الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النية وأثرها في الأحكام الشرعية
المؤلف/ المشرف:
صالح بن غانم السدلان
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة الخريجي ̈الأولى
سنة الطبع:
1404هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
نية
الخاتمة: وتتضمن تمهيدا وسبع حقائق وثلاث توصيات:
1 -
الحقيقة الأولى: لا عمل إلا بنية.
2 -
الحقيقة الثانية: اعتبار القصد وترتب الأحكام عليه.
3 -
الحقيقة الثالثة: الإيمان قول واعتقاد وعمل.
4 -
الحقيقة الرابعة: القصد يستلزم العلم بالمقصود.
5 -
الحقيقة الخامسة: بطلان عمل من أراد في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له.
6 -
الحقيقة السادسة: النية يقصد منها تمييز العمل وتمييز المعمول له.
7 -
الحقيقة السابعة: النية داخله تحت الاختيار.
1 -
التوصية الأولى: صحة النسبة والأمانة في النقل.
2 -
التوصية الثانية: لزوم الأدب وقصد بيان الحق.
3 -
التوصية الثالثة: معرفة منزلة العلماء والاعتراف لهم بالفضل والابتعاد عن الغرور بالنفس.
تمهيد: لا شك أن البحث الذي طرقته بحث مترامي الأطراف متعدد الأهداف داخل في كل غرض ومقصد وشامل لكل عمل قولي أو فعلي من أعمال القلوب أو الجوارح أو منهما جميعا وإذ كان الأمر كذلك. وقد بينت فيما مضى ما يتعلق بذلك من المباحث التي رأيت أن لها تعلقا بالمقصود وثيق.
فأني في هذه الخاتمة استخلص الحقائق والنتائج وأكتب التوصيات التي أرى أن تدوينها وذكرها مما يكمل الموضوع ويوضح المقصود ويجمع المتفرق من هذا البحث وبيان ذلك في سبع حقائق وثلاث توصيات.
الحقيقة الأولى: "لا عمل إلا بنية" يستدل لهذه الحقيقة بالنصوص الكثيرة من كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم واتفاق علماء الأمة.
أ- نصوص الكتاب: من هذه النصوص قول الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5]. وقوله تعالى {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ} [الزمر: 2] وقوله تعالى {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ} [الزمر: 11 - 12] فهذه الآيات صريحة في الأمر بالإخلاص وأنه شرط لصحة العمل ومدار الإخلاص على النية "والمخلص هو الذي لا يبالي لو خرج كل قدر له في قلوب الناس من أجل صلاح قلبه مع الله عز وجل ولا يحب أن يطلع الناس على مثاقيل الذر من عمله"[شرح حديث إنما الأعمال بالنيات لابن تيمية ص20] وحقيقة الإخلاص "تخليص القلب من شائبة الشوب المكدر لصفائه، وتحقيقه أن كل شيء يتصور أن يشوبه غيره فإذا صفا عن شوب وخلص عنه يسمى خالصا، ويسمى الفعل المخلص أخلاصا قال الله تعالى {مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا} [النحل: 66] وخلوص اللبن أن لا يكون فيه شوب من الرفث والدم"[أحياء علوم الدين ج4 ص367] وخلوص العمل أن يخلص من مبطل أو قادح أو منقص للثواب ومدار ذلك كله على النية وذلك يختلف في حق كل إنسان بحسب التقوى والطاعة والخشوع والخضوع والحضور أو بعكس ذلك من الفجور والمعصية والسخرية والكبر وتشتت القلب في أودية الدنيا ومتاهاتها التي تبعد بالقلب عن الإخلاص وصدق النية وصلاح العمل ولهذا جعل الله الإخلاص في مقدمة الأوامر التي كلف عباده بها قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5].
ب- نصوص السنة: ورد في السنة نصوص كثيرة تدل على ما دل عليه الكتاب من أن النية شرط لصحة:
1 -
العمل وأنه لا عمل شرعي قولي أو فعلي إلا بالنية قال عليه الصلاة والسلام ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)).
2 -
وفي حديث سعد بن أبي وقاص حيث زاره من مرض ألم به فقال له يا رسول الله ((بلغ بي من الوجع ما ترى وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي أفأتصدق بثلثي مالي قال: لا، قلت: بالشطر، قال: لا، قلت: الثلث، قال: الثلث، والثلث كثير تدع ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ولن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في فيّ امرأتك)).
3 -
حديث أبي كبشة الأنماري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((ثلاث أقسم عليهن وأحدثكم حديثا فاحفظوه، قال: ما نقص مال عبد من صدقة وما ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله عزاً، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقراً وكلمة نحوها، وأحدثكم حديثا فاحفظوه، قال إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالا وعلما فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم لله فيه حقا فهذا بأفضل المنازل وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا فهو صادق النية يقول: لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان فهو نيته فأجرهما سواء. وعبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علما فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم لله فيه حقا فهذا بأخبث المنازل. وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما فهو يقول: لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو نيته فوزرهما سواء)).
4 -
وفي الحديث ((إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمله وهو صحيح مقيم)).
ج- وتكلم العلماء في بيان حقيقة النية وحكمها ومنزلتها من العمل وأنه لا ثواب إلا بالنية وأن ذلك شامل للأقوال والأفعال وما ركب منهما.
1 -
أما حقيقة النية "فقيل هي الطلب وقيل الجد في الطلب ومنه قول ابن مسعود" من ينو الدنيا تعجزه "أي من يجد في طلبها وقيل القصد للشيء بالقلب وقيل عزيمة القلب وقيل هي من النوى بمعنى البعد فكأن الناوي للشيء يطلب بقصده وعزمه ما لم يصل إليه بجوارحه وحركاته الظاهرة لبعده عنه فجعلت النية وسيلة إلى بلوغه" والله أعلم [طرح التثريب ج2 ص7].
والنية شرعا قصد الطاعة والتقرب إلى الله تعالى في إيجاد الفعل، وأما أفعال الترك فلا يتقرب بها إلا إذا قصد تركها فتكون نية الترك فعلا حيث توجه إليه قصد القاصد بالرفض والاجتناب" [الأشباه والنظائر لابن نجيم ص29، القواعد والفوائد الأصولية ص62].
2 -
حكم النية "وأما حكم النية فإن العلماء مجمعون على اشتراط النية في جميع العبادات وخالف بعضهم في العبادة التي تكون وسيلة لا مقصدا كالوضوء [طرح التثريب ج2 ص11، وبداية المجتهد ج1 ص7، والإفصاح ج1 ص175]. وجميع الأعمال التي تشترط لها النية تترتب على النية صحة وفسادا أما الثواب والعقاب في الآخرة فإن العلماء قاطبة مجمعون على أنه لا ثواب ولا عقاب إلا بالنية يدل على ذلك قوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء} [البينة: 5] [الأشباه والنظائر لابن نجيم ص19]. "وأما الأمور العادية التي يمكن أن تكون في بعض أحوالها عبادية فلا تحصل الإثابة عليها إلا بالنية. إذا نوى بها العبادة كالأكل والشرب إذا نوى بهما التقوى على الطاعة والنوم إذا قصد به ترويح البدن للعبادة والوطء إذا أراد به التعفف عن الفاحشة. "قال عليه الصلاة والسلام"((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)). فيه تحقيق لاشتراط النية والإخلاص في الأعمال. ووجهه تكرار اللفظ في قوله صلى الله عليه وسلم ((وإنما لكل امرئ ما نوى)) فلو اقتصر على اللفظ الأول لا تقضي صحة النية فلا تعيين فدل على أنه لابد من تعيين العمل بالنية وتحديد نوعه.
وأما الأعمال التي ظاهرها القربة وأن كان موضوع فعلها للعبادة إذا فعلها المكلف عادة لم يترتب على مجرد الفعل وأن كان الفعل صحيحاً حتى يقصد به العبادة" [طرح التثريب ج1 ص10 - 11].
وإذ تقرر وجوب النية في كل عمل فإن العلماء مختلفون هل هي شرط أو ركن والتحقيق أنها شرط لأن الشرط يوجد قبل العبادة ويستمر معها بخلاف الركن فأنه قد يكون في أول العبادة أو وسطها أو آخرها وهذا ما لا يتفق مع النية [طرح التثريب ج2 ص11، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص21، رحمه الأمة في اختلاف الأئمة ص14].
3 -
وأما منزلة النية فإنها عظيمة بل إن مدار العمل صحة وفسادا وقوة وضعفا على النية بل إن النية أصل عظيم من أصول الدين بل هي أصل كل عمل [شرح حديث إنما الأعمال بالنيات لابن تيمية ص10] ولهذا جعلها النبي صلى الله عليه وسلم شرطا لصحة العمل وحصر جميع الأعمال الصحيحة أو المقبولة بالنية فقال صلى الله عليه وسلم ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)).
والأعمال تتنوع إلى فعل وقول وحركة وسكون وجلب ودفع وفكر وذكر وعادي وعبادي ولا يميز ذلك إلا النية [إحياء علوم الدين ج4 ص357] وأعظم ذلك الإخلاص الذي هو أصل الدين ومن أجله خلق الله الخلق وأرسل الرسل.
"الحقيقة الثانية""اعتبار القصد وترتب الأحكام عليه""أن من عمل عملا ولم ينوه ولم يقصده لعارض كالنوم أو النسيان ونحو ذلك فإن هذا العمل لا يترتب عليه من الآثار والأحكام ما يترتب على من قصد العمل وأراده ولهذا فإنه لا يؤاخذ الناسي والمخطئ إذ أنه لم يقصد ما فعله ولكن ليس هذا على إطلاقه فإنه يفرق بين الخطأ في الأحكام وبين الإتلاف في الأموال والتعدي على الأنفس بقتل أو جرح، فإذا كان الخطأ أو النسيان في شيء من الأحكام التي لا تتضمن إتلافاً واعتداء فإنه معفو عن خطئه ونسيانه. وإنما تبقى عليه الإعادة. إذا كان النسيان حصل بسببه إتلاف مال لأحد لزمه ضمان فإن تعلق حكم الضمان بذات المال أقوى من تعلقه بالنية"[القواعد والأحكام الأصولية للبعلي ص15، الأحكام في أصول الأحكام للآمدي ج1 ص153].
"الحقيقة الثالثة""الإيمان قول واعتقاد وعمل": الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح فلو حصل القول والعمل وتخلف الاعتقاد لم يكن الإيمان صحيحاً لقوله عليه الصلاة والسلام ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)) ومحل النية القلب وعمل القلب الاعتقاد فإذا لم يعتقد القلب الإيمان بالله لم يكن هذا الإيمان صحيحاً ولو نطق بلسانه لقول الله تعالى {إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1] ذلك أنهم لم يعتقدوا بقلوبهم ما نطقت به ألسنتهم ولهذا يعد من ذهب إلى أن الإيمان قول باللسان وأن لم يحصل الاعتقاد بالقلب مبتدعا في الدين مخالفا لما دل عليه القرآن والسنة واعتقده سلف هذه الأمة [الملل والنحل ج1 ص145 - 154].
الحقيقة الرابعة "القصد يستلزم العلم بالمقصود" المراد من هذه الحقيقة أن من قصد إلى عمل وأراد القيام به فلابد أن يسبق ذلك العلم به سواء كان ذلك من أعمال القلوب أو أعمال الجوارح قال الله جل وعلا {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} [محمد: 19] وذلك أن النية شرط في صحة العمل ولابد أن يسبق هذه النية العلم