الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حكم التجنس بجنسية دولة غير إسلامية
المؤلف/ المشرف:
محمد بن عبدالله بن سبيل
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
بدون ̈الأولى
سنة الطبع:
1417هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
فقه - أحكام مسائل فقهية منوعة مفردة
الخاتمة
تقدم لنا ذكر الأدلة من القرآن والسنة وكلام العلماء وفتاواهم رحمهم الله حول موضوع المقام بين أظهر المشركين، ومحبتهم، ومودتهم، وموالاتهم، والركون والميل إليهم، والقعود معهم على مسمع من كفرهم بآيات الله والاستهزاء بها، وطاعتهم في بعض الأمر، والبقاء معهم مع القدرة على الهجرة إلى بلاد المسلمين، والتحاكم إليهم، والرضى بذلك، والاطمئنان لبعض أوامر الشريعة مما يوافق هواهم، وكراهيتهم لما لا يوافق هواهم، وعدم القيام به، ولحوقهم بالكفار بعدما عرفوا الإسلام ونشأوا بدار الإسلام، واتباعهم لما يسخط الله مما عليه أعداء الله، ووعدهم للكفار بأن يكونوا معهم ضد أعدائهم وأعداء بلادهم بدون استثناء، ومحبة الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والأموال والمكاسب التجارية والمساكن الملائمة لهم على محبة الله ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم كل ذلك تقدم مفصلا.
وبعد تأمل أقوال أئمة التفسير ومحققي العلماء على الآيات الكريمات في هذا الشأن، وما نقل عنهم مما يتعلق بهذا الموضوع كقول ابن جرير رحمه الله {فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ} أي فقد برئ من الله وبرئ منه بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر ".
وقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " من جمز إلى معسكر التتر، ولحق بهم، ارتد وحل دمه وماله ".
وتأمل حديث أبي بكرة في المسند في قصة بني قنطوراء: " وقوم أخذوا لأنفسهم - أي الأمان - وكفروا ".
وقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله على قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [التوبة: 23] بعد كلامه على تلك الآيتين: " فكيف بمن اتخذ الكفار الأباعد أولياء وأصحابا، وأظهر لهم الموافقة على دينهم خوفا على بعض هذه الأمور، وهي الأموال والمساكن ونحوها، ومحبة لها ومن العجب استحسانهم لذلك، واستحلالهم له، فجمعوا مع الردة استحلال الحرام ".
وقول الشيخ عبد الله أبا بطين رحمه الله: " دل القرآن والسنة على أن المسلم إذا حصلت منه موالاة أهل الشرك بالانقياد لهم ارتد بذلك عن دينه ".
وقول الإمام ابن جرير رحمه الله على قوله تعالى: {قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ} : " يوم نزلت هذه الآية كان من أسلم ولم يهاجر فهو كافر حتى يهاجر إلا المستضعفين ".
وما نقله ابن كثير رحمه الله على قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51]: عن ابن سيرين قال: قال عبد الله بن عتيق: ليتق أحدكم أن يكون يهوديا أو نصرانيا وهو لا يشعر، قال: فظنناه يريد هذه الآية ". وقصة بعض بني حنيفة حينما كانوا جالسين في المسجد بعد ما تابوا وهاجروا وسكنوا في الثغور للجهاد، لما قال أحدهم وهم في مسجدهم قد صلوا المغرب وينتظرون صلاة العشاء، قال شخص: إن مسيلمة على حق. أجمع الصحابة على كفرهم وردتهم، ولكن اختلفوا هل تقبل لهم توبة أو لا تقبل؟ فحكموا بردة كل من كان في المسجد، وليس المتكلم فحسب، بل الجميع لسكوتهم عن الباطل، وعدم إنكارهم.
وقول الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف والشيخ إبراهيم والشيخ ابن سحمان رحمهم الله بعد كلام طويل سبق إيراده: " وأما الدخول تحت حماية الكفار فهي ردة عن الإسلام ".
وقول السيد محمد رشيد رضا رحمه الله: " وجملة القول إن المسلم الذي يقبل الانتظام في سلك الجنسية يستبدل أحكامها بأحكام القرآن فهو ممن يتبدل الكفر بالإيمان. فلا يعامل معاملة المسلمين ".
وكذلك خلاصة فتوى لجنة الفتوى المصرية الذي وقع عنها رئيس اللجنة الشيخ على محفوظ وأمينها الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني، الحكم بردة من يقبل الجنسية الفرنسية.
وكذلك أفتى بذلك الشيخ يوسف الدجوي من كبار العلماء بالأزهر .. إلى غير ذلك مما تقدم تفصيله.
فإذا تأملت هذه الآيات وما دلت عليه، وكلام العلماء، وقارنت بينها وبين ما يفعله بعض الناس في هذه الأزمنة من طلب التجنس، الذي من لوازمه أن يصير المتجنس تابعا لقوانين وضعية نصوصها صريحة بالحكم بغير ما أنزل الله، وإباحة الزنا، وتعاطي الخمور، وارتكاب الفجور، وتحليل الربا، والاكتساب من طرق غير مشروعة، ومنع تعدد الزوجات، واعتبار ما زاد على الواحدة من قبيل الزنا المعاقب عليه، وإنكار نسب ما ولد له من زوجة أخرى حالة وجودها عنده، ولا حق له في نفقة ولا إرث، وفك العصمة من الزواج لا يتم إلا إذا كان لدى المحكمة الرسمية عندهم، وقسمة المواريث على طريقة مخالفة للفرائض الشرعية، وكون المتجنس مجبورا على الخدمة العسكرية في جيش الدولة التي انتمى إليها بهذه الجنسية، واستعداده للقتال في أي وقت الصلاة تقوم حرب على دولته، حتى ولو كان على دولة مسلمة.
يتضح من ذلك أن من يطلب الجنسية أو الرعوة كما يعبر عنها البعض من دولة كافرة ميلا إليهم، ومحبة في القرب منهم، والانضمام إليهم، والدخول في سلكهم، والرضا بسيطرتهم عليه، وعلى ذريته، فإنه داخل تحت قوله تعالى:{لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة: 22] وقوله: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51]{وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا} [النساء: 115] إلى غير ذلك من الآيات في هذا المعنى.
ولكن نظرا إلى اختلاف أحوال المتجنسين بجنسية دولة كافرة فقد رأيت أن أقسمهم إلى ثلاثة أقسام، حسب ما فهمته من تتبع الأحوال، واستقراء لواقع الناس اليوم، وأنه ينبغي التفصيل في الحكم بالردة أو عدمها:
القسم الأول: إذا أخذ الجنسية من يرغب بلاد الكفار، ويحبهم، ويحب البقاء بينهم، ويرى أن معاملتهم والانتماء إليهم أفضل من المسلمين، وأنه راض بإجراء أحكامهم عليه من الحكم بغير ما أنزل الله في الأحكام والنكاح والطلاق والميراث، فهذا لا شك في كفره، وهو مرتد عن دين الإسلام، ردة صريحة، حتى ولو قال: إنه مسلم، ولو شهد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وصلى وعمل ببعض شرائع الإسلام، لأن الله يقول:{وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} ويقول: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَاّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إلى أَشَدِّ الْعَذَابِ} [البقرة: 85]، وقوله صلى الله عليه وسلم:((المرء مع من أحب)).
القسم الثاني: راض بالانتماء إليهم لمصالحه الدنيوية ومعاملاتهم التجارية، فأخذ الجنسية منهم ليتم مقصوده من حصول الدنيا والتسهيلات التي تحصل للمنتمين إليهم، وهو مؤد لشرائع الإسلام، مظهر لدينه، ولا يترافع إليهم باختياره، فإذا صدر منهم الحكم له بما لا يخالف الشريعة قبله. وإن صدر بما يخالف الشريعة رفضه. فأرى أن مثل هذا على خطر عظيم من تناول بعض الآيات، حيث آثر دنياه على آخرته، وقد ارتكب منكرا عظيما، فهو على خطر من الردة عن دين الإسلام، لركونه إليهم، وبقائه بين أظهرهم، لكن لا أجزم بالحكم عليه بالردة، فأتوقف في ذلك، ولكنه بأخذه الجنسية أظهر الميل والمحبة لهم، وعرض نفسه للدخول تحت قوله تعالى:{قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ} [التوبة: 24]، وقوله تعالى {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة: 22].
القسم الثالث: من بلي بهم في بلاده وهو كاره لهم، ومبغض لدينهم، وحكموه بغير رضاه، وأرغموه على التجنس، أو مغادرة بلاده، وأهله وأولاده، فقبلها للبقاء في بلاده على ماله وأهله وولده، ومع ذلك مقيم لشرائع الدين، مظهر لدينه، معلنا العداء لهم، مصارحا لهم بكفرهم، وأنهم على باطل، وأن دينه هو الحق، فمثل هذا لا شك أنه على خطر في بقائه، عاص، وآثم بقبوله الجنسية، بمقدار ما ألزم نفسه فيها، لكن لا نحكم عليه بالكفر ما دام أنه عمل ما في وسعه من عدم اتباعهم وموافقتهم على باطلهم ومن إظهار دينه، ولكن بقاؤه بين أظهر الكفار فيه خطر عليه، وعلى أولاده، ومن تحت يده.
أما البقاء بين أظهر الكفار بدون أخذ للجنسية أو طلب لها فهذا قد فصله العلماء رحمهم الله في كتبهم قديما وحديثا.
وخلاصته أن من استطاع أن يظهر دينه بأن يعمل الواجبات الشرعية بدون تحفظ من أحد مع إعلانه لمن هو بين أظهرهم أن دين الإسلام هو الدين الصحيح، وهو دين الحق، وما سواه من الأديان فهو باطل، ولابد من التصريح لهم بأن ما هم عليه من الدين ليس بصحيح، وأنه يجب عليهم اعتناق دين الإسلام، والإيمان بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والعمل بشرائع الإسلام، فإذا فعل هذا، فإنه يجوز في حقه البقاء عندهم، وإذا لم يستطع فإنه يجب عليه الهجرة إلى بلاد الإسلام، ولا يجوز له البقاء بينهم، وهو لا يستطيع إظهار دينه.
هذا وأسأل الله العفو عن زلة قلم، أو نبو فهم، كما أبتهل إلى الله جل شأنه أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه.