسلمين» . طرح التثريب في شرح التقريب لزين الدين العراقي (8/ 69).
2 -
أنها أحب النساء إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما أن أباها رضي الله عنه أحب الرجال إليه. فعن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم: (أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: عَائِشَةُ. فَقُلْتُ: مِنَ الرِّجَالِ؟ فَقَالَ: أَبُوهَا)
(1)
.
3 -
أنها زوجته في الآخرة. ومعنى ذلك: أنها معه في درجته. وليس فوق ذلك فضل ولا مفخر. فعن عائشة رضي الله عنها: (أَنَّ جِبْرِيلَ جَاءَ بِصُورَتِهَا فِي خِرْقَةِ حَرِيرٍ خَضْرَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: هَذِهِ زَوْجَتُكَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)
(2)
.
4 -
أنه كان يأتيه الوحي عليه الصلاة والسلام وهو في اللحاف معها دون سائر أزواجه رضي الله عنه ن، وقد خاطب صلى الله عليه وسلم بذلك أم سلمة رضي الله عنها فقال لها:(يَا أُمَّ سَلَمَةَ! لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ، فَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا نَزَلَ عَلَيَّ الوَحْيُ وَأَنَا فِي لِحَافِ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ غَيْرِهَا)
(3)
.
5 -
عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ)
(4)
.
(1)
صحيح البخاري، كتاب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:(لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا)(5/ 5)، رقم (3662)، وصحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب من فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه (4/ 1856)، رقم (2384).
(2)
سنن الترمذي، أبواب المناقب، باب من فضل عائشة رضي الله عنها (5/ 704)، رقم (3880)، وصحيح ابن حبان، كتاب إِخباره صلى الله عليه وسلم عن مناقب الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، ذكر عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وعن أبيها (16/ 6)، رقم (7094). وقال الألباني:«صحيح» . صحيح سنن الترمذي للألباني (3/ 574)، رقم (3880).
(3)
صحيح البخاري، كتاب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب فضل عائشة رضي الله عنها (5/ 30)، رقم (3775).
(4)
صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى:{وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ} [التحريم:11] إلى قوله: {وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12)} [التحريم:12](4/ 158)، رقم (3411)، وصحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب فضائل خديجة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها (4/ 1886)، رقم (2431).
6 -
أقرأها النبي صلى الله عليه وسلم السلام من جبريل عليه السلام. فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا: (يَا عَائِشَ! هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكِ السَّلَامَ. فَقُلْتُ: وَ عليه السلام وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، تَرَى مَا لَا أَرَى. تُرِيدُ: رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم)
(1)
.
إلى غير ذلك من فضائلها رضي الله عنها.
وإنما نبهت على هذه الفضائل ردًّا على صاحب الرسالة في قوله: «إن أكثر فضائل السيدة عائشة موضوعة» . نعوذ بالله من الخذلان.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
(1)
صحيح البخاري، كتاب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب فضل عائشة رضي الله عنها (5/ 29)، رقم (3768).