الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الشبهة الخامسة
أحاديث طواف النبي صلى الله عليه وسلم على نسائه وغيرها
تصوِّره شغوفًا بالنساء ومشغولاً بالشهوات
الحديث الخامس الذي رده صاحب الرسالة: حديث: طواف النبي صلى الله عليه وسلم على نسائه ومباشرته للحائض منهن من فوق الإزار.
يقول صاحب الرسالة:
«أخرج البخاري بسنده عن أنس بن مالك قال: (كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ الوَاحِدَةِ مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ)
(1)
، الحديث.
وفي رواية: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي لَيْلَةٍ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ)
(2)
» اهـ.
لقد ردَّ صاحب الرسالة هذا الحديث بدعوى أنه يصوِّر النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا مشغولًا بالجنس شغوفًا بالنساء، فقد قال:«فانظروا إلى هذه الرواية التي تصور الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأنَّه مشغولٌ بالجنس، شغوفٌ بالنساء» .
ثم قال بعد ذلك: «من أين لأنس علمه بهذه الرواية؟ هل أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بأنه طاف على نسائه في ساعة واحدة بغسل واحد» ؟
وقال أيضًا: «وكلا والله إن مثل هذا الكلام يستبعد وقوعه من العصاة المجرمين، فما بالنا بشفيع الخلق أجمعين، والذي كان -كما في الحديث-:(أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا)
(3)
»؟
وقال أيضًا: «وعلى فرض صحتها -وهو مستحيل- كيف يجامع نساءه الإحدى عشرة
(4)
أو التسع
(5)
-كما في رواية أخرى-، وهو الذي صلى الله عليه وآله وسلم قد نهى أن يأتي الرجل امرأته كالحيوان، ينزو عليها بدون أن يجعل لذلك مقدمات من تقبيل وغيره
(6)
؟ فلا بدَّ من زمن يستغرق في قضاء حاجته».
ثم قال بعد ذلك: «ثُمَّ كيف تقول هذه الرواية: (بِغُسْلٍ وَاحِدٍ) مع أنه صلى الله عليه وآله وسلم القائل: (إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأْ)
(7)
.
وفي رواية: (فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ)
(8)
».
(1)
صحيح البخاري، كتاب الغسل، باب إذا جامع ثم عاد ومن دار على نسائه في غسل واحد (1/ 62)، رقم (268).
(2)
عن أنس رضي الله عنه (أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي اللَّيْلَةِ الوَاحِدَةِ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ). صحيح البخاري، كتاب الغسل، باب الجنب يخرج ويمشي في السوق وغيره (1/ 65)، رقم (284).
وفي صحيح مسلم: عن أنس رضي الله عنه: (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ). صحيح مسلم، كتاب الحيض، باب الطواف على النساء بغسل واحد (1/ 249)، رقم (308).
(3)
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا). صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم (4/ 190)، رقم (3562)، وصحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب كثرة حيائه صلى الله عليه وسلم (4/ 1809)، رقم (2320).
(4)
عن أنس بن مالك قال: (كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ الوَاحِدَةِ مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ). صحيح البخاري. وقد تقدم في الصفحة السابقة.
(5)
عن أنس رضي الله عنه (أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي اللَّيْلَةِ الوَاحِدَةِ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ). صحيح البخاري وصحيح مسلم. وقد تقدم في الصفحة السابقة.
(6)
يشير بذلك إلى ما رُوي: (ثَلَاثَةٌ مِنَ الجَفَا: أَنْ يُؤَاخِى الرَّجُل الرَّجُلَ فَلَا يَعرِفُ لَهُ اسْمًا وَلَا كُنْيَةً، وَأَن يُهَيئَ الرَّجُلُ لأَخِيه طعَامًا فلَا يُجِيبُهُ، وَأَن يَكُونَ بَيْنَ الرَّجُل وَأَهْلِهِ وِقاع مِن غير أَنْ يُرْسِلَ رَسُولَا: الْمُزَاحُ والْقُبَلُ، لَا يَقع أحدكم عَلَى أهْلِهِ مِثْلَ الْبَهِيمَةِ عَلَى البهيمَةِ). قال العراقي: «رواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس، وهو منكر» . المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار لزين الدين العراقي (ص:489)، رقم (4).
