الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القمار حقيقته وأحكامه
المؤلف/ المشرف:
سليمان بن أحمد الملحم
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
كنوز إشبيليا – الرياض ̈الأولى
سنة الطبع:
1429هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
فقه - أحكام مسائل فقهية منوعة مفردة
الخاتمة:
في نهاية هذا البحث العلمي أرى ألا يطوي القارئ صفحاته حتى يقف على خلاصة موجزة تجمع أطرافه، وتلم شتاته، وتذكر بكبار المسائله، وتبرز أهم نتائجه.
وذلك في الآتي:
1 -
يطلق لفظ الميسر في اللغة: على قمار أهل الجاهلية، وعلى القمار كله، وعلى الجزور التي يتقامرون عليها، وعلى السهام التي تقتسم بها، وعلى النرد.
2 -
قيل هو مشتق من قولهم: يسر فلان الشيء: إذا جزأه، وقيل: مشتق من اليسر؛ لأن فيه تحصيلاً للمال بيسر وسهولة، وقيل: مشتق من اليسار، وقيل: من قولهم: يسر لي هذا الأمر: إذا وجب.
3 -
الوقوف على مذاهب الجاهليين في الميسر ليس بالأمر السهل إذ هو أمر قد قطعه الإسلام، فلم يبق فعله على الوجه الذي كان يفعله أهل الجاهلية موجوداً.
4 -
كان أصل الميسر في الجاهلية في المقامرة بالقداح لاقتسام الجزور، وربما قامروا على غير الإبل من الأموال، بل ربما بلغ الأمر بهم إلى أن يخاطر المرء على نفسه وأهله وولده حتى يصير رقيقاً لمن قمره.
5 -
كان الميسر شائعاً في الجاهلية، وكانوا يفتخرون بذلك وينتقصون من لم يشاركهم فيه من أهل اليسار والغنى، وكان الشتاء هو وقت الميسر غالباً عند اشتداد البرد وتعذر الأقوات وشدة الحاجة، وكانوا يجعلون ما يفوزون به في الغالب لذوي الحاجة منهم والمسكنة.
6 -
اختلف الواصفون لميسر العرب في تقرير بعض مسائله، والذي يدل عليه النظر الاستقرائي في هذا الموضوع أمران:
أ- لا يبعد أن يقال بأن للعرب أكثر من طريقة في الميسر فوصف كل واحد من أهل العلم ما بلغه، وذلك أن الميسر متوغل في القدم ومنتشر في الأمم، فلا يبعد وقوع الاختلاف في بعض جزئياته من قوم إلى قوم، ومن بلد إلى آخر.
ب- أن كل ما نقل في وصف ميسر العرب يدور على معنى المراهنة التي يكون كل داخل فيها عند بدء الميسر عرضة لأن يخرج منها غانماً أو غارماً، وقد أوضحت هذا في موضعه من البحث وبينت وجه المقامرة فيما نقل من صفات ميسر العرب.
7 -
القمار في اللغة: الرهان، والمقامرة والتقامر بمعناه: أي المراهنة والتراهن.
8 -
قيل: هو من القمر تشبيها لمال المقامر بالقمر من حيث الزيادة والنقصان، وقيل: من قولهم: تقمر فلان فلاناً: إذا خدعه وطلب غرته، وقيل: من قوله: قمر الرجل: إذا حار بصره.
9 -
القمار المحرم في الشريعة هو: كل مراهنة يعلق تمييز مستحق الغنم والملزم بالغرم من جميع المشاركين فيها على أمر تخفى عاقبته فهو تحكيم للغرر في تمييز الغارم من مستحق الظفر.
10 -
مناط الحكم في القمار ومتعلق التحريم فيه المخاطرة التي يعلق خروج كل داخل فيها غانماً أو غارماً على أمر تخفى عاقبته.
11 -
تردد المقامر بين الغنم والغرم باعتبار حاله عند الدخول في المقامرة، واحتمال سلامته في المآل لا ينفي معنى القمار.
