الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
توضيح الرؤية القاصرة - زكاة الأثمان على النقدين بالعلة القاصرة
المؤلف/ المشرف:
عبدالله بن عمر الشنقيطي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار البخاري - بريدة ̈الأولى
سنة الطبع:
1414هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
زكاة - النقدين
خاتمة: اللهم اختم لنا وللمسلمين بخير. الحمد لله رب العالمين أولا وأخيراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له كان ولا يزال لطيفا خبيراً. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله أرسله الله تعالى إلى الناس كافة بشيرا ونذيرا وداعيا إليه بإذنه وسراجا منيرا.
أما بعد:- فقد منَّ الله تعالى علي بنعم لا تحصى فله الحمد وحده كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، ومن هذه النعم الكثيرة عونه لي على أن أتممت هذا البحث – بحث العلة القاهرة – ولإن كنت في القلم والعمل ذا همة فاترة، فقد حصلت من هذا البحث بنتائج وافرة، أسأل الله تعالى أن يجعل وجهي يوم القيامة من وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة.
فمن هذه النتائج: النتيجة الأولى: أن القياس، لا مانع من كونه مشتركا بين التقدير – أي تقدير المجهول بالمعلوم – والمساواة أي مساواة شيء بآخر يماثله، فالتقدير آيل إلى المساواة.
النتيجة الثانية: أن تعاريف القياس – اصطلاحاً – دائرة حول أن حكم معلوم قدر به حكم مجهول فظن أنه يساويه، لما بينهما من أوجه الشبه والتضاهي في نظر المجتهد.
النتيجة الثالثة: أن معنى القياس واضح ولا يحتاج الأمر فيه إلى كثير مما أطال به بعضهم ذيل مسألة تعريفه، ناهيك عمن استبعد حده بحد معين وقد قيل: توضيح الواضح يزيده إشكالا.
النتيجة الرابعة: أن أدلة إثبات القياس واضحة بينة الدلالة على ثبوته كمصدر شرعي، لأن الحوادث غير متناهية ولا بد لها من أن تضع لحكم الله تعالى، والنصوص لم ترد دالة على كل حادث بعينه، فلابد من قياس ما جد على ما علم حكمه من مصادر الشرع قبله حتى لا تند شاردة ولا واردة عن حكم الله تعالى العزيز الحكيم.
النتيجة الخامسة: أن كل ما ذكره نفاه القياس – رحمني الله وإياهم – من الأدلة على نفي القياس، إنما ينصب على القياس الفاسد الذي اختل فيه أحد شروط القياس الصحيح، أما القياس الصحيح، فقد كان معمولا به قبل وجود المعارض، فلا يلتفت إلى قوله فيما أقرته الأمة قبله.
النتيجة السادسة: أن أركان القياس أربعة: الأصل والحكم والعلة والفرع. النتيجة السابعة: أن الخلاف في هل الأصل هو الدليل أو المحل الذي ثبت فيه الحكم؟ خلاف لفظي، وذلك لتلازم الدليل أو المحل الذي ثبت فيه الحكم، من حيث إفادة الحكم المطلوب إلحاق الفرع بالأصل فيه.
النتيجة الثامنة: أن الخلاف لفظي أيضا في هل الفرع في الحكم الذي سيعطي للمحل المقيس، أهو نفس المحل المقيس، لفظي بنفس الصورة التي سبق التنويه عنها في هل الأصل هو الدليل، أو حكمه، فلا مشاحة في الاصطلاح. أما النتيجة فواحدة وهي معرفة حكم الله تعالى في المحل المتجدد.
النتيجة التاسعة: أن تعريف العلة دائر على اختلاف عبارات على – أنها هي المعني الذي كان سببا في الحكم في الأصل ومراعى فيه، بحيث إذا وجد في الفرع أعطي نفس الحكم.
النتيجة العاشرة: أن العلة هي قطب رحى القياس الذي يدور عليه. حتى إن بعضهم عبر بالقياس عن العلة ولذلك بذل العلماء رحمني الله وإياهم في تحديدها بالتعريف والشروط ما لم يبذلوا في غيرها من أركان القياس.
النتيجة الحادية عشر: لا يبدو مانع من التعليل بالحكمة إذا أمكن ضبطها وتحديها، فإن لم يمكن ذلك بحث للتعليل عن وصف مناسب منضبط يناط الحكم به، وكذلك الشأن في الوصف العدمي، إن أمكن ضبطه، فلا أرى مانعا – أسأل الله تعالى رحمته – من إناطة الحكم به، فإن لن ينضبط فليس بمناط للحكم.
النتيجة الثانية عشرة: لا يظهر لي مانع – أسأل الله تعالى عفوه – من تعدد علل تنتج كل منها نفس المعلول، على معلل واحد كاجتماع ترك الصلاة، والقتل العمد والعدوان، على شخص واحد فإن كلا من العلتين تنتج القتل لصاحبها – عياذا بالله تعالى من كل سوء - ويبقى النزاع بعد ذلك في هل قتل بهذه العلة أو بتلك أو بهما معا، نزاعا لفظيا لا طائل وراءه.
النتيجة الثالثة عشرة: أن مجال القياس هو ما لا نص فيه من كتاب أو سنة، ولا إجماع يدل على حكم الله تعالى فيه.
النتيجة الرابعة عشرة: أن كثيرا من الأصوليين يستشهد عند الخلاف في التعليل بالعلة القاهرة ما إذا كانت مستنبطة، أما إذا كانت منصوصة فقد نقل الاتفاق على جواز التعليل بها، وليس كذلك فقد نقل السبكي الخلاف في التعليل بها حتى وإن كانت منصوصة.
النتيجة الخامسة عشرة: أن عمدة حجة من لا يرى التعليل بالعلة القاصرة هو أنه لا فائدة فيها، من حيث تعدية الحكم إلى فرع آخر، ثم هي ليست كاشفة عن شيء من حيث كون معرفة الحكم في محلها ثابتة بالنص ونحوه، وليست بمظهرة حكما في غير محلها.
النتيجة السادسة عشرة: أن في العلة القاصرة فوائد عدة عند من يرى التعليل بها، منها:
- معرفة كونها باعثة على الحكم بما اشتملت عليه من المناسبة، فتكون النفس له أكثر قبولا، والصدر إليه أكثر انشراحا – شرح الله صدورنا للإسلام -.
- إذا نازعت العلة القاهرة في محل الحكم، علة متعدية، لم يعمل بالمتعدية حتى يظهر رجحان العمل بها على العلة القاصرة.
- أنه يمتنع تعدية الحكم من محل العلة القاصرة إلى فرع آخر إذا عرف قصور العلة على ذلك المحل.
النتيجة السابعة عشرة: أن من أوضح الفوائد من التعليل بالعلة القاصرة، هو معرفة مناسبة الحكم للمعنى الظاهر من وصف منضبط في أصل محل الحكم، فإذا عرف ذلك فقد يلوح في مستقبل الأيام وجود ذلك المعنى في محل آخر جديد، فيكون سببا في تعديه حكم الأصل عليه، وقد نبه إلى هذا المعنى أبو إسحاق الشيرازي – رحمني الله وإياه -. وأوضح مثال له الآن هو قصور الثمنية على النقدين –الذهب والفضة – ردحا من الزمان، ثم وجود نفس المعنى – وإن كان بشكل أقل – في أنواع النقود الأخرى من ورق ونحاس وغيرها من المعادن فيتعدى حكم النقدين إليها.
النتيجة الثامنة عشرة: يبدو أن الرأي القائل بكون العلة القاصرة صحيحة، هو الراجح لسعادته بالدليل أكثر ممن يقول بعدم فائدة فيها، وذلك لما تقدم ذكره من فوائد للتعليل بها، وبه يظهر أن الخلاف فيها قد يكون معنويا، بيد أن بعضهم – رحمني الله وإياهم – يرى أن الخلاف في التعليل بالعلة الواقفة لفظي، من حيث إن من لا يرى التعليل بها لا يرى علة إلا ما كان متعديا، ولا ينكر ظهور المعنى بالقاهرة، وإن لم يسمها علة، ومن يرى التعليل بها لا يدعي أنها تتعدى إلى فرع بحكم فيه بحكم محلها، فعاد الخلاف لفظيا. ولا يظهر له معنى إلا إن جد جديد يظهر فيه نفس المعنى الذي من أجله شرع الحكم في الأصل، فتتحول العلة فيه من كونها قاصرة إلى كونها متعدية. والله تعالى أعلم.
النتيجة التاسعة عشر: أن التعليل بالعلة القاصرة له عدة صور، فقد يكون بوصف الحال الخاص به الحكم، وقد يكون بجزء المحل، وقد تكون المحل نفسه.
النتيجة العشرون: قد تتعارض العلة القاصرة والعلة المتعدية في المحل الواحد، في ذهن المجتهد، وقد اختلف في العلم عندئذ على أيهما يكون، والراجح أن يكون العمل بما ترجح في ذهن المجتهد منهما أنه الأحق بالتقديم، شأنهما في ذلك شأن العمل بالراجح من الأدلة عند التعارض إذا لم يمكن الجمع بينهما.
النتيجة الواحدة والعشرون: أن النقدين اسم يطلق على الذهب والفضة، من حيث إن اسمهما مشتق من النقد وهو الفحص والتمحيص ليظهر حقيقة المنظور، أو من النقد بمعنى الدفع الحاضر – أسأل الله تعالى النظر إلى وجهه الكريم -.
النتيجة الثانية والعشرون: أن اسم النقد يطلق على كل ما فيه خاصية الذهب والفضة من حيث إنهما وسط لتبادل المال، ومقياس للقيم، ومستودع للثروة، فما كان بهذه المثابة من ورق، أو معدن، فهو داخل في مسمى النقد، فلم تعد النقدية خاصة بالذهب والفضة وإن استقلا بخاصتها أزمانا متطاولة في الماضي، أسأل الله تعالى أن يختصنا برحمته إنه ذو الفضل العظيم.
النتيجة الثالثة والعشرون: أن الثمنية ليست علة قاصرة على النقدين لا قديما ولا حديثا، فقد تقايض الناس السلع قديما وحديثا، واعتبروا أنواع النقود حديثا ذات قيمة ثمنية عالية بها أصبحت تلك النقود مستودعا للثروة، ومقياسا لقيمة الأشياء، وبكثرتها وقلتها عند الأشخاص يتميز الفقراء من الأغنياء.
النتيجة الرابعة والعشرون: أن الخلاف في مسألة زكاة الأثمان من غير النقدين، خلاف طارئ شأنه في ذلك شأن الخلاف في جريان الربا فيها، فمسائل الخلاف فيها كلها طارئة بطروئها، ومبنى رأي كل فيما ذهب إليه من وجوب الزكاة وعدمه ونحو ذلك هو التخريج على قواعد المذهب الذي ينتمي إليه كل من المختلفين – رحمني الله وإياهم -. النتيجة الخامسة والعشرون: أن من العلماء المعاصرين من لا يرى الزكاة واجبة أصلا في النقود ما لم تكن ذهبا أو فضة. ومنهم من يفصل فلا يرى فيها الزكاة ما لم تقبض قيمتها، وقيمتها عنده ما هي مغطاة به من ذهب مخزون في خزانة مصدر النقد، ولازم هذا أنه لا زكاة فيها ما لم يكن لها غطاء من ذهب أو فضة.
النتيجة السادسة والعشرون: أن عمدة حجج من لا يرون من العلماء – رحمني الله وإياهم – وجوب الزكاة من أثمان غير النقدين دائرة حول قصور الثمنية على النقدين وحرمة مال المسلم بغير حق شرعي، ولم يوجب ربنا تعالى على المسلم في ثمن زكاة إلا في النقدين.
النتيجة السابعة والعشرون: أن الاحتجاج بقصور الثمنية على النقدين في عدم إيجاب الزكاة في الأثمان من نقود الورق وما يشبهها ساقط، لأن النقود الورقية مال مشاهد الانتفاع به في جميع مجالات الانتفاع من الأموال، فشابه النقدين من هذه الحيثية، فكيف يعطل عنه حكم النقدين وقد اشترك معهما في الثمنية؟
النتيجة الثامنة والعشرون: أن كون الثمنية هي علة تحريم الربا في النقدين غير مسلمة، بل خالف فيها بعض العلماء – رحمني الله وإياهم – ولو سلمت جدلا، فإنها لا تمنع الربوي من وجوب الزكاة فيه بشروطها. النتيجة التاسعة والعشرون: أن كون نصاب الزكاة من النقود من غير الذهب والفضة لا يقدر إلا بالذهب أو الفضة وكذلك المستحق في الزكاة، لا يمنع من وجوب الزكاة في تلك النقود، فلا يبعد أن يصل مال زكوي نصاب الزكاة مقدرا بمال زكوي آخر، كالحاصل في عروض التجارة، حيث يقدر نصابها بالنقدين. كما لا يبعد أن يخرج جنس زكوي، عن جنس آخر كذلك، كإخراج الغنم عن نصاب الإبل من بلوغه خمسا، حتى يصل عشرين. وكدفع صاحب الإبل سنا أكبر مما هو مطالب به لجابي الزكاة، ويرد إليه شاتين أو عشرين درهما، وبالعكس.
النتيجة الثلاثون: أن نظر بعض الفقهاء المعاصرين بدأ يتجه إلى تحديد نصاب للأثمان مقدرا بقيمة نصاب من الإبل أو الغنم، أو نحو ذلك مما يرتبط بالواقع المعاش للأغنياء والفقراء، فيراعي فيه حق الفريقين على السواء، وذلك بعد ملاحظة تأثر النقدين برياح التغيرات الاقتصادية هبوطا ونزولا، الأمر الذي قد يجحف فيه – ربط نصاب الأثمان بالنقدين – بالفقير تارة، وبالغني أخرى.
أسأل الله تعالى ربي رحمته ومغفرته وعفوه في الآخرة والأولى. سبحانك الله وبحمدك، أشهد إن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.