الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سندات الإجارة والأعيان المؤجرة
المؤلف/ المشرف:
منذر قحف
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
البنك الإسلامي للتنمية ̈الأولى
سنة الطبع:
1415هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
إجارة
الخاتمة والنتائج
درسنا في هذه الورقة إمكان استخدام عقد الإجارة بتعريفه، وشروطه، وأنواعه، المعروفة في الشريعة الإسلامية، أساسا لإصدار أدوات مالية قابلة للتداول. مما يعتبر أصلا رئيسيا من أصول إقامة سوق إسلامية مالية.
وقد أسمينا هذه الأدوات المالية سندات الإجارة والأعيان المؤجرة مراعاة للتشابه فيما بينها وبين سندات القرض، من حيث الأغراض التي تحققها، والمنافع التي يحصل عليها حامل السند. وكذلك من حيث استقرار العائد، والعلم المسبق به، وإن كانت تختلف عنها، اختلافا كبيرا، من حيث ما يمثله السند من أعيان، أو خدمات، أو منافع موصوفة (بالنسبة لسندات الإجارة)، أو ديون (بالنسبة لسندات القرض).
وقد استعرضنا الأنواع المتعددة لسندات الإجارة والأعيان المؤجرة، فلاحظنا أنها يمكن أن تصدر لتكون ممثلة لأعيان، معمرة، مرتبطة بعقود إجارة، وأن شروط عقود الإجارة هذه يمكن أن تختلف، من إصدار لآخر، مما يتيح الفرصة لوجود حالات مختلفة لكل من صور سندات الأعيان المؤجرة. ورأينا أيضا أن سندات الإجارة يمكن أن تصدر لتمثل خدمات موصوفة في الذمة، تستحق في زمن مستقبل. كما يمكن أن تمثل منافع أعيان، وهي منافع موصوفة في الذمة أيضا، ومعلقة على زمن مستقبل.
ودرسنا خصائص سندات الإجارة والأعيان المؤجرة، من حيث تداولها في السوق، بسعر تحدده عوامل العرض والطلب، ومن حيث عوامل الأمان، والعائد، والسيولة. وكذلك خصائصها، من حيث المرونة في الإصدار، والتداول، والتنوع، وتلبية الحاجات التمويلية المتعددة. ولاحظنا أن المعوقات التطبيقية لإدخال سندات الإجارة والأعيان المؤجرة في التداول، في الأسواق القائمة في البلدان الإسلامية للأوراق المالية، ليست على درجة تجعلها صعبة التجاوز. كما أنه لا توجد معوقات شرعية، تحول دون وجود سندات إجارة، أو دون قيام بعض البنوك الإسلامية، بطرح سندات إجارة، وبيعها للمدخرين.
ولقد استنتجنا، من مقارنة سندات الإجارة والأعيان المؤجرة مع غيرها من الأوراق المالية، أن معظم صور هذه السندات تتمتع بدرجة عالية من الاستقرار، والثبات في العائد، وبدرجة عالية أيضاً من العلم المسبق، بمقدار هذا العائد، بتاريخ شراء السند. كما أنها جميعا ترتبط – ارتباطا مباشرا – بالأعيان والمنافع والخدمات، أي بدورة الإنتاج، والتوزيع للسلع الاقتصادية. وذلك على الرغم من أن بعض أنواع سندات الإجارة، لديه من المرونة، ما يجعله مصدراً لتمويل الاحتياجات النقدية الآنية، مما يجعلها صالحة لتمويل رأس المال العامل في المشروعات التي تصدرها.
إن جميع هذه الخصائص تجعل من سندات الإجارة والأعيان المؤجرة أدوات مالية متفوقة المزايا، وبخاصة، أنها يمكن أن تصدر – في معظم الأحيان – على أساس علاقة مباشرة بين مستعمل العين المعمرة، وحاملي السندات، دون الحاجة إلى وجود شخصية قانونية (أو معنوية)، يندرج تحت ظلها حاملوا السندات، كما هو الشأن في الأسهم، ورأس مال المضاربة، والوحدات الاستثمارية في مختلف أنواع صناديق الاستثمار. فسندات الإجارة – في هذا – تشبه سندات القرض، من حيث العلاقة المباشرة بين صاحب السند والمتمول بحصيلته. وهذا مما يقلل الكلفة الإدارية للسند بحيث يصبح إيراد حامل السند هو نفس ما يدفعه المتمول دون أن يقتطع منه حصة لإدارة وتكاليف الشخصية المعنوية الوسيطة [ومن الواضح أن ذلك لا يمنع الإفادة من خدمات الترويج والتعهد بالتسويق Underwriting عند الإصدار].
كل ذلك يؤهل سندات الإجارة لتكون أداة تمويلية إسلامية تقع في موضع متوسط بين الأسهم – وما تتضمنه من مخاطرة – من جهة، وسندات القرض – وما تتضمنه من مرونة وضمان – من جهة أخرى، وذلك دون أن تقع في وهدة الربا الذي حرمه رب العباد.
ومن جهة أخرى، فإن اعتماد سندات الإجارة والأعيان المؤجرة كأداة لتمويل كثير من المشروعات الحكومية، سواء أكانت إنمائية، أم عادية، يضيف عنصرا آخر ينبغي أن يشار إليه. ذلك أن الربط المباشر بين المشروع الحكومي، وبين المدخرين الأفراد، يعتبر بمثابة إعطاء فرصة أخرى لجمهور الناس للتصويت على المشروع الحكومي. فإن نجحت الحكومة في اجتذاب أصحاب المدخرات لتمويل مشروعها، فإن ذلك يعتبر موافقة منهم على المشروع، وإذا لم يُقبل الناس على الاستثمار في المشروع المقترح تمويله، فإن ذلك يدل على عدم قناعتهم بجدواه الاقتصادية، أو بعدم قدرة المشروع على المنافسة مع البدائل الأخرى المتاحة لاستعمال المدخرات.
لماذا لم تستعمل سندات الإجارة والأعيان المؤجرة حتى الآن؟
رغم المزايا الكثيرة التي تتمتع بها سندات الإجارة والأعيان المؤجرة، فإنه لم تقم الحكومات الإسلامية، أو غيرها، باستخدامها كأداة لتعبئة الموارد المالية اللازمة لمشروعاتها التنموية المختلفة، كما لم تقم البنوك الإسلامية باللجوء إليها، سواء في تجهيز السيولة النقدية اللازمة، أم في تمويل الاحتياجات المالية الكبرى، وبخاصة ذات الأجل الطويل. فلماذا لم تمارس الحكومات والبنوك عمليات التمويل عن طريق إصدار سندات إجارة؟
إن الإجابة على هذا السؤال تتضمن نقاطا عديدة نذكر أهمها فيما يلي:
1 -
على الرغم من أن عقد الإجارة عقد قديم جدا، فقد ذكر في القرآن الكريم على عهد موسى، صلى الله عليه وسلم، فإن الإفادة من هذا العقد في العمليات التمويلية المنظمة، على مستوى الأسواق المالية، أمر حديث جدا، لدرجة أن دراسته لم تدخل الكتب المدرسية في التمويل إلا في السنوات الأخيرة فقط. وما زالت الإجارة التمويلية في أوائل طريقها، فهي تعتبر من الممارسات النامية في عالم التمويل المعاصر.
2 -
إن عملية تحويل مجموعة من الموجودات إلى سندات Securitization هي أيضا عملية حديثة جداً. ففيما عدا الأسهم وسندات القرض المعروفة منذ زمن طويل في الغرب، والتي هي في الواقع عملية تجميع مدخرات للقيام بمشروع، وليست تحويل موجودات إلى سندات، فإن عملية التحويل إلى سندات Securitization لم يتم تنظيمها رسميا من قبل هيئة تبادل الأوراق المالية في أمريكا SEC إلا في عام 1992. لذلك يمكن القول، إن فكرة سندات الإجارة والأعيان المؤجرة، التي تستند إلى قضيتي الاستخدام المنظم للإجارة كوسيلة تمويلية، وتحويل الموجودات إلى سندات، هي مسألة حديثة تقترح للجهات المالية كأداة تمويلية جديدة.
3 -
إن الفكر التمويلي الغربي، الذي يجد أمامه سعة كبيرة في مختلف أنواع سندات القرض الربوي، لا يوجد لديه الدافع القوي، أو الحافز الحاد، لابتكار أفكار تمويلية لا تستند إلى المديونية. ذلك لأن الأدوات المالية المستندة إلى المديونية قابلة للتداول عنده على أساس قيمتها الحالية، عند انتقالها من يد لأخرى.
4 -
إن بعض القوانين الغربية تقيد تحويل الموجودات إلى سندات.
فالقانون البريطاني مثلاً يمنع إصدار سندات قابلة للتداول، إذا كانت تمثل أصلا ثابتا واحدا. ولعل هذا المنع ما أعاق التفكير في سندات للإجارة وللأعيان المؤجرة، وبخاصة أنه يقل في الدول الرأسمالية الغربية احتياج الحكومة إلى تمويل مشروعات كبيرة بالإجارة، لأسباب متعددة، من أهمها ضخامة دور القطاع الخاص، وقدرته على تبني المشروعات الاستثمارية الكبيرة، ودرجة النمو الاقتصادي التي وصلتها هذه البلدان، وعراقة السوق التمويلية، وقدرتها على تعبئة الموارد المالية بكميات كبيرة، من خلال الأدوات الربوية وغيرها.
ولقد وجدت حاجة في بعض هذه البلدان، كبريطانيا مثلا، إلى تمويل بعض الموجودات الثابتة، عن طريق إصدار سندات، ولكن القيود القانونية اضطرت المنظرين والممارسين الماليين، معا، إلى اللجوء إلى أفكار أخرى، تتجنب إصدار سندات متداولة، تمثل أصلا واحدا. فظهرت في بريطانيا سندات داخل العقارات Property Income Certificates، وهي سندات تمويل مجرد ترتبط بدخل عمارة معينة، ولكنها لا تمثل – بحال من الأحوال – أي حق ملكية في العمارة.
وتعمل هذه السندات من خلال وسيط مالي، وشركة مديرة للعقار. وقد ساعد على التفكير بهذا الأسلوب، كون العقار موزعا إلى وحدات استعمالية صغيرة، على شكل مكاتب تجارية، لابد لها من إدارة مباشرة، تهتم بشؤون عقود الإجارة الكثيرة مع الساكنين، وتتابع شؤون العمارة المتنوعة. في حين أن سندات الأعيان المؤجرة المقترحة في هذه الورقة تمثل عقد إجارة أحد مع مستأجر واحد، ولا تحتاج – بالضرورة – إلى وسيط مالي، ولا إلى شركة مديرة.
5 -
الاعتبارات الضريبية المعقدة، التي تتعلق بالتمويل بالإجارة في الأنظمة الضريبية الغربية. وهذه الاعتبارات هي من أهم أسباب إعاقة استخدام الإجارة في العمليات التمويلية. ولا شك أن تحويل التمويل بالإجارة إلى سندات، في ظل الأنظمة الضريبية السائدة، في معظم الدول الغربية، يضيف تساؤلات ضريبية جديدة، مما يزيد في تعقيد التحليل الضريبي لسندات الإجارة في الغرب.
6 -
تحريم الربا في الشريعة الإسلامية يجعل الحاجة كبيرة – في الفكر الاقتصادي والمالي الإسلامي – إلى التفكير في وسائل تمويلية، ترتبط ارتباطا محوريا بالتداول السلعي. الأمر الذي أدى إلى البحث عن وسائل للتمويل تعتمد على تملك السلع، والمنافع، وعلى انتقال الملكية من يد إلى يد، وربط العملية التمويلية دائماً بحق الملك وبانتقاله.
يضاف إلى ذلك أن حرمة انتقال الدين، من يد إلى يد، بغير قيمته الأسمية – وهذا نفسه من مقتضيات تحريم الربا – دفع المنظرين والممارسين المسلمين، في عالم المال والاقتصاد، إلى التفكير في أدوات مالية، تقوم على تملك الأعيان، والمنافع، والخدمات، حتى يمكن لهذه الأدوات أن تتداول في السوق دون الوقوع في الممنوعات الشرعية.
7 -
إن انشغال المفكرين الاقتصاديين المسلمين المعاصرين بالمضاربة والمرابحة، كأساسين للوسائل التمويلية الإسلامية، لم يترك لهم مجالا كثيرا للتفكير المنظم بالإجارة كوسيلة تمويلية إسلامية. ومن باب أولى، فقد قلل ذلك من النظر في تحويل الإجارة إلى سندات وبخاصة أن بعضهم يراها مفضولة بالمضاربة.
ومع ذلك فقد ذكر بعضهم شهادات الإجارة، وإن لم يعرفها بشكل يقترب من تعريفنا لها، كما لم يتعرض أحد من الكتاب المسلمين إلى أنواع سندات الإجارة والأعيان المؤجرة، وصورها كما تم في هذا البحث. على أن عددا من الكتاب قد تعرض لإمكان استعمال الإجارة في تعبئة الموارد المالية لتمويل بعض أنواع المشروعات الحكومية والخاصة.
آفاق المستقبل متقرحات لأبحاث جديدة:
يمكن لسندات الإجارة أن تقدم أداة تمويلية قادرة على تعبئة الموارد من صغار المدخرين، كما يمكن النظر إليها على أنها أداة استثمارية، سريعة التحويل إلى نقد بسبب سهولة تداولها. الأمر الذي يجعلها صالحة لاستيعاب الفوائض النقدية للبنوك الإسلامية، والاستثمارات القصيرة الأجل للأموال التي هي قيد الانتظار.
وهي بنفس الوقت أداة تصلح لتمويل التنمية بكل قطاعاتها الرئيسية، سواء في ذلك مشروعات البنية التحتية، أم الخدمات العامة، من ماء، وكهرباء، ومواصلات سلكية أو لاسلكية، ونقل، وغيره، كما تصلح لتمويل المشاريع الإنتاجية الكبيرة.
لذلك نرى أن تعميق وتوسيع البحث العلمي حول سندات الإجارة والأعيان المؤجرة يمكن أن يؤديا دور كبيرا، في إعادة هيكلة تمويل التنمية، في البلدان الإسلامية، وإعادة تشكيل سوق المال، بشكل يجعل منها وسيلة فعالة لدعم التنمية السلعية وتنمية الإنتاج الحقيقي للسلع والخدمات.
ويتأتى على البنوك الإسلامية أن تدرس إمكان إصدار سندات إجارة وأعيان مؤجرة لتمويل كثير من المشروعات الإنمائية في البلدان الإسلامية. ولعله لن يكون بعيدا اليوم الذي نجد فيه شركات متخصصة، تتوسط في إصدار وترويج سندات الإجارة والأعيان المؤجرة، بكل أنواع صورها. بالإضافة إلى إنشاء هيئات حكومية متخصصة في تعبئة الموارد المالية اللازمة للمشروعات التنموية على أساس سندات الإجارة.
وحتى يتسنى ذلك، نقترح أن تركز الأبحاث المستقبلية – في هذا المجال – على المسائل الإجرائية والقانونية اللازمة لإدخال أنواع من سندات الإجارة والأعيان المؤجرة، في أسواق الاستثمار، في البلدان الإسلامية، وأن تكون للبنوك الإسلامية مبادرة في هذا المجال. وذلك خدمة للمستثمر المسلم، ولأهداف التنمية في الدول الإسلامية، مع مراعاة التوجه الربحي للبنك الإسلامي. كما يقترح دراسة المشكلات الضريبية، التي تنشأ عن تطبيق كل من الإجارة، وسندات الإجارة والأعيان المؤجرة في ظل الأنظمة الضريبية، الموجودة في البلدان الإسلامية. وذلك إضافة إلى بعض المسائل الفقهية الجانبية، التي أشرت إليها في طيات البحث.
يضاف إلى ذلك مسألة، تجنبها البحث الراهن، وهي الحصول على الأموال الجاهزة – بواسطة الإجارة – من خلال الإفادة من الموجودات الثابتة المملوكة للمتمول نفسه، سواء أكان حكومة، أم مؤسسة من مؤسسات القطاع الخاص. وهو ما يسمى بالبيع مع شرط الإجارة للبائع Sale and lease Back. والسبب في عدم بحثها هو أنها لا تعتمد على إنتاج عين، توضح في الدورة الاقتصادية، أو منفعة أو خدمة يبرمج إنتاجها، ويلتزم المنتج – من خلال سندات إجارة المنافع والخدمات – بتقديمها لحامل السند. بل إنها تقصد إلى إعادة تمويل Refinancing عين موجودة، بقصد استعمال الأموال الجاهزة لهدف آخر، قد يكون تنمويا، وقد لا يكون.
يضاف إلي تلك، أن مسألة البيع مع شرط الإجارة للبائع تتضمن جوانب شرعية تحتاج إلى اجتهاد جديد، ليس الباحث مؤهلا له. ولكن الموضوع جدير بالاهتمام الشرعي والمالي، نظرا لما يمكن أن يكون له من تطبيقات كثيرة في أسواق التمويل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.