(7)
صحيح مسلم، كتاب الطهارة، باب من أتى أهله ثم أراد أن يعود (1/ 249)، رقم (308). عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(8)
مسند أحمد (17/ 326)، رقم (11227)، والمسند الصحيح المخرج على صحيح مسلم لأبي عوانة "المشهور بـ: مستخرج أبي عوانة"، كتاب الطهارة، باب بيان إيجاب الوضوء على الجنب إذا أراد أن يعود في الجماع والإباحة لمن طاف على نسائه أن يغتسل غُسلًا واحدًا (3/ 64)، رقم (864)، ومسند الشاميين للطبراني (4/ 54)، رقم (2712). وقال محققو مسند أحمد -شعيب الأرناؤوط وعادل مرشد وآخرون-:«حديث صحيح» . مسند أحمد (17/ 326)، حاشية رقم (1).
ثم قال بعد ذلك: «ويا ليتهم توقفوا عن هذه الرواية! بل راحوا ينسبون إليه روايات تصفه بأنه كان شهوانيًا إلى حدِّ أنه كان إذا رأى امرأة فأعجبته تثور الشهوة فيه. نعوذ بالله من قولهم هذا» . وأورد أحاديث في هذا المعنى، ثم عقب عليها بقوله:«إن مثل هذه الروايات وضعت للنيل من قدسية النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولتبرير مجون الحكام الأمويين الذين امتلأت قصورهم بالجواري والنساء بلا حدود» ؛ لأنهن ملك يمين.
ثم قال بعد ذلك: «وهناك من الروايات ما هو أفظع وأبشع، فمنها: ما أخرجه البخاري بسنده عن
عائشة رضي الله عنها قالت: (كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم يُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ)
(1)
.
وأخرج البخاري أيضًا بسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كَانَتْ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَنْ يُبَاشِرَهَا أَمَرَهَا أَنْ تَتَّزِرَ فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا، ثُمَّ يُبَاشِرُهَا)
(2)
، الحديث».
وقال أيضًا: «فبربك أيها المسلم كيف تقبل مثل هذه الروايات التي تصف نبيك سيدنا محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم بأنه بلغ إلى أقصى درجة من الشهوة الجنسية؟ فهو لم يصبر -بزعم هذه الرواية- عن امرأته في حال حيضها حتى يباشرها وهو صائم
(3)
. فهل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يجهل قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة:222]؟ هذا ما لا يقوله عاقل» اهـ.
والجواب:
أجيب عن هذه المطاعن فيما يلي:
أولًا: أن هذا الحديث صحيح باتفاق أهل هذا الشأن، ولا توجد ثمَّ علة في سنده ولا متنه تمنع من قبوله، ولذلك خرّجه البخاري في صحيحه. وصاحب البيت أدرى بما فيه.
وعلى هذا: فإن الشرع والعقل يلزمانه بقبوله، فأما الشرع: فقد دلَّت الدلائل الكثيرة منه على وجوب قبول خبر الثقة. ورجال هذا الحديث جميعًا من الموصوفين بالعدالة والحفظ والإتقان. وهذه الصفات هي صفات الثقة عند العلماء.
وأمَّا العقل: فيقال له: كيف يتأتى في الأذهان قبول خبر شخص مرةً ورد خبره وتكذيبه مرة أخرى؟ لأنه إمَّا أن يكون ثقة فيلزم قبول خبره كله إلا ما شذَّ فيه، وإمَّا أن يكون كاذبًا فيلزم رد خبره كله من غير استثناء. لكن صاحب هذه الرسالة لم يلتزم بأي واحدة من هذه، ولهذا فقد وقع في تناقض كثير في رسالته، حيث نراه يرفض هذا الحديث وغيره مما أخرجه الشيخان أو أحدهما، ويستدلُّ في الوقت نفسه بأحاديث مخرجة فيهما رُويت من طريق أولئك الرواة الذين سبق وأن رفض حديثهم! فكيف يصحُّ مثل هذا عند العقلاء؟!
(1)
صحيح البخاري، كتاب الاعتكاف، باب غسل المعتكف (3/ 48)، رقم (2030).
(2)
صحيح البخاري وصحيح مسلم. وقد تقدم.
(3)
جاء في نهاية الحديث السابق: (قَالَتْ -يعني: عائشة رضي الله عنها: وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَمْلِكُ إِرْبَهُ). صحيح البخاري، كتاب الحيض، باب مباشرة الحائض (1/ 67 - 68)، رقم (302)، وصحيح مسلم، كتاب الحيض، باب مباشرة الحائض فوق الإزار (1/ 242)، رقم (293).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ). صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب المباشرة للصائم (3/ 30)، رقم (1927)، وصحيح مسلم، كتاب الصيام، باب بيان أن القبلة في الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته (2/ 777)، رقم (1106).
ثانيًا: يُقال له: متى كان الميول إلى ما أباحه الله تعالى من النساء والاشتغال بكثرة الجنس معهن سُبّة وعيبًا ينقص من قدر النبي صلى الله عليه وسلم ويزري بمكانته؟ وقد ثبت إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن نفسه بذلك، ومما ثبت عنه في ذلك:
1 -
عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حُبِّبَ إِلَيَّ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ)
(1)
.
وفي رواية عن أنس رضي الله عنه أيضًا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا: النِّسَاءُ وَالطِّيبُ)
(2)
.
وفي رواية ثالثة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أيضًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (حُبِّبَ إِلِيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ: النِّسَاءُ وَالطِّيبُ)
(3)
.
2 -
عن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأولئك النفر الذين تقالّوا عبادته: (لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي)
(4)
.
(1)
مسند أحمد (19/ 305)، رقم (12293)، وسنن النسائي، كتاب عشرة النساء، باب حب النساء (7/ 61)، رقم (3940). وقال الألباني:«صحيح» . صحيح سنن النسائي للألباني (3/ 57)، رقم (3950).
(2)
مسند أحمد (19/ 307)، رقم (12294)، وسنن النسائي، كتاب عشرة النساء، باب حب النساء (7/ 61)، رقم (3939). وقال الألباني:«حسن صحيح» . صحيح سنن النسائي للألباني (3/ 57)، رقم (3949).
(3)
السنن الكبرى للبيهقي، كتاب النكاح، أبواب الترغيب في النكاح وغير ذلك، باب الرغبة في النكاح (7/ 125)، رقم (13454). وقال الألباني:«صحيح» . صحيح الجامع الصغير وزيادته للألباني (1/ 599)، رقم (3124).
(4)
صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح (7/ 2)، رقم (5063)، وصحيح مسلم، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنه واشتغال من عجز عن المؤن بالصوم (2/ 1020)، رقم (1401). عن أنس رضي الله عنه.
ولو كان الاشتغال بالجنس المباح يزري بمنصبه عليه الصلاة والسلام لم يتزوج إحدى عشرة امرأة غير الإماء، ولاكتفى بواحدة. وكيف يكون مزريًا بمنصبه وقد اعتبره صلى الله عليه وسلم عبادة يؤجر عليها الرجل؟ ففي الحديث الصحيح عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ)
(1)
.
ومع ذلك فلم يكن الجنس كل همه صلى الله عليه وسلم ولا شغله الشاغل، ويدلُّ على ذلك:
1 -
أنه صلى الله عليه وسلم لم يجمع قبل الهجرة بين اثنتين من النساء قط.
2 -
لم يتزوج صلى الله عليه وسلم بكرًا غير عائشة رضي الله عنها.
3 -
لما غاضبنه أزواجه رضي الله عنهن بسبب النفقة آلى صلى الله عليه وسلم منهنَّ جميعًا، وحلف ألا يدخل عليهنَّ شهرًا
(2)
.
فلو كان ليس له صلى الله عليه وسلم همٌّ إلا الجنس لما استطاع أن يصبر عنهنَّ شهرًا كاملًا.
ولم يكن حبه صلى الله عليه وسلم للنساء يشغله عن واجباته وأعماله الدينية والدنيوية، فهذه عائشة رضي الله عنها تحدِّثنا عما كان يصنع في بيته لما سُلت عن ذلك، فعن الأسود قال:(سَأَلْتُ عَائِشَةَ: مَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ -تَعْنِي: خِدْمَةَ أَهْلِهِ- فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ)
(3)
، يعني: ولم يلتفت إليهنَّ رضي الله عنهن.
فهل يجوز بعد هذا أن يتهم العلماء الربانيون والمحدِّثون الصادقون بأنهم ينسبون إلى النبي صلى الله عليه وسلم روايات غير صحيحة تصوّره أنه شهواني، شغله الشاغل وهمه الأكبر هو النساء؟ سبحانك هذا بهتان عظيم، وزور وحوب كبير!
ثالثًا: أن أنس بن مالك رضي الله عنه ليس الصحابي الوحيد الذي روى طواف النبي صلى الله عليه وسلم على نسائه رضي الله عنهن، بل شاركه في ذلك:
1 -
عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، وهي واحدة ممن طاف عليهن صلى الله عليه وسلم.
2 -
أبو رافع رضي الله عنه مولى النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا ما كان يجهله صاحب الرسالة، أو أنه تجاهله عمدًا؛ ليُلبِّس على النَّاس ويقوِّي حجته، وحجته بحمد الله داحضة. وبيان ذلك في الآتي:
- أما حديث عائشة رضي الله عنها فأخرجه الشيخان عن محمد بن المنتشر قال: (سَأَلْتُ عَائِشَةَ، فَذَكَرْتُ لَهَا قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ: مَا أُحِبُّ أَنْ أُصْبِحَ مُحْرِمًا أَنْضَخُ طِيبًا، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَنَا طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ طَافَ فِي نِسَائِهِ، ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا)
(4)
.
وفي رواية عنها رضي الله عنها: (كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَيَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا يَنْضَخُ طِيبًا)
(5)
.
- وأما حديث أبي رافع رضي الله عنه فأخرجه أبو داود عن أبي رافع رضي الله عنه: (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم طَافَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى نِسَائِهِ، يَغْتَسِلُ عِنْدَ هَذِهِ وَعِنْدَ هَذِهِ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلَا تَجْعَلُهُ غُسْلًا وَاحِدًا؟ قَالَ: هَذَا أَزْكَى وَأَطْيَبُ وَأَطْهَرُ)
(6)
.
وقال أبو داود عقب ذكره: «وحديث أنس أصح من هذا»
(7)
.
قلت: وهذه العبارة لا تعني ضعف الحديث عند العلماء، ولهذا سكت عليه ابن حجر لما ذكره في الفتح
(8)
، مما يدلُّ على أن أقل درجاته عنده أنه حسن، كما هو معروف من منهجه.
وبهذا يتضح: عدم انفراد أنس رضي الله عنه بهذا الخبر، وأنه يمكن أن يكون تلقاه عن عائشة رضي الله عنها أو عن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه. ولا مانع من ذلك، ولا محظور فيه شرعًا؛ لأنه لا يدخل في مسمى الأسرار الزوجية التي يحرم إفشاؤها والتحدُّث بها، وقد دلَّت النصوص على أن ذكر الجماع بمجرده لا يعتبر سرًا من الأسرار الزوجية المنهي عن إفشائها، غير أنه لا ينبغي التحدث به إلا عند الحاجة، فقد جاء في الحديث عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت:(إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الرَّجُلِ يُجَامِعُ أَهْلَهُ ثُمَّ يُكْسِلُ هَلْ عَلَيْهِمَا الْغُسْلُ؟ وَعَائِشَةُ جَالِسَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِنِّي لَأَفْعَلُ ذَلِكَ أَنَا وَهَذِهِ ثُمَّ نَغْتَسِلُ)
(9)
.
(1)
صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف (2/ 697)، رقم (1006).
(2)
عن أنس رضي الله عنه قال: (آلَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا). صحيح البخاري، كتاب المظالم والغصب، باب الغرفة والعلية المشرفة وغير المشرفة في السطوح وغيرها (3/ 135)، رقم (2469)، وصحيح مسلم، كتاب الطلاق، باب في الإيلاء واعتزال النساء وتخييرهن وقوله تعالى:{وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ} [التحريم:4](2/ 1112)، رقم (1479).
(3)
صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب من كان في حاجة أهله فأقيمت الصلاة فخرج (1/ 136)، رقم (676).
(4)
صحيح البخاري، كتاب الغسل، باب من تطيب ثم اغتسل وبقي أثر الطيب (1/ 62)، رقم (270)، وصحيح مسلم، كتاب الحج، باب الطيب للمحرم عند الإحرام (2/ 849)، رقم (1192).
(5)
صحيح البخاري، كتاب الغسل، باب إذا جامع ثم عاد ومن دار على نسائه في غسل واحد (1/ 62)، رقم (267)، وصحيح مسلم، كتاب الحج، باب الطيب للمحرم عند الإحرام (2/ 849)، رقم (1192).
(6)
مسند أحمد (39/ 288)، رقم (23862)، وسنن ابن ماجة، كتاب الطهارة وسننها، باب فيمن يغتسل عند كل واحدة غسلًا (1/ 194)، رقم (590)، وسنن أبي داود، كتاب الطهارة، باب الوضوء لمن أراد أن يعود (1/ 56)، رقم (219). وقال الألباني:«حسن» . صحيح سنن ابن ماجة للألباني (1/ 182)، رقم (486).
(7)
سنن أبي داود (1/ 56).
(8)
انظر: فتح الباري لابن حجر (1/ 376).
(9)
صحيح مسلم، كتاب الحيض، باب نسخ الماء من الماء ووجوب الغسل بالتقاء الختانين (1/ 272).
وقد ذكر العلماء: أن المراد بالأسرار الزوجية هي تفصيلات الجماع، وما يحدث عند فعله من أقوال أو أفعال. وحاشا النبي صلى الله عليه وسلم أن يقدم على حكاية شيء من ذلك، وهو القائل كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا)
(1)
.
وبقي أن تعرف الحكم من إِطْلاع الأمة على طوافه صلى الله عليه وسلم على نسائه في ليلة واحدة، وهي لا شك ظاهرة لكلِّ ذي عقل راجح وقلب سليم، فمن ذلك:
1 -
تعريفهم بما اختص الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم من القوة الجسدية دونهم، وقد قال أنس رضي الله عنه في آخر حديثه السابق:(كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلَاثِينَ)
(2)
. وقال ابن حجر: «وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم: ما أُعطي النبي صلى الله عليه وسلم من القوة على الجماع، وهو دليل على كمال البنية وصحة الذكورية»
(3)
.
2 -
بيان أن القسم بين زوجاته رضي الله عنهن ليس واجبًا عليه صلى الله عليه وسلم كسائر النَّاس، ومصداق هذا قوله تعالى:{تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ} [الأحزاب:51].
3 -
جواز معاودة الجماع من غير إحداث غسل بينهما.
إلى غير لك من الحكم.
فظهر بهذا: أن صاحب الرسالة لم يكن بارًا في يمينه حينما قال: «وكلا والله إن مثل هذا الكلام يستبعد وقوعه من العصاة المجرمين» ، الخ. ومثل هذه اليمين ليس لها كفارة عند العلماء إلا التوبة الصادقة؛ لأنها يمين كاذبة. وكيف لا تكون كذلك وصاحبها قد حلف على أمر غيبي يجهله، ولا يُستبعد وقوعه من أحد، فضلًا عمن سماهم؟ فهل استقرأ أحوال العصاة المجرمين جميعًا حتى يُخبر عنهم بذلك؟
رابعًا: ليس هناك تعارض بين جماعه صلى الله عليه وسلم لنسائه جميعًا في ليلة واحدة وبين أنه يجعل لذلك مقدمات من تقبيل ونحوه، ولا شك أن مثل هذا الأمر قد يستغرق زمنًا، لكن ليس بالضرورة استغراق الليلة كلها في ذلك، كما قد يظن، وقياس النبي صلى الله عليه وسلم على غيره من الرجال في هذا غير صحيح؛ لأنه يختلف عنهم في القوة، كما سبق.
(1)
صحيح مسلم، كتاب النكاح، باب تحريم إفشاء سر المرأة (2/ 1060)، رقم (1437).
(2)
صحيح البخاري، كتاب الغسل، باب إذا جامع ثم عاد ومن دار على نسائه في غسل واحد (1/ 62)، رقم (268).
(3)
فتح الباري لابن حجر (1/ 379).
وقول صاحب الرسالة: «كيف يجامع نساءه الإحدى عشرة أو التسع -كما في رواية أخرى-، وهو الذي صلى الله عليه وآله وسلم قد نهى أن يأتي الرجل امرأته كالحيوان، ينزو عليها بدون أن يجعل لذلك مقدمات من تقبيل وغيره؟ فلا بدَّ من زمن يستغرق في قضاء حاجته» في غاية في الجهل والحماقة، فما الذي أدراه أن مثل هذا الطواف لا يحصل معه تقبيل ولا ملاعبة، أطَّلع الغيب أم كان شاهدًا أم إنه التخرص والقول بلا علم؟
خامسًا: لم يبق عندي أيُّ شك بعد قراءتي لتعليقه على هذا الحديث بأنه جاهل بكلِّ ما تعنيه هذه الكلمة؛ حيث اتضح أنه لا يفرِّق بين الغسل والوضوء، وقد جاء ذلك مبينًا في اعتراضه على رواية أنس رضي الله عنه السابقة الدالة على أن طوافه صلى الله عليه وسلم على نسائه كان بغسل واحد حين قال: "كيف يحصل مثل ذلك والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال: (إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ)
(1)
"؟ فالأمر النبوي هنا هو بالوضوء، وليس بالغسل. وكلُّ مسلم مكلَّف يعرف الفرق بينهما ضرورة. واستدلال صاحب الرسالة به على الغسل مع وضوحه أنه في الوضوء أمرٌ غاية في الغرابة! ولا يكاد يصدر من مبتدئ، فضلًا عن متصدر ومدَّعٍ للعلم ومتشبع بما لم يعط!
أضف إلى ذلك: أن ابن حجر نقل الإجماع عن أهل العلم على أن الغسل لا يجب بين الجماعين، وأن الوضوء مستحب بينهما عند الجمهور، إلا عند أهل الظاهر وابن حبيب المالكي فإنه يجب، وذكر أن مما يدلُّ على عدم وجوبه: ما رواه الطحاوي عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُجَامِعُ ثُمَّ يَعُودُ وَلَا يَتَوَضَّأُ)
(2)
(3)
.
(1)
مسند أحمد ومستخرج أبي عوانة ومسند الشاميين للطبراني، وصححه محققو مسند أحمد -شعيب الأرناؤوط وعادل مرشد وآخرون- في حاشية مسند أحمد. وقد تقدم.
(2)
شرح معاني الآثار للطحاوي، كتاب الطهارة، باب الجنب يريد النوم أو الأكل أو الشرب أو الجماع (1/ 127)، رقم (774)، وناسخ الحديث ومنسوخه لابن شاهين، الخلاف في ذلك -أي: الخلاف في الوضوء لمن أراد أن يعود وفي نسخه- (ص:144)، رقم (149). وقال في "أطراف الغرائب والأفراد من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم للإمام الدارقطني" -لابن القيسراني-:«تفرد به معاذ بن فضالة عن يحيى بن أيوب عن موسى بن أيوب -كذا: موسى بن أيوب، والصواب: موسى بن عقبة- وأبي حنيفة عن أبي إسحاق الهمداني عن الأسود» . أطراف الغرائب والأفراد من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم للإمام الدارقطني لابن القيسراني (5/ 416)، رقم (5899).
(3)
انظر: فتح الباري لابن حجر (1/ 376 - 377).
سادسًا: أن اتهام الرواة الثقات بوضع الحديث هو من الزور والبهتان العظيم عليهم، وهذا أمره إلى الله تعالى يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلَّا من أتى الله بقلب سليم.
ويلزم صاحب الرسالة على اتهامه لهم بذلك عقلًا أن يرد حديثهم كله من غير استثناء؛ لكونهم قد حكم عليهم جميعًا بالكذب. وأما أن يقبل من حديثهم ما يحب ويرد منه ما يكره فهو الذي لا أجد له تفسيرًا عندي إلا الرفض ونصرة المذهب.
ومما ردَّه من حديثهم واتهمهم بأنهم وضعوه على النبي صلى الله عليه وسلم: الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن جابر رضي الله عنه: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَأَى امْرَأَةً فَأَتَى امْرَأَتَهُ زَيْنَبَ وَهِيَ تَمْعَسُ مَنِيئَةً لَهَا -أي: تدلك جلدًا وتدبغه-، فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: إِنَّ الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ وَتُدْبِرُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ، فَإِذَا أَبْصَرَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفْسِهِ)
(1)
.
وفي رواية: (إِذَا أَحَدُكُمْ أَعْجَبَتْهُ الْمَرْأَةُ فَوَقَعَتْ فِي قَلْبِهِ فَلْيَعْمِدْ إِلَى امْرَأَتِهِ فَلْيُوَاقِعْهَا؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفْسِهِ)
(2)
.
فلقد اعتبر دعي العلم أن هذا الحديث موضوع؛ لأنه -حسب زعمه- يصوِّر النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا شهوانيًا.
وأتساءل كما تساءلتُ من قبل:
- هل وجود الشهوة في النبي صلى الله عليه وسلم تزري بمنصبه وتحط من قدره وقدسيته كما يقول؟ كيف يكون ذلك وقد أخبرنا الله تعالى بأنه بشر مثلنا، أي: أنه يأكل ويشرب ويمرض ويأتي الغائط ويتزوج النساء مثلنا.
- ثم يقال لهذا الغالي: هل تزوجه صلى الله عليه وسلم للنساء كان عن شهوة أو لا؟ فإن قال: كان عن شهوة فقد وصفه هو الآخر بأنه شهواني -وأقول هذا من باب الإلزام للخصم-.
وإن قال: كان عن غير شهوة فما صدق؛ للآتي:
1 -
أنه لا يتصور أن يتزوج رجل امرأة ويطؤها وتلد له وكلُّ ذلك منه بغير شهوة.
2 -
أن القرآن والسُّنَّة والفطرة كلها تشهد ببشرية النبي صلى الله عليه وسلم ورغبته في النساء، ومن ذلك:
ب- عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (حُبِّبَ إِلِيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ: النِّسَاءُ وَالطِّيبُ)
(3)
.
(1)
صحيح مسلم، كتاب النكاح، باب ندب من رأى امرأة فوقعت في نفسه إلى أن يأتي امرأته أو جاريته فيواقعها (2/ 1021)، رقم (1403).
(2)
المصدر السابق، نفس الكتاب والباب والجزء والصفحة، تحت رقم (1403).
(3)
السنن الكبرى للبيهقي، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته. وقد تقدم.
ج- عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي)
(1)
.
وبعد هذا لعل سائلًا أن يتساءل عن الحكمة في فعله صلى الله عليه وسلم هذا مع استغنائه عنه صلى الله عليه وسلم، وقد أجاب عن ذلك العلماء، وبيَّنوا الحكمة في ذلك، ونقلها عنهم الإمام النووي فقال:«قال العلماء: إنما فعل هذا بيانًا لهم -أي: للرجال- وإرشادًا لما ينبغي لهم أن يفعلوه -أي: عند رؤية المرأة المحركة للشهوة-، فعلَّمهم بفعله وقوله»
(2)
.
سابعًا: أن كثرة النساء من الزوجات والإماء في حدود الشرع ليس مجونًا، كما يسميه صاحب الرسالة، وتسميته بذلك اعتراض على تشريع الحكيم العليم الذي أباح من الزوجات أربعًا ومن الإماء من دون حد، قال تعالى:{فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (3)} [النساء:3].
ثامنًا: أن مباشرة النبي صلى الله عليه وسلم لنسائه زمن الحيض حق، وقد كان يجعل بينه وبين فروجهنَّ حائلًا، كما دلَّت عليه الأحاديث الكثيرة. وهذا منه صلى الله عليه وسلم بيان لقوله تعالى:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة:222]؛ لـ (أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِيهِمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا، وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ، فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة:222]، إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ)
(3)
.
وقد أجمع المفسِّرون على أن معنى الآية هو: الأمر باعتزال جماعهنَّ في وقت الحيض لا غير. قال القرطبي: «ومقصود هذا النهي: ترك المجامعة.
وقد اختلف العلماء في مباشرة الحائض وما يستباح منها، فرُوي عن ابن عباس وعبيدة السلماني:(أنه يجب أن يعتزل الرجل فراش زوجته إذا حاضت)
(4)
»
(5)
. ثم قال القرطبي معلقًا على هذا القول: «وهذا قول شاذ خارج عن قول العلماء، وإن كان عموم الآية يقتضيه فالسُّنَّة الثابتة بخلافه، وقد وقفت على ابن عباس خالتُه ميمونة وقالت له:(أَرَغَبٌ أَنْتَ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم)
(6)
»
(7)
؟
(1)
صحيح البخاري وصحيح مسلم. وقد تقدم.
(2)
شرح صحيح مسلم للنووي (9/ 178 - 179).
(3)
صحيح مسلم. عن أنس رضي الله عنه. وقد تقدم.
(4)
سيأتي نصه وتخريجه قريبًا بعد حاشية واحدة.
(5)
تفسير القرطبي (3/ 86).
(6)
عن نُدبَةَ -مولاة لميمونة بنت الحارث زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: (أَرْسَلَتْنِي مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ إِلَى امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَكَانَتْ بَيْنَهُمَا قَرَابَةٌ، فَرَأَيْتُ فِرَاشَهَا مُعْتَزِلًا فِرَاشَهُ فَظَنَنْتُ أَنَّ ذَلِكَ لِهِجْرَانٍ، فَسَأَلْتُهَا فَقَالَتْ: لَا، وَلَكِنِّي حَائِضٌ، فَإِذَا حِضْتُ لَمْ يَقْرَبْ فِرَاشِي. فَأَتَيْتُ مَيْمُونَةَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهَا، فَرَدَّتْنِي إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَتْ: أَرَغْبَةً عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَنَامُ مَعَ الْمَرْأَةِ مِنْ نِسَائِهِ الْحَائِضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا ثَوْبٌ). مسند أحمد (44/ 402 - 403)، رقم (26819)، والمعجم الكبير للطبراني (24/ 11 - 13)، رقم (16، و 17، و 18، و 19، و 20، و 21). وقال محققو مسند أحمد -شعيب الأرناؤوط وعادل مرشد وآخرون-: «صحيح» . مسند أحمد (44/ 403)، حاشية رقم (1). وقد تقدم بعضه.
(7)
تفسير القرطبي (3/ 86 - 87).
(1)
.
ومثل قول هذين الإمامين قال الإمام ابن كثير في تفسيره، وذكر أنه قول ابن عباس رضي الله عنه ومجاهد والحسن وعكرمة
(2)
.
وهذا يدلُّ على ضعف ما رُوي عن ابن عباس رضي الله عنه من المنع أو على رجوعه عنه.
وقد فصّل الإمام النووي القول في مباشرة الحائض، ونقل الإجماع على ما يجوز منها وما لا يجوز، فقال: «اعلم أن مباشرة الحائض أقسام:
أحدها: أن يباشرها بالجماع في الفرج. فهذا حرام بإجماع المسلمين بنص القرآن العزيز والسنة الصحيحة ....
القسم الثاني: المباشرة فيما فوق السرة وتحت الركبة بالذَّكَر أو بالقبلة أو المعانقة أو اللمس أو غير ذلك. وهو حلال باتفاق العلماء، وقد نقل الشيخ أبو حامد الاسفراينى وجماعة كثيرة الإجماع على هذا. وأما ما حُكي عن عبيدة السلماني وغيره من "أنه لا يباشر شيئًا منها بشيء منه" فشاذ منكر غير معروف ولا مقبول، ولو صحَّ عنه لكان مردودًا بالأحاديث الصحيحة المشهورة المذكورة في الصحيحين وغيرهما في مباشرة النبي صلى الله عليه وسلم فوق الإزار، وإذنه في ذلك بإجماع المسلمين قبل المخالف وبعده ....
القسم الثالث: المباشرة فيما بين السرة والركبة في غير القبل والدبر. وفيها ثلاثة أوجه لأصحابنا:
أصحها عند جماهيرهم وأشهرها في المذهب: أنها حرام.
والثاني: أنها ليست بحرام، ولكنها مكروهة كراهة تنزيه. وهذا الوجه أقوى من حيث الدليل. وهو المختار.
والوجه الثالث: إن كان المباشر يضبط نفسه عن الفرج ويثق من نفسه باجتنابه إما لضعف شهوته وإما لشدة ورعه جاز، وإلا فلا. وهذا الوجه حسن، قاله أبو العباس البصري من أصحابنا»
(3)
.
ولعلك أخي الكريم بعد هذا الكلام الواضح والتفصيل الدقيق تتساءل عن الحكمة في مباشرة النبي صلى الله عليه وسلم لبعض أزواجه الحُيَّض مع وجود نسائه الأخريات اللاتي لسن كذلك، فقد كان يمكنه صلى الله عليه وسلم أن يأتي إحداهنَّ وإن لم تكن نوبتها بإباحة الله له ذلك، ويترك مباشرة الحائض.
(1)
تفسير الشوكاني (1/ 259).
(2)
تفسير ابن كثير (1/ 586).
(3)
شرح صحيح مسلم للنووي (3/ 204 - 205).
فأقول: إن الحكمة من ذلك كما قال العلماء: إنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك تشريعًا لغيره؛ إذ ليس كل رجل عنده زوجتان إن حاضت إحداهما ذهب إلى الأخرى في نوبتها، وغالب الرجال ليس له إلا زوجة واحدة، فإن مُنع من مباشرتها شقَّ ذلك عليه، خاصة وأن بعض النساء يتحيضن عشرًا وخمسة عشر يومًا، فإذا لم تكن له وسيلة مباحة يقضي بها وطره فقد يقدم على وسيلة أخرى محرمة، وحتى مع وجود زوجتين أو أكثر للرجل فإن الحكمة باقية؛ لجواز ألا تميل نفسه إلا لواحدة فقط.
اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه؛ إنك على كلِّ شيء قدير.