الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الشبهة السابعة
اتهام السنة بمخالفة القرآن
في نفيه للشفاعة عن غير الله تعالى
يقول المشكك:
«ويقول القرآن: "إن الشفاعة لله تعالى جميعًا"، و"إن دخول الجنة بالإيمان والعمل الصالح"، و"إنه لا يستطيع أحد أن يشفع لأحد إلا بإذن الله".
ويقول أهل الحديث: بل يشفع النبي لكل من قال: "لا إله إلا الله"
(1)
(2)
. ويقولون: بل سيضع ذنوب المسلمين على اليهود والنصارى»
(3)
.
والجواب:
أولًا: نعم إن الشفاعة لله تعالى جميعًا، ولا يستطيع أحد أن يشفع لأحد إلا بإذن الله تعالى، ونحن نؤمن بذلك ونصدق به، ومن ذلك: شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لكل من قال: "لا إله إلا الله" من الموحدين من أصحاب الكبائر وغيرهم. وهذه الشفاعة منه صلى الله عليه وسلم لهم لا تقع إلا بإذن الله تعالى، ورضاه سبحانه عن المشفوع له.
(1)
يشير إلى: حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا). صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب اختباء النبي صلى الله عليه وسلم دعوة الشفاعة لأمته (1/ 189)، رقم (199).
وهو كذلك في الصحيحين من دون ذكر من تناله شفاعته صلى الله عليه وسلم. ولفظه فيه: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ يَدْعُو بِهَا، وَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي فِي الآخِرَةِ). صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب لكل نبي دعوة مستجابة (8/ 67)، رقم (6304)، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب اختباء النبي صلى الله عليه وسلم دعوة الشفاعة لأمته (1/ 188)، رقم (198).
(2)
تواترت الأحاديث في إثبات الشفاعة، وأجمع المسلمون من أهل السنة عليها، قال الإمام النووي:«وقد جاءت الآثار التي بلغت بمجموعها التواتر بصحة الشفاعة في الآخرة لمذنبي المؤمنين، وأجمع السلف والخلف ومن بعدهم من أهل السنة عليها» . شرح صحيح مسلم للنووي (3/ 35).
وقال ابن حجر: «الأدلة القطعية عند أهل السنة على: أن طائفة من عصاة المؤمنين يعذبون ثم يخرجون من النار بالشفاعة» . فتح الباري لابن حجر (1/ 226).
(3)
سيأتي ذكر الحديث الوارد في ذلك.
فلا منافاة بين شفاعته صلى الله عليه وسلم هذه وبين قوله تعالى: {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} [الزمر:44]؛ لأن معنى هذه الآية: أنه سبحانه هو المالك للشفاعة كلها، وهو الذي يهبها ويمنعها، ويأذن فيها لمن شاء بعد أن يرضى عن المشفوع فيه.
لكن هناك من يمنع الشفاعة مطلقًا إلا الشفاعة الكبرى، ويستدلون على ذلك بالآتي:
1 -
قال تعالى: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (18)} [غافر:18].
2 -
قال تعالى: {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ} [البقرة:123].
في حين أن المراد بنفي الشفاعة في هاتين الآيتين ونحوهما هي: نفي الشفاعة عن الكفار والمشركين، فلا تُقبل فيهم شفاعة أحد، ولا يأذن الله تعالى لأحد أن يشفع فيهم.
وإنكار الشفاعة هو إنكار لصريح القرآن الكريم؛ فقد ذكرها القرآن الكريم مثبتًا لها في عدة آيات، ومنها:
1 -
قال تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة:255].
2 -
قال تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء:28].
3 -
قال تعالى: {يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (109)} [طه:109].
4 -
قال تعالى: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (26)} [النجم:26].
ثانيًا: قول المشكك: «وإن دخول الجنة بالإيمان والعمل الصالح» سيأتي الكلام عليه مفصلًا إن شاء الله في موضعه؛ حيث يورد الأدلة على أن دخول الجنة هو بالإيمان والعمل الصالح، وليس برحمة الله كما يقول.
ثالثًا: قول المشكك: «ويقولون: بل سيضع ذنوب المسلمين على اليهود والنصارى» الجواب عنه:
1 -
هو يشير بقوله هذا الى الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي بردة عن أبيه رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِذُنُوبٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ فَيَغْفِرُهَا اللهُ لَهُمْ، وَيَضَعُهَا عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. فِيمَا أَحْسِبُ أَنَا. قَالَ أَبُو رَوْحٍ -أحد الرواة-: لَا أَدْرِي مِمَّنِ الشَّكُّ)
(1)
.
وفي لفظ آخر عند مسلم: عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دَفَعَ اللهُ عز وجل إِلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا فَيَقُولُ: هَذَا فِكَاكُكَ مِنَ النَّارِ)
(2)
.
(1)
صحيح مسلم، كتاب التوبة، باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله (4/ 2120)، رقم (2767).
(2)
المصدر السابق، نفس الكتاب والباب (4/ 2119)، رقم (2767).
فيقال: كيف يضع الله تعالى على اليهود والنصارى ذنوبًا لم يعملوها ثم يعذبهم بها، وهو سبحانه يقول:{وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49)} [الكهف:49]، ويقول:{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام:164، والإسراء:15، وفاطر:18، والزمر:7]؟
والجواب:
أ- أن الله تعالى أخبر في كتابه أن اليهود والنصارى من أصحاب النار المخلدين فيها أبدًا، وأنه سبحانه يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء ويرحم من يشاء، ومن يعذبه الله تعالى فبعدله وحكمته، ومن يرحمه فبفضله ونعمته، و {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23)} [الأنبياء:23].
ب- أخبر سبحانه أنه يضاعف العذاب لمن يشاء من أهل النار، كقوله:{يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (20)} [هود:20]. وقوله: {قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (38)} [الأعراف:38].
وعلى هذا: فيكون وضع ذنوب عليهم لم يعملوها هو من تضعيف العذاب عليهم، بمعنى: أن هذه الذنوب يغفرها الله لهؤلاء المسلمين ويعذب بمثلها اليهود والنصارى من باب مضاعفة العذاب عليهم.
قال النووي في "شرح صحيح مسلم": «فمعناه -أي: الحديث-: أن الله تعالى يغفر تلك الذنوب للمسلمين ويسقطها عنهم، ويضع على اليهود والنصارى مثلها بكفرهم وذنوبهم، فيدخلهم النار بأعمالهم، لا بذنوب المسلمين»
(1)
.
ج- كون اليهودي أو النصراني فكاكًا للمسلم معناه: أنه خلف المسلم في منزله الذي أعده الله له في النار لو أنه دخلها.
2 -
لم يقل الحديث ولا أهل الحديث: "إن الله يضع ذنوب المسلمين جميعًا على اليهود والنصارى"، كما أتهمهم المشكك بذلك، وإنما قالوا كما جاء في الحديث:(يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، أي: طائفة منهم وليس جميعهم.
والله أعلم.
(1)
شرح صحيح مسلم للنووي (17/ 85).