الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الديون المتعثرة والمشكوك في تحصيلها والتأمين التعاوني عليها
المؤلف/ المشرف:
عبدالحميد محمود البعلي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الراوي - الدمام ̈الأولى
سنة الطبع:
1421هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
تأمين
خلائص البحث وتوصياته
نحن بحاجة ماسة إلى المؤسسة الفكرية والتنظير الواسع للعمل المصرفي والاستثماري الإسلامي، وقد قسمت البحث إلى أربعة مباحث:
خصصت الأول: للدين وأسبابه ومصادره.
وعقدت في الثاني: مناظرة بين التأمين التجاري والتعاوني أبرزتها في أربعة عناصر.
وجعلت الثالث: للديون المتعثرة والمشكوك فيها كظاهرة عامة ومشكلة خطيرة في البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية أبرزتها في أربعة عناصر أيضاً، مصنفاً الديون المتعثرة بحسب أسبابها، ثم أردفت ذلك ببعض الوسائل العلاجية للتعثر المالي والديون المشكوك فيها وأبرزت أنه من الصعوبة بمكان التعميم بشأن وسائل علاج المشكلة.
أما المبحث الرابع: فتناولت فيه التأمين التعاوني وخطر الديون المتعثرة في تسعة عناصر.
وذلك كله على النحو التالي:
الدين عند جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة ما ثبت في الذمة من مال بسبب يقتضي ثبوته فتدخل فيه كل الديون المالية وتخرج عنه سائر الديون غير المالية.
وأسباب ثبوت الدين في الذمة كثيرة منها:
- الالتزام بالمال سواء أكان في عقد أو التزام بإرادة منفردة.
- العمل غير المشروع المقتضي لثبوت دين على الفاعل.
- هلاك المال في يد الحائز إذا كانت يد ضمان.
- تحقق ما جعله الشارع مناظاّ لثبوت حق مالي كحولان الحول على النصاب في الزكاة.
- إيجاب الإمام لبعض التكاليف المالية على القادرين عليها بشروطها الفقهية.
- أداء واجب مالي يلزم الغير عنه بناء على طلبه.
- الفعل المشروع حال الضرورة فالاضطرار لا يبطل حق الغير خلافاً لبعض المالكية.
- العمل النافع للغير بغير إذنه.
وفي المبحث الثاني عقدت مناظرة بين التأمين التجاري والتعاوني قامت على أربعة محاور هي:
المحور الأول: ضرورة التفريق بين التأمين كفكرة والتأمين كعقد قانوني من العقود المسماة، فالتأمين كفكرة يمر على مجموعة من المفاهيم الاجتماعية والاقتصادية والقانونية التي تعكس نفسها في عدد من التعاريف التي قيلت في التأمين وتنهض هذه المفاهيم المتعددة في نفس الوقت كمبررات لنظام التأمين أمام الانتقادات الموجهة إليه كعقد وليس كفكرة أو نظام. فالاقتصاديون والاكتورايون يركزون في تعريفاتهم للتأمين على الدخل والثروة وتأثير الأخطار والحوادث عليها. وكذلك الاكتواريون يهتمون بأساليب القياس فيما يتعلق باحتمال وقوع الحادث وتوقع الخسارة والمتخصصون والممارسون يركزون على تعريفاتهم على الصفة الاجتماعية. وفي القانون وعند القانونيين يتم التركيز على التأمين كعقد بين المؤمن والمؤمن له. وهو ما يقتصر عليه القانون، مما جعل القانونيين أنفسهم يتخذون من ذلك أساساً للقول بأن التأمين ينقلب من تأمين إلى رهان غير مشروع لأن الشخص الذي يأخذ على عاتقه ضمان الخطر يراهن على تحقق الخطر.
وأضيف هنا أنه لعل هذا المسلك القانوني في التركيز على العلاقة بين المؤمن والمؤمن له منفرداً في عقد معاوضة من الأسباب الرئيسة في تسميته بالتأمين التجاري إذ يكون الربح هو الهدف الوحيد والأول والأخير من عمليات التأمين. ولهذا تنص قوانين التجارة على أن التأمين بأنواعه من الأعمال التجارية فضلاً عما تجيزه قوانين التجارة من اقتضاء الفائدة ابتداء وانتهاء، ابتداء عند الاتفاق وانتهاء عند التأخير في الوفاء. ويظل هذا التفاوت في النظر إلى التأمين كفكرة تقوم على مجموعة من المفاهيم الاجتماعية والاقتصادية وكعقد ينظم علاقة بين طرفين هو المسؤول إلى حد كبير عن اختلاف الآراء والاتجاهات الفقهية في التأمين مما جعلنا نعرض لمعتصر من الآراء والاتجاهات الفقهية في التأمين التجاري بأدلتها مع مناقشة هذه الأدلة والمتتبع لهذه الأدلة يجد أن جانباً جوهرياً منها اعتمد في المحاججة على التأمين كفكرة مثلما قيل بأن عقد التأمين ليس من عقود المعاوضة المالية التجارية وإنما هي عقود تعاونية.
ومما هو مقرر بل محل اتفاق أن عقود التأمين التي تبرمها شركات التأمين عقود معاوضات مالية كما يثبته قصد المتعاقدين في نصوص العقد.
ومثلما قيل بأن الربا ليس في التأمين كنظام قانوني وإنما فيما تقوم به شركات التأمين من أعمال وعقود أخرى غير مشروعة.
ومما هو مقرر لدى المتخصصين والممارسين أن الفائدة الربوية متضمنة دائماً في جوهر عقد التأمين لا يخلو منها وهي جزء من طبيعة العقد وحقيقته القانونية إذ إن سعر الفائدة أحد أربعة عناصر أساسية يتحدد على أساسها القسط الصافي وهي: الخطر، ومبلغ التأمين، ومدة التأمين، وسعر الفائدة. فالمادة 773 مدني كويتي تنص على أن:"التأمين عقد يلتزم المؤمن" بمقتضاه بأن يؤدي إلى المؤمن له أو إلى المستفيد مبلغاً من المال في نظير مقابل نقدي يؤديه المؤمن له للمؤمن". ومثلما قيل إن التأمين التجاري يحقق المصلحة وهي من مقاصد الشريعة فيكون جائزاً شرعاً ولكنها مصلحة لم تشهد لها الشريعة بالاعتبار فكانت ملغاة، ولذلك كان طبيعياً أن تصدر قرارات المجامع الفقهية الإسلامية بعدم جواز التأمين التجاري وحرمته وبجواز التأمين التعاوني وأنه البديل الشرعي الذي يحترم أصول التعامل الإسلامي وأنه مرغوب فيه لأنه:
أولاً: من قبيل التعاون على البر القائم على التبرع لا المعاوضة المالية بين قسط التأمين ومبلغ التأمين:
فالتأمين التعاوني يحقق مصالح من طبيعة واحدة وليست مصالح متقابلة أو متعارضة كما هو الشأن في المعاوضات التي تبني على المشاحة والمكايسة، وما لنا ألا نؤمن بالأساس الذي يقوم عليه التأمين التعاوني وقد اتفق الفقهاء على أن نظرية التبرع لا يحكمها حكم تكليفي واحد وإنما التبرع تعتريه الأحكام الخمسة (الموسوعة الفقهية الكويتية 10/ 66) والمالكية يرون أن كل التزام فردي بهبة أو صدقة أو جنس أو جائزة على وجه البر وما أشبه ذلك من وجوه المعروف لازم لصاحبه لا يقبل منه الرجوع عنه بل نقل ابن رشد الاتفاق على لزوم الهبة بالقول وإن كان الملتزم له غير معين (دل على ذلك ما جاء في تحرير الكلام في مسائل الالتزام للحطاب ج1، البهجة شرح التحفة ج2، والخرشي ج5، والزرقاني على خليل ج5، وحاشية الدسوقي ج4) ويترتب على هذا الأساس المكين في التأمين التعاوني أمران جوهريان هما:
أ- انعدام الربا بنوعيه فيه.
ب- تملك هيئة المشتركين في مجموعهم لأقساط التأمين المتبرع بها ومن ثم:
ج- اندماج شخصية المؤمن والمؤمن له، فكل عضو من أعضاء هيئة المشتركين يجمع بين صفتي المؤمن والمؤمن له في آن واحد فهم يمثلون المؤمن باعتبارهم مالكي أموال التأمين وهم في نفس الوقت مؤمن لهم باعتبارهم حملة وثائق التأمين. ألم نقل أن التأمين التعاوني يجمع بين مصالح أطراف من طبيعة واحدة على خلاف التأمين التجاري.
د- ما يسمى بشرط التخصيص الذي يعطي شركة التأمين الحق في مالية حاملي الوثائق بمقدار نصيبهم في الزائد من الخسارة على الأقساط المدفوعة إذا لم تكف.
ثانياً: الربح في التأمين التعاوني تبع لا قصد، ومما هو مسلم به في الفقه أنه:
"يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في غيرها" فيغتفر في الشيء إذا كان تابعاً ما لا يغتفر إذا كان مقصوداً وعبر عنها ابن نجيم بقوله: يغتفر في الشيء ضمناً ما لا يغتفر قصداً وعليها نصت مجلة الأحكام العدلية في المادة 54 وكذلك المادة 55 التي نصت على قاعدة "يغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء" والمادة 256 التي نصت على قاعدة "البقاء أسهل من الابتداء" فالذي لا يجوز ابتداء قد يجوز بقاء وذلك على خلاف التأمين التجاري.
وفي المبحث الثالث تناولت ظاهرة الديون المتعثرة والمشكوك فيها وبيان مظاهرها وأعراضها التي إن بدت تدل عليها وتصنيف أسبابها وكيف أن هذه الظاهرة أصبحت تمثل خطراً على المؤسسات والشركات بل والدول أيضاً ومن هنا كانت هذه الظاهرة مثار البحث والاهتمام.
وبالنسبة للمصارف والمؤسسات المالية فإن مشكلة الديون المتعثرة والمشكوك فيها تؤثر تأثيراً مباشراً على الأداء الحقيقي، أعني "الأداء المصرفي الفعال" فقوة الأداء المصرفي تقاس من جانبي الوجود والعدم أو من جانبيه السلبي والإيجابي.
فالجانب السلبي تعبر عنه إحجام المعجوز عنه من الموارد والإمكانات المادية التي كان يمكن أن تؤثر في ربحية البنك.
أما الجانب الإيجابي لقوة الأداء المصرفي فيتمثل في حجم استغلاله للفرص الاقتصادية السانحة ومن ثم حجم استثماراته ومشروعاته الإنتاجية.
فالمال ليس قوة في ذاته بقدر ما هو قوة بحفظه والمحافظة عليه من جانبي الوجود والعدم وبذلك تتحقق "الثقة" المنشودة في البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية ومن هنا الأهمية البالغة لمشكلة الديون المتعثرة وضرورة معالجتها بأساليب وطرق علمية ناجعة. هذا ولقد تعددت مصطلحاتها وتسمياتها وكلها تعبر عن ظاهرة واحدة أكثر مصطلحاتها وتسمياتها ذيوعاً هو "الديون المتعثرة" عبر عنها بعض فقهاء الشريعة بقولهم.
"بتعذر حصول الدين"(مغني المحتاج للشربيني ج2) وقولهم "العيب في الدين"(نظرية العقد لابن تيمية).
(من تسمياتها: الديون الحرجة – الديون الصعبة – الديون غير العاملة) وكلها تعبر عن ظاهرة واحدة ولكن بدرجات متفاوتة ويمكن أن يؤدي تحليل المركز المالي والنقدي للمدين إلى القول بوجود حالات يمكن معالجتها وهي حالات الإعسار أو العسر المالي وحالات ميؤوس من علاجها تقتضي اتخاذ الدائن الإجراءات اللازمة للمحافظة على حقوقه وإلى أن تنتهي تلك الإجراءات يعتبر الدين مشكوكاً فيه أي في تحصيله وتصبح الديون المعدومة هي التي أصبح من المستحيل استرجاعها. والمؤسسات المالية ككائن حي تتأثر تأثراً مباشراً بظروف المتعاملين معها وبظروف البيئة المحيطة بها ويجب أن تأخذ بكل أسباب الحيطة والحذر تجاه كل ذلك. ومن هنا كانت مشكلة الديون المتعثرة ذات شقين فتعثر المتعاملين مع المصارف سبب وعلة في تعثر هذه المؤسسات المالية والمصرفية ولا شك أن طبيعة عمل المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية وأساليب وأشكال صيغ التمويل فيها يضفي على المشكلة بعداً آخر جديراً بالبحث والتحليل إذ المصرفية الفقهية الشرعية (الإسلامية) لا تقوم على الإقراض والاقتراض بل تقوم في الأساس على الملكية والتملك مما يخرج بحثه من إطار هذه الدراسة.
هذا ومظاهر التعثر المبكرة تختلف بالنسبة للمشروعات الفردية عنها بالنسبة للمؤسسات مما أوردنا جانباً مهما منه في هذا البحث وضرورة العناية بدراسة وتحليل هذه المظاهر أولاً بأول كي يمكن تحديد "مؤشرات الخطر" واتخاذ الإجراءات الشرعية المناسبة في الوقت المناسب لإصلاح مسار العمل ومعالجة أوجه القصور في "الأداء التشغيلي" ومن ثم حماية أموال البنك ومصالحه.
وعلى ضوء ذلك نقول "بوجوب" تصنيف الديون المتعثرة بحسب أسبابها، فمما لا شك فيه أن ذلك يساعد كثيراً في عدالة الحكم وكيفية المعالجة الصحيحة والرشيدة للمشكلة ومن ثم التمكن من إنزال الحكم الشرعي الصحيح على المسألة.
فليس من تعثر بسبب ضائقة مالية أو عسر بسبب عارض من ضيق ذات اليد كمن أعثر بسبب اللد والمماطل وسوء القصد أو كمن تعثر بسبب جائحة من الجوائح أو بسبب القوة القاهرة أو الظروف المحيطة والعامة وهكذا إلى غير ذلك.
وفي هذا السياق صنفنا أسباب التعثر إلى أربعة مجموعات هي:
1 -
مجموعة الأسباب التي ترجع إلى البنك نفسه وعلى رأسها الخلل في "الهيكل المالي" وعدم التناسب في "المزيج التمويلي" و"الانبعاج" فيه:
كأن تمثل صيغة تمويلية معينة أغلب النشاط المالي والاستثماري على حساب سلة المزيج التمويلي المناسبة مما يزيد من نسبة احتمالات الخطر والمخاطرة وما يتطلبه تدارك ذلك من: نظام محكم للضمانات وحسابات دقيقة للمخاطرة ودراية تامة بأحوال السوق وأحوال المتعاملين فيه.
2 -
مجموعة الأسباب التي ترجع إلى المدينين:
يتعين على البنك ابتداء أن يتوقى أسباب التعثر التي ترجع إلى المدينين ببناء منظومة متكاملة من الدراسات الدقيقة للمتعاملين ومشروعاتهم وبخاصة ما يرجع إلى سلامة الإدارة المالية للمشروع وإدارة الإنتاج فيه. ومن أهم الأسباب التي ترجع إلى المدينين أوردنا أربعة أسباب منها هي:
أ- الإعسار:
بما يعنيه من عدم القدرة في الحال على أداء ما ترتب في الذمة من حقوق مالية، وآية الإعسار قال فريق من الفقهاء أنها عامة في كل من كان له قبل رجل معسر حق من أي وجه كان ذلك الحق، وأن المعسر الأخذ منه حلال والصدقة عليه أفضل والنظرة واجبة فالعاجز عن أداء المال لا يجوز تكليفه به وخير الله عز وجل الصدقة على النظرة.
ب- الإفلاس:
المفلس من كان دينه أكثر من ماله وخرجه أكثر من دخله.
ج- المماطلة أو المطل:
وهو تأخير ما استحق أداؤه بغير عذر أو مع التمكن منه وهو ظلم موجب للعقوبة.
د- جحود الدين وإنكاره:
فإذا جحد المدين الدين فقد تعذر حصول الدائن على دينه وكان المدين آثماً.
3 -
مجموعة الأسباب التي ترجع إلى الظروف الطارئة والقوة القاهرة والجوائح:
- الجائحة عرفها خليل بقوله: هي ما لا يستطاع دفعه.
- والظروف الطارئة هي التي تؤدي إلى اختلاف التوازن الاقتصادي للعقد ولا تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً (كما هي القوة القاهرة) وفي نفس الوقت تجعل تنفيذ الالتزام يعود بخسارة على المدين تخرج عن الحد المألوف فلا ينقضي التزام المدين ولا يبقى كما هو لأنه مرهق فيرده القاضي إلى الحد المعقول. ونظرية الظروف الطارئة تناولها الفقهاء عندما تحدثوا عن الفسخ بالأعذار وعن الجوائح في بيع الثمار وعند تعديل العقد في حالة تقلب النقود ووضعوا ضابطاً للعذر الطارئ الذي يجيز فسخ عقد الإجارة مفاده أن:
عجز العاقد عن المضي في موجب العقد إلا بتحمل ضرر زائد لم يلتزمه بموجب العقد وذكروا من جوائح القرض كساد النقود ورخصها وغلاؤها وانقطاعها (البحث القيم تغير قيمة العملة في الفقه الإسلامي).
4 -
مجموعة الأسباب الاقتصادية العامة:
وتتعلق هذه الأسباب بالعوامل السياسية والاقتصادية والتشريعية التي تؤثر على النشاط الائتماني بالمصارف وتزيد من ظروف "عدم التأكد" ومن ثم درجة المخاطر وقد ترجع هذه الأسباب إلى ظروف محلية إقليمية أو إلى ظروف عالمية دولية.
ومن هذه الأسباب المحلية أو الإقليمية:
- سياسة التسعير بغير ضوابط شرعية وما قد تؤدي إليه من عدم المقدرة على الوفاء بالالتزامات المالية.
- سياسة الإغراق.
- السياسة الضريبية المرهقة بغير ضوابط شرعية.
- سياسة أسعار الصرف والسياسة الائتمانية والنقدية عموماً وعدم قدرتها على تحقيقها الاستقرار المنشود مما يؤثر سلباً على قدرة الأفراد والمشروعات على سداد ديونها وبخاصة إذا كانت بالعملات الأجنبية.
ومن الأسباب الدولية والعالمية التي تؤدي إلى التعثر ما يلي:
- سياسة الحروب الاقتصادية والحصار الاقتصادي الدولي.
- سياسة التكتلات الاقتصادية الدولية.
- ظاهرة الركود التضخمي وما تحمله من اتجاهات متناقضة في السوق.
- أزمة الديون الدولية والتوقف عن الدفع في الديون الدولية يؤدي إلى مواجهة البلد المتوقف عن الدفع لاحتمالات تزايد إجراءات الحماية التجارية ضده وما يترتب على ذلك من انخفاض جوهري في حجم تجارته الخارجية وما يصاحب ذلك من زيادة أسباب التعثر المالي.
- مجموع هذه الأسباب يشكل أخطاراً يجب العمل على تلافيها أو التقليل منها إلى أدنى حد ممكن في البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية وذلك يتوقف على:
1 -
مدى الكفاءة في اختيار المزيج التمويلي الأمثل.
2 -
نظام التوجيه المالي السليم والمتابعة والرقابة المالية مما يساعد على الاكتشاف المبكر للتعثر المالي.
3 -
مدى تجنب المخالفات الشرعية بالترك أيضاً وليس بالفعل أو الإتيان فقط كعدم أخذ الضمانات العينية الكافية وعدم وجود نظام استعلام جيد عن المتعاملين، أما اللجوء إلى "الشرط الجزائي" و"اشتراط التعويض عن الضرر" بسبب تأخر المدين عند من يجيزه واشتراط "حلول باقي الأقساط" فقد لا تفيد إذا توقف المدين عن الدفع بالكلية وعدم وجود مال له إذ لا توفر هذه الاشتراطات مصدراً إضافياً للمال يمكن أن يستوفى منه الدين المتعثر فيه. كل ذلك كان مدعاة للتطرق لوسائل علاج مشكلة الديون المتعثرة، وبداءة نقول: إنه من الصعوبة بمكان التعميم بشأن وسائل العلاج فإذا ثبت لنا أن مشكلة الديون المتعثرة متشابكة الأسباب متداخلة النتائج فإنه يكون من الخلط التعميم بشأن وسائل العلاج، فقد يكون من الأسباب ما لا شأن للمدين به على نحو ما سبق وقد يشترك البنك مع المدين في حدوث المشكلة وقد تتواطأ عدة أسباب في إحداثها ولا شك أن تحديد الأسباب المؤثرة في حدوث المشكلة يترتب عليه إمكانية تحديد الالتزامات المترتبة على كل حالة بعينها.
وعلى ضوء "تحليل المركز المالي" والنقدي للمدين يمكن تقسيم الديون المتعثرة إلى حالات يمكن معالجتها وحالات ميؤوس منها، والحالات التي يمكن معالجتها تمثل حالات العسر المالي المؤقت الذي يقوم فيها البنك بمد يد المساعدة للمدين مثل تأجيل سداد الديون الحالية أو تقديم مساعدة مالية وهذا كله عبرت عنه الآية الكريمة:{وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 280] فالعسر هو ما يسفر عنه "تحليل المركز المالي" والنقدي للمدين وأنه يستوجب النظرة، وخيرية الصدقة على النظرة درءاً للآثار السيئة والضارة بكل من الدائن والمدين إذ قد يثير التشدد في اتخاذ الإجراءات إلى إثارة الرعب في نفوس المتعاملين مع البنك واختلاف ثقتهم فيه ومن ثم انحدار سمعته فضلاً عن أن البنك قد لا يحصل على كامل حقه إذ لم تكف أموال التصفية للمدين بل إنه يجوز للبنك أن يقدم قرضاً للمدين لما قاله ابن قدامة في المغني (4/ 213):"ولو أفلس غريمه فأقرضه ألفاً ليوفيه كل شهر شيئاً معلوماً جاز لأنه إنما انتفع باستيفاء ما هو مستحق له" وقال الحطاب (تحرير الكلام في مسائل الالتزام): "إذا قال له إن غرمائي يلزمونني بدين فأسلفني أقضيهم فقال نعم يلزمه ذلك ويحكم به عليه وهو جار على القول بلزوم إذا كانت على سبب وإن لم يدخل بسببها في شيء".
المعالجة المحاسبية السائدة في هذا المقام تقوم على طريقتين هما:
• طريقة تكوين مخصص للديون المقدر عدم تحصيلها مستقبلاً على أن تعتبر تلك الخسائر المتوقعة كمصروفات في الفترة التي يتم فيها البيع (باعتبار أن السياسة المتبعة هي البيع على الحساب) بما يترتب عليه قياس صافي الربح أو الخسارة بطريقة تعكس التوقعات عن الخسائر المحتملة.
• طريقة الخصم المباشر من حساب العملاء.
ومن الوسائل العلاجية والمقررة فقها:
• في حالة المماطلة: قضاء الحاكم دين المدين من ماله جبراً.
• في حالة البيع: تمكين الدائن من فسخ العقد واسترداد المبيع أو المشاركة في ملكية السلعة المبيعة على المدين بما يعادل الجزء المتبقي من ثمن السلعة ويكون البائع حينئذ شريكا للمشتري بحصته.
• تحليل المركز المالي للمدين: إذا ثبت إعساره "ينطر" ولا يحبس على رأي من قال من وجب عليه حق فذكر أنه معسر به حبس إلى أن يأتي ببينة تشهد بعسرته (ابن قدامة وغيره في المغني مسألة 3464 ج4) بل ذهب رأي إلى القول: ولو أفلس غريمه فأقرضه ألفا ليوفيه كل شهر شيئاً معلوماً جاز لأنه إنما انتفع باستيفاء ما هو مستحق له، والتأمين التعاوني من أهم الأدوات ووسائل العلاج لمشكلة الديون المتعثرة والمشكوك في تحصيلها بما يقوم عليه من أسس شرعية أقرتها المجامع الفقهية وذلك انطلاقا من الخطر الذي قد يصبح ضرراً مادياً واقعاً.
• والخطر باعتباره جوهر عملية التأمين تعددت تعريفاته لدى كتاب التأمين والاقتصاديين والرياضيين والإحصائيين بل ولدى علماء النفس والاجتماع أيضاً. والخطر مؤثر في إسقاط العبادات أو تخفيفها ويتعلق به الرخص الشرعية.
• وفي نطاق التأمين فالخطر: عبارة عن الخسارة المتوقعة المصاحبة لحالة عدم التأكد من الأحداث المستقبلية ويقصد به الضرر الناشئ عن الحادثة أو الكارثة. ويعرفه القانونية بأنه "حادثة احتمالية لا يتوقف تحققها على محض إرادة أحد الطرفين خاصة إرادة المؤمن له وعلى ذلك فلكي تعتبر حادثة ما خطراً يجب أن تكون احتمالية من حيث وقوعها أو عدم وقوعها وبالتالي يجب أن يكون مستقبلياً وممكناً وليس مستحيلاً وقوعه وألا يكون وقوعه معلقاً على محض إرادة أحد المتعاقدين لأنه في هذه الحالة سيكون مؤكداً وليس محتملاً.
وإذا كان ذلك معنى الخطر فإنه يشترك مع الضرر بمعنى ما لا يدري أيحصل أم لا يحصل وهو رأي الكاساني وابن عابدين وابن تيمية والقاعدة العامة في الفقه الإسلامي أن الغرر يؤثر في سائر عقود "المعاوضات المالية" قياساً على عقد البيع حيث ورد النص بتأثير الغرر فيه والغرر المؤثر الذي يكون معه العقد غير صحيح هو الغرر الكثير في عقود المعاوضات المالية والكثير ما كان غالباً في العقد حتى صار العقد يوصف به وأن يكون الغرر في المعقود عليه أصالة أما عقود التبرعات فلا أثر للغرر فيها كقاعدة عامة عند المالكية وابن تيمية.
والتوقف عن دفع الديون والتعثر فيها كارثة أو حادثة متوقعة تهدد بخسارة مالية ومن ثم يصح أن تدخل في نطاق التأمين التعاوني وتصبح وثيقة التأمين التعاوني عقد تبرع مقصود بها أصلاً التعاون على تفتيت الخطر والمشاركة في تحمل الضرر.
و"نظرية التبرع" التي يقوم عليها التأمين التعاوني تقضي: أن تصرف الإنسان في خالص حقه دون مساس بحق أحد لا يتوقف على إرادة غيره، أي أن التصرف يتم بالإرادة المنفردة من ناحية نشأته، ولكن ظهور أثره يتوقف على قبول المتبرع له وذلك أمر آخر غير وجوده ونشأته وهذا ما عناه بعض الفقهاء "بالتبرع الذي يفيد تمليكاً" كالهبة والاعتداد بالإرادة المنفردة واعتبارها مصدراً للالتزام مبدأ قام عليه الفقه الإسلامي وتوسع فيه المالكية، ولا أدل على مخاطر الديون وبخاصة المتعثرة والمشكوك في تحصيلها من قيام المؤسسة العربية لضمان الاستثمار التي انضمت جميع الدول العربية إلى اتفاقية إنشائها واكتتبت في رأس مالها وتقوم المؤسسة بتوفير الضمان ضد المخاطر التجارية والمخاطر غير التجارية الموضحة في نظامها وتشتمل المخاطر التجارية على:
- إفلاس المشتري (المستورد) أو إعساره أو تصفيته.
- امتناع المشتري عن سداد ما استحق عليه للمصدر أو للمصرف المقرض.
ومن أنواع عقود الضمان التي تمارسها المؤسسة "عقد ضمان قرض" ويغطي هذا العقد الأخطار غير التجارية التي قد يتعرض لها القرض ووفقاً لشروط، وتمارس المؤسسة نشاطها وفق قواعد التأمين التجاري التقليدية.
أضف إلى ذلك أن "الديون" كانت محلاً للتأمين في دولة الكويت حتى الغزو العراقي الغاشم على دولة الكويت.
ومما يتصل بالتأمين التعاوني على الديون المتعثرة "إمكانية قياس الخطر المتوقع" فعلى ضوء ذلك تتحدد النتائج ولا شك أن قياس الخطر يتطلب معرفة بالأساليب الرياضية والإحصائية والتي شهدت في الآونة الأخيرة تطورات جعلت من "نظرية الاحتمالات" نظرية مستقلة تدرس ضمن فروع علم الإحصاء ومن هنا أصبحت عملية قياس الخطر تنصب على احتمال تحقق الخسارة في إطار توافر قانون الأعداد الكبيرة واتساع سوق التأمين. ولا شك أن هذه الحسابات تعكس أثرها على مكونات العملية التأمينية الأساسية من أقساط وتعويضات مما يعكس أثره على "الملاءة المالية" لشركات التأمين التعاوني، والملاءة المالية لشركة التأمين تعني توافر القدرة المالية للشركة على الوفاء بالتزاماتها قبل حملة الوثائق وإلا تعرضت الشركة نفسها لخطر "العسر المالي" الذي قد يؤثر على استمرارية النشاط التأميني ونجاحه. وكل ذلك يتطلب وعيا فقهياً بفنيات التأمين وإنشاء تخصص فقهي جديد يسمى "فقه التأمين" بعد كل ذلك نستطيع القول باطمئنان إن الحاجة إلى التأمين التجاري التقليدي لم تعد حاجة متعينة وسقطت بذلك آخر حجة كان يمكن أن يلوذ بها المدافعون عن التأمين التجاري بعد أن أصبح التأمين التعاوني نظاماً معمولاً به في كثير من بلدان العالم وإن كان الطريق أمامه ما زال طويلاً حتى يحقق الانتصار في حلبة المنافسة الشديدة والشرسة.
(وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ويأبى الله إلا أن يتم نوره)