12 -
المخاطرة الموجودة في القمار مخاطرة من نوع خاص يكون كل داخل فيها عند بدء المقامرة على احتمال أن يخرج منها غانماً أو غارماً، فكل مقامر يخاطر بشيء من ماله رجاء غنمه من مال غيره فهو على احتمال أن يغرم ما خاطر به، أو أن يغنم ما خاطر من أجله، وهي مخاطرة مقطوع بها ابتداء، وهي مخاطرة يلتزم كل داخل فيها بالخطر وهو المال الذي يوضع في السباق أو الرهان، فمن غلب أو صدق قوله أخذه، وهي مخاطرة يأخذ الغانم فيها المال بدون مقابل إذ لم يعمل لصاحبه عملاً حتى ينتفع به ولم يبذل له مالاً حتى يستحق عليه العوض ولم يجن جناية حتى يغرم ما وقع بسببها وهي مخاطرة يعلق انتقال الأملاك فيها على أمر لم يجعله الشارع سبباً لذلك.
13 -
القمار باعتبار ما يقع فيها نوعان:
نوع منه في المغالبات.
نوع منه في المعاملات.
وبهذا يعلم بأنه وإن غلب وقوعه في المغالبات والألعاب إلا أنه غير محصور فيها.
14 -
التعليق على الأمور المستقبلية الاحتمالية ركن أساسي في القمار، فلا يتصور القمار في أمور منجزة لا تعليق فيها، ولا في تعليق على أمر محقق.
15 -
توسع بعض العلماء في معنى القمار حتى أدخلوا فيه كل تعليق للتمليك أو الاستحقاق على الأخطار، فأنتج ذلك توسيع دائرة القمار وإدخال أمور ليست منه فيه.
16 -
ثمة ألفاظ تطلق على الفعل الذي هو قمار ومنها: الميسر والقمار والرهان والمراهنة والمخاطرة والمخالعة والمناحبة والمغالقة والمجر.
17 -
اتفقت كلمة العلماء من الصحابة فمن بعدهم على أن القمار كله بأي شيء كان داخل في الميسر ومشمول بحكمه في الشريعة.
18 -
يفهم من كلام بعض السلف أن القمار مرادف للميسر، وصرح جماعة منهم بعدم اختصاص الميسر بما هو قمار، فجعله شاملاً للقمار ولكل لهو صد عن ذكر الله وعن الصلاة وأوقع في العداوة والبغضاء، وهو بهذا الاعتبار أعم من القمار، أما الميسر الجاهلي فهو أخص من القمار في الشريعة إذ هو قمار في شيء خاص فهو ضرب القداح على أجزاء الجزور قماراً.
19 -
يطلق لفظ الرهان والمراهنة عند أهل اللغة وفي استعمال الشرع وحملة الشريعة على المسابقة على الخيل وغيرها مجاناً، وعلى مال، على أي وجه بذل، وعلى كل مخاطرة يلتزم كل مشارك فيها بمال لمن غلبه، وهذا الأخير هو المطابق للقمار.
20 -
الاستقسام بالأزلام على الراجح: طلب معرفة الخير والشر بواسطة الأزلام، فهو غير الميسر وإن كان شبيها به من حيث التحاكم إلى ما تخفى عاقبته في تمييز الأمور.
21 -
ما يترتب عليه إبطال حق صاحب الحق وجعله لمن لا حق له بمجرد القرعة فهو قمار، وأما تعيين المستحق غير المعين، أو تعيين الحق المبهم أو المشتبه مع تعذر الحجج بالقرعة فليس من القمار في شيء، إذ لا يستلزم إبطال حق ثابت وإثبات أحقية غير مالكه فيه.
22 -
القمار من المحرمات المقطوع بحرمتها في الشريعة، وأكل المال به أكل له بالباطل، وإذا عدت المحرمات الظاهرة في الشريعة فهو معدود منها، ولهذا اجتمعت كلمة أهل العلم على تحريمه وتواترت حكاية الإجماع في كتبهم.
23 -
تترتب على القمار مفاسد عظيمة، فهو يوقع العداوة والبغضاء، ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة، ويفضي إلى تعطيل ما يعود على الأمة بالنفع من الصناعات والتجارات والزراعات، ويعود النفوس على الكسل والبطالة والتعلق بالأوهام، والاسترسال مع الأماني، ويفضي إلى خراب البيوت العامرة، والعصف بالأسر الآمنة، وتضيع بسببه الثروات في لحظات، ويربي في النفوس الحسد والأثرة، ويزرع فيها الأحقاد والضغائن، ويعودها على المخادعة والتدليس، ويؤدي إلى إضاعة الأوقات وإفناء الأعمار بلهو ضرره أكثر من نفعه، ويؤدي إلى أن يكون المال دولة بين طائفة من الناس، ويؤثر على صحة القلب والعقل والبدن، ناهيك عما يصاحبه من القول الفاحش والكلام البذيء والاتهامات المتبادلة.
24 -
جاء التشريع الإسلامي متدرجاً في مخاطبة الأمة بشأن الخمر والميسر، فمهد أولاً ببيان اشتمالهما على الإثم الكبير، وأنه غالب على النفع الموجود فيهما، فكشف لهم الحال على حقيقتها ولم يحتم عليها في طلب الترك، ففهم قوم طلب الكف فكفوا وغلب آخرون جانب الرخصة فترخصوا، بقي الأمر محتملاً عند آخرين فطلبوا زيادة البيان، ثم فطموا عن شرب الخمر وقتاً طويلاً من ساعات الليل والنهار، ثم جاء التحريم القطعي الذي لا مساغ للتأويل فيه.
25 -
لا أعلم في الشريعة عقوبة مقدرة في حق المقامر إلا أن تعريف العلماء للتعزير وبيانهم لما يشرع فيه من المعاصي يدل دلالة واضحة، على أن القمار داخل في الذنوب التي يستحق فاعلها التعزير، وإن لم يكن متعيناً في حق كل مقامر، بل ينظر في إيقاعه وتقديره على ما كان محققاً للمقاصد الشرعية وتقدر كل حالة بحسبها.
وإذا كان القمار بآلة محرمة فرأى ولي الأمر أو نائبه إفسادها على صاحبها بتغيير هيئتها أو إتلافها أو مصادرتها كان له ذلك.
26 -
من طلب من غيره أن يقامره فهو مأمور بالصدقة بما تيسر مما يطلق عليه اسم الصدقة، وظاهر الأمر الوجوب حيث لم يثبت ما يصرفه عن مقتضاه.
27 -
إذا اكتسب شخص مالاً بطريق القمار فإن علم صاحبه رده إليه، فإن تعذر فإلى وكيله، وإن كان ميتاً فإلى ورثته، فإن لم يكن ورثة قضى به ديناً عنه إن علم بذلك، وأما إذا جهل صاحب المال فإن غلب على ظنه العلم به حبس المال عنده وبحث عنه كما يفعل في اللقطة، وإن غلب على ظنه عدم العلم به تخلص منه بالصدقة به عن صاحبه أو بتسليمه إلى بيت المال ليصرف في مصالح المسلمين أي الأمرين كانت المصلحة فيه أرجح.
28 -
المناضلة بالسهام والمسابقة على الخيل والإبل تأتي في المرتبة الأولى مما جاء في السنة من المغالبات المرغب فيها، وذلك لأنها عدة الجهاد عند القوم فكان إجراء السبق فيها إعداداً للقوة وتأهباً للعدو وترويضاً للنفوس على أمور الجهاد، وتدريباً لها على استخدام آلاته، وتمريناً للمركوبات المستخدمة فيه؛ لتسهل الاستفادة منها عند الاحتياج إليها، ولو لم يكن في ذلك إلا أن تكون نفوس أهل الإسلام متعلقة بأمور الجهاد متهيئة له مشغولة عند فراغها بوسائله لكان ذلك كافياً.
ويلحق بها ما هو من آلات الجهاد في كل عصر بحسبه.
وكما ثبت هذا في وسائل الجهاد الحسية فهو كذلك في الوسائل المعنوية التي ينتصر فيها للحق وترفع رايته وتعلن حججه وبراهينه، فإن قيام الدين بالسيف والسنان وبالحجة والبرهان.
29 -
كل لهو ألهى عن واجب أو اشتمل على محرم أو غلب على الظن إفضاؤه إلى شيء من ذلك فهو حرام.
وتبني على ذلك فروع كثيرة.
منها: أنه يحرم كل لهو أفضى إلى تضييع الصلوات، أو ترك الجمع والجماعات، أو التفريط في حق من يعول من الأهل والولد والقرابات.
ومنها: حرمة كل لهو اشتمل على القمار.
ومنها: حرمة اللعب بالألعاب المشتملة على التماثيل والصور المحرمة.
ومنها: حرمة الألعاب التي يصاحبها فحش من القول أو الفعل أو كثرة للخصومة والجدال.
ومنها: حرمة الألعاب الخطرة من غير الحاذق بها.
ومنها: تحريم المغالبات التي يترتب عليها إيذاء المعصومين من الآدميين والإضرار بهم، كالملاكمة والمصارعة الحرة التي تقوم على أساس استباحة إيذاء كل من المتغالبين للآخر إيذاء بالغاً، وكمصارعة الثيران وما أشبه ذلك.
ومنها: تحريم ما يترتب عليه إيذاء البهائم والتحريش بينها.
30 -
اتفق العلماء على تحريم اللعب بالنرد والشطرنج إذا كان ذلك على مال أو غلب على الظن إفضاؤهما إلى محرم أو تفويتهما لواجب، ونقل جماعة الاتفاق على تحريم اللعب بالنرد ولو بغير مال، وهو الصحيح قطعاً لصحة الأدلة على ذلك وتصريحها بحرمة اللعب نفسه وتقليب الكعاب من غير ذكر للعوض.
وأما اللعب بالشطرنج على غير مال فالقول بمنعه قوي وظاهر؛ لأن جماعة من الصحابة أطلق عليه اسم الميسر، ولأن المفاسد الموجودة في النرد المنصوص على تحريمه موجودة في الشطرنج بل أكثر، ولأن الفوائد المذكورة موهومة لا حقيقية، ولو افترض وجود شيء منها فإنه معارض بمفاسد راجحة.
31 -
القول بأن ما كان من الألعاب معتمداً على الحزر والتخمين حرام، وما كان معتمداً على الفكر والحساب حلال ليس بصحيح لفساد الأصل المبني عليه، ولما فيه من إهمال سائر المؤثرات الشرعية في كل لعبة بحسبها.
32 -
لا يكفي في الحكم على المغالبة النظر إلى جنسها فقط، بل ينظر مع ذلك إلى القصد الباعث عليها ومآلها ووقتها وما اشتملت عليه ونحو ذلك من المؤثرات، وعليه فلربما كان جنس المغالبة مشروعاً أو مباحاً فتقع مع القصد الفاسد فتكون ممنوعة كالمسابقة على الخيل بقصد المباهاة والمفاخرة والرياء ومناوأة أهل الإسلام.
ولربما كانت المغالبة مباحة فتقع مع النية الصالحة ويترتب عليها مآل مشروع فتكون محمودة.
33 -
لقلة اللهو وكثرته أثر في الحكم فيرخص في بعض اللعب إذ كان يسيراً ما لا يرخص فيه مع المداومة والإدمان.
34 -
يرخص للصغار في اللعب ما لا يرخص لغيرهم؛ لأن أوقاتهم غير مشغولة بالتكاليف الشرعية كما هو الشأن في حق المكلفين، ولأن اللهو مناف للجد فيستساغ منهم ما لا يستساغ من غيرهم، ولأن احتياجهم إليه أشد ورغبتهم فيه أكبر.
35 -
يجوز بذل المال في المسابقة على الخيل والإبل والمناضلة بالسهام، وحكى جماعة من العلماء الإجماع عليه.
36 -
الذي يظهر – والله أعلم – جواز بذل السبق فيما كان في معنى هذه الثلاثة وتحقق به مقصودها مما ينفع في الحرب ويحدث النكاية في العدو وهو ما كان عدة للقتال غالباً، وذلك لأن الأحكام الشرعية تدور مع علتها وجوداً وعدماً فينبغي أن تناط الأحكام بها لا بالألفاظ المجردة، ولأن عدة القتال تختلف من عصر إلى عصر وإذا لم نقل بجواز بذل السبق في المغالبات بآلات الجهاد المستحدثة بعد عصر النبوة أهملنا المعنى الذي قصد الشارع إلى تحقيقه.
ويلحق بهذا فيما يترجح المسابقة في القرآن والعلوم النافعة التي بها إظهار للحق وإعلاء لكلمة الله في الأرض مع ملاحظة عدم التوسع في الإلحاق وألا يترتب على بذل السبق في ذلك مفسدة تفوق المصلحة المتوقعة أو تساويها.
37 -
لا يجوز بذل السبق في مغالبة تعظم مفسدتها على مصلحتها، ويشمل ذلك كل مغالبة محرمة أو مكروهة، وهذا إجماع.
38 -
ما كان جنسه مباحاً ولم يكن في أصل وضعه من عدة القتال، ووقع مجرداً عن نية حسنة يصير بها طاعة فلا إشكال في منع بذل السبق فيه، وإن وقع مع النية الصالحة فهو محل نظر، والأقوى منع بذل السبق فيه؛ للحديث، ومراعاة لأسباب التخصيص وحكم المنع.
39 -
إذا أخرج السبق الإمام أو غيره من آحاد الناس ممن لم يشارك في السبق لا بنفسه ولا بمركوبه فهو جائز عند العلماء كافة، وقد حكى الإجماع عليه كثيرون، ومثله إذا بذله أحد المتسابقين دون الآخر.
40 -
تبين بعد طول بحث ومناقشة رجحان مذهب جمهور العلماء في منع إخراج المال من جميع المتسابقين على أن من سبق أخذه، وقد حكى اتفاق العلماء على ذلك كثيرون.
41 -
إذا عرضت لطالب العلم مغالبة فلينظر أولاً في جنس المغالبة وحكمها بذاتها، فإن كانت ممنوعة أو مكروهة فإن بذل المال فيها لا يزيدها إلا شرّاً، وإن كانت غير ممنوعة فلينظر هل هي داخلة فيما أجاز الشارع فيه بذل السبق أو لا؟
فإن كانت مما لا يجوز فيه بذل السبق استبعد إخراجه فيها على أي وجه كان، وإن كانت مما يجوز فيه بذل السبق نظر في كيفية بذله ومن المخرج له، وأجرى عليه الأحكام المذكورة قريباً.
42 -
يرد القمار في المعاملات المالية بسبب المخاطرة على ما زاد أو نقص في أحد العوضين عن القيمة العادلة لما يقابله، وهو مقدار لا بدل يقابله في العوض الآخر، فأخذه بطريق المراهنة ظلم محض يخل بميزان العدل في المعاوضات.
43 -
القمار وثيق الصلة بالغرر لما في كل واحد منهما من المخاطرة والإقدام على أمر تخفى عاقبته ويجهل المرء مآل حاله فيه، ولما يحصل بسببهما من العداوة والبغضاء والخصومة والجدال، إلا أن القمار أخص من الغرر؛ لأن من شرطه أن يكون كل داخل فيه على احتمال أن يخرج منه غانماً أو غارماً، وليس هذا الأمر مطرداً في الغرر.
ثم إن معنى القمار في المغالبات أوضح من معنى الغرر غالباً، كما أن معنى الغرر في العقود أوضح من معنى القمار غالباً.
44 -
ذكر جماعة من العلماء جملة غير قليلة من العقود يدخلها القمار، وقد تبين من خلال البحث أن معنى القمار في بعضها أوضح منه في بعضها الآخر، كما تبين أنه لم يكن مرادهم بهذا القول أن يكون العقد مطابقاً للقمار من كل وجه؛ بل اعتبروا اتحاد العلة ومناط الحكم حيناً، والمشابهة في العناصر الجوهرية والحكم المرعية حيناً آخر.
45 -
القول بأن التأمين التجاري ضرب من ضروب القمار ظاهر الوجاهة؛ لما فيه من المخاطرة التي يعلق خروج كل طرف فيها غانماً أو غارماً على أمر تخفى عاقبته، ولما فيه من الغرم بلا جناية أو تسبب فيه، ومن الغنم بلا مقابل أو مقابل غير مكافئ، فهو إن لم يكن عين القمار فإن المعاني الجوهرية في القمار موجودة فيه، فهو غير خارج عن معناه.
46 -
البورصة: اجتماع مالي يقام في أماكن معينة وفي أوقات دورية، وتعقد فيه صفقات البيع والشراء في الأوراق المالية والحاصلات الزراعية والمنتجات الصناعية وفق نظم معينة.
47 -
تجرى في البورصة بيوع وهمية يبيع فيها الإنسان ما لا يملك، ويؤجل فيها تسلم الثمن والمثمن إلى موعد قادم يسمى بيوم التصفية، ثم يؤول الأمر في عامة هذه العقود إلى مجرد أخذ فروق الأسعار بين يوم البيع ويوم التصفية، إما لمصلحة البائع عند هبوط السعر، أو لمصلحة المشتري عند ارتفاعه دون تسلم ثمن أو تسليم مثمن.
وهي عقود باطلة؛ لما فيها من بيع الإنسان ما لا يملك ومن بيع الدَّين بالدَّين، ولأنها تفضي إلى ربح ما لم يضمن، وتعلق فيها العقود على أمور مستقبلية، ولما فيها من المخاطرة الوهمية على ما سيؤول إليه الأمر من صعود السعر أو هبوطه دون معاوضة حقيقية، فهي في معنى القمار ولها حكمه.
48 -
تجري في البورصة عقود على حق اختيار البيع والشراء؛ بحيث تثبت هذه العقود التزاماً من بائع الحق، يتعهد بموجبه مقابل ثمن معين أن يمكن المشتري من شراء السلعة في المدة المحددة بالثمن المحدد، ويمنعه من أن يبيعها على غيره ولو حصل له ما حصل من الربح، كما تثبت هذه العقود حقاً لمشتري الحق فله أن يأخذ السلعة بالثمن المحدد في أي وقت من المدة المحددة.
وهي عقود باطلة لما فيها من الاعتياض عن حقوق مجردة محضة لم يعهد في الشريعة ما يدل على تقويمها وأخذ الأعواض عنها، ولما فيها من المخاطرة حيث يعلق إجراء البيع أو الشراء فيها بالثمن المحدد حالاً على ما لا يعلم مآله من ارتفاع الأسعار أو انخفاضها، فصارت في معنى القمار، ولما تجر إليه من المفاسد كحبس السلع وعدم تمكين أصحابها من التصرف فيها وتحويل الناس إلى معاملات صورية يربحون ويخسرون فيها من جراء تعاملات وهمية كالقمار سواء بسواء.
49 -
المؤشر هو معدل أوسطي يستعمل للدلالة على حالة السوق وحجم التغير فيه. ولا يجوز بيعه وشراؤه لما في ذلك من المقامرة.
50 -
اليانصيب ضرب من ضروب القمار؛ لأن حقيقته مخاطرة يسهم فيها عدد كبير من الناس في جمع مبلغ كبير من المال رجاء تحصيل قسط كبير منه، ويميز المستحق له من بين جميع المشاركين بواسطة القرعة أو أي طريقة تعتمد على الحظ والمصادفة وهذا، هو القمار بعينه.
ولا يصح أن يجعل صرف بعض أمواله في وجوه الخير مسوغاً للترخيص فيه.
51 -
الحوافز المالية في المحلات التجارية قسمان:
أ- ما يعلق استحقاق جائزة معلومة فيه على الشراء لا على القرعة ونحوها مما يعتمد على الحظ والمصادفة.
فهذا القسم ليس من القمار في شيء؛ لأن كل واحد من المتعاقدين قد دخل على بينة من أمره وعلم بمقدار ما سيأخذ وما سيعطي فلا مخاطرة ولا غرر.
وإن كان الأولى بالباعة أن يجعلوا قيمة الجوائز تخفيضاً حقيقياً في سعر السلع لئلا يلجئوا الناس إلى شراء أشياء ليسوا بحاجة إليها، ولئلا يكون ذلك وسيلة إلى التخلص من البضائع الكاسدة بربطها بالبضائع الرائجة فيأخذها الناس على غضاضة.
ب- ما يعلق استحقاق الجائزة فيه أو تحديدها على أمر احتمالي تجهل عاقبته، كالذي تخرجه القرعة ونحوها مع شرط الشراء لشيء معين أو بمقدار معين.
فهذا القسم منه ما هو قمار محض، ومنه ما هو ذريعة ظاهرة إلى القمار.