الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الشبهة الخامسة والعشرون
اتهام المحدثين بمخالفة القرآن
في قولهم بتعذيب الميت ببكاء أهله عليه
يقول المشكك:
«ويقولون فيما أدخلوه زورًا بالتراث وينسبونه للصادق الأمين: (إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ)
(1)
. البخاري (1286، 1290)، مسلم
(2)
(927، 928). فهل يعذبنا الله على ما لم نفعله، ومع كوننا أمواتًا؟
فأين هؤلاء وفكرهم عن الله حين وصف نفسه فقال: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ؟ وأين هم من قوله تعالى: {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38)} [النجم:38]»؟
والجواب:
أولًا: حديث (إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) في الصحيحين من حديث عمر رضي الله عنه
(3)
.
وكذلك من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما
(4)
.
(1)
سيأتي تخريجه بعد حاشية واحدة في حاشيتين متتاليتين.
(2)
كذا في المنشور، والصواب: ومسلم.
(3)
جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ذلك عدة روايات، منها:
1 -
عن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الحَيِّ). صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:(يُعَذَّبُ المَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) إذا كان النوح من سنته (2/ 80)، رقم (1290)، وصحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه (2/ 639)، رقم (927).
2 -
عن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ). صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:(يُعَذَّبُ المَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) إذا كان النوح من سنته (2/ 79)، رقم (1287)، وصحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه (2/ 641)، رقم (927). وقيّد في هذه الرواية أن العذاب للميت يكون ببعض بكاء الحي، وليس بكله.
(4)
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ). صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:(يُعَذَّبُ المَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) إذا كان النوح من سنته (2/ 80)، رقم (1286)، وصحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه (2/ 638)، رقم (927).
ثانيًا: أنكرت أم المؤمنين عائشة على ابن عمر رضي الله عنهما هذا الحديث
(1)
، وكذلك أنكرته على عمر بن الخطاب رضي الله عنهما
(2)
.
(1)
عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: (إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى يَهُودِيَّةٍ يَبْكِي عَلَيْهَا أَهْلُهَا فَقَالَ: إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا). صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:(يُعَذَّبُ المَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) إذا كان النوح من سنته (2/ 80)، رقم (1289)، وصحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه (2/ 642)، رقم (931).
(2)
عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْه. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ رضي الله عنه ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ رضي الله عنها يعني: حديث: إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ- فَقَالَتْ: رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ، وَاللَّهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ لَيُعَذِّبُ المُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ. وَقَالَتْ: حَسْبُكُمُ القُرْآنُ: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام:164]). صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:(يُعَذَّبُ المَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) إذا كان النوح من سنته (2/ 80)، رقم (1287 و 1288)، وصحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه (2/ 641)، رقم (929). وفي رواية مسلم: قال ابن عباس رضي الله عنهما: (فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَحَدَّثْتُهَا بِمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ). ففي رواية البخاري: أنه حدثها بقول عمر رضي الله عنهم، وفي رواية مسلم: أنه حدثها بقول ابن عمر رضي الله عنهم.
وذكرت رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله في شأن الكافر، وليس في شأن المؤمن. ونسبتهما إلى الخطأ والنسيان، ولم تنسبهما إلى الكذب
(1)
-كما فعل هذا المشكك الجاهل-.
وكذلك أنكره على ابن عمر أبو هريرة رضي الله عنهما
(2)
.
والحديث لا مجال لإنكاره؛ لأنه ثابت في الصحيحين وغيرهما.
ثالثًا: تأول العلماء هذا الحديث بعدة تأويلات، ومن أحسنها:
1 -
قولهم: إن الميت يعذب ببكاء أهله إذا أوصاهم بالنوح ورضي به في حياته، فيعذب بذلك؛ لأنه امتداد لعمله السيئ.
وبهذا قال أكثر العلماء
(3)
.
(1)
عن القاسم بن محمد قال: (لَمَّا بَلَغَ عَائِشَةَ قَوْلُ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ قَالَتْ: إِنَّكُمْ لَتُحَدِّثُونِّي عَنْ غَيْرِ كَاذِبَيْنِ وَلَا مُكَذَّبَيْنِ، وَلَكِنَّ السَّمْعَ يُخْطِئُ). صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه (2/ 641)، رقم (929).
وقال الإمام النووي: «وهذه الروايات -يعني: تعذيب الميت ببكاء الحي- من رواية عمر بن الخطاب وابنه عبد الله رضي الله عنهما، وأنكرت عائشة ونسبتها إلى النسيان والاشتباه عليهما، وأنكرت أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك، واحتجت بقوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام:164، والإسراء:15، وفاطر:18، والزمر:7]. قالت: وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم في يهودية: (إِنَّهَا تُعَذَّبُ وَهُمْ يَبْكُونَ عَلَيْهَا)، يعني: تُعذب بكفرها في حال بكاء أهلها، لا بسبب البكاء» . شرح صحيح مسلم للنووي (6/ 228).
وحديث: (إِنَّهَا تُعَذَّبُ وَهُمْ يَبْكُونَ عَلَيْهَا) تقدم أن لفظه في الصحيحين: (إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا). وقد تقدم تخريجه قبل حاشية واحدة.
(2)
عن حاجب بن عمر قال: (دَخَلْتُ مَعَ الْحَكَمِ الْأَعْرَجِ عَلَى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَتَذَاكَرُوا أَمْرَ الْمَيِّتِ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ، فَحَدَّثَنَا بَكْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللَّهِ لَئِنِ انْطَلَقَ رَجُلٌ مُحَارِبًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلَ فِي قُطْرٍ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ شَهِيدًا فَعَمَدَتِ امْرَأَةٌ سَفَهًا أَوْ جَهْلًا فَبَكَتْ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّ هَذَا الشَّهِيدَ بِبُكَاءِ هَذِهِ السَّفِيهَةِ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَجُلٌ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَذَبَ أَبُو هُرَيْرَةَ، صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَذَبَ أَبُو هُرَيْرَةَ). مسند أبي يعلى الموصلي (3/ 165)، رقم (1592). وقال محقق مسند أبي يعلى -حكم حسين سليم أسد-:«رجاله ثقات» . مسند أبي يعلى الموصلي (3/ 165). وقال الهيثمي: «حاجب لم يسمع من بكر، وبكر لم يسمع من أبي هريرة. والحكاية مرسلة» . المقصد العلي في زوائد أبي يعلى الموصلي للهيثمي (1/ 190)، رقم (434).
(3)
وقد حكاه الإمام النووي عن الجمهور، فقال عن هذه الأحاديث:«واختلف العلماء في هذه الأحاديث، فتأولها الجمهور على من وصّى بأن يُبكى عليه ويُناح بعد موته فنُفذت وصيته، فهذا يُعذب ببكاء أهله عليه ونوحِهم؛ لأنه بسببه ومنسوب إليه» . شرح صحيح مسلم للنووي (6/ 228).
وقال ابن حجر: «وبه قال المزني وإبراهيم الحربي وآخرون من الشافعية وغيرهم، حتى قال أبو الليث السمرقندي: إنه قول عامة أهل العلم. وكذا نقله النووي عن الجمهور» . فتح الباري لابن حجر (3/ 154).
2 -
قيل: معنى: (يُعَذَّبُ) أي: يتألم نفسيًا؛ لبكائهم. وأوردوا لذلك شواهد من اللغة.
وبهذا قال ابن جرير والقاضي عياض
(1)
، ونصره شيخ الإسلام ابن تيمية
(2)
وجماعة من المتأخرين.
3 -
قيل: المراد بذلك هو: الكافر، وليس المؤمن، كما ذهبت إليه عائشة رضي الله عنها.
وقيل غير ذلك.
وكل هذه التأويلات صحيحة.
والله أعلم.
(1)
قال القاضي عياض: «وقيل: معناه: إنه يتعذب بسماع بكاء أهله ويرق لهم. وقد جاء هذا مفسرًا في حديث قيلة حين بكت عند ذكرها موت أبيها، فزجرها النبي عليه السلام ثم قال: (إن أحدكم إذا بكى استعبر له صويحبه. فيا عباد الله لا تعذبوا إخوانكم). وإلى هذا نحا الطبري وغيره، وهو أولى ما يقال فيه؛ لتفسير النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ما أبهمه في غيره، ويندفع به الاعتراض بقوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام:164، والإسراء:15، وفاطر:18، والزمر:7]» . إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض (3/ 371 - 372).
والحديث الذي ذكره القاضي عياض في كلامه السابق جاء عن قيلة بنت مخرمة رضي الله عنها في حديث طويل، وفيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ أُحَيْدَكُمْ لَيَبْكِي فَيَسْتَعْبِرُ إِلَيْهِ صُوَيْحِبُهُ. فَيَا عِبَادَ اللَّهِ لا تُعَذِّبُوا إِخْوَانَكُمْ). الطبقات الكبرى لابن سعد (1/ 242)، والمعجم الكبير للطبراني (25/ 10). وأحاديث هذا الجزء في المعجم الكبير للطبراني غير مرقمة. وقال الهيثمي عن سند الطبراني:«رجاله ثقات» . مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي (6/ 12)، رقم (9796). وقال ابن حجر:«حسن الإسناد» . فتح الباري لابن حجر (3/ 155).
(2)
قال ابن تيمية: «وأما قول السائل: هل يؤذيه البكاء عليه؟ فهذه مسألة فيها نزاع بين السلف والخلف والعلماء، والصواب: أنه يتأذى بالبكاء عليه، كما نطقت به الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم» . مجموع الفتاوى لابن تيمية (24/ 369 - 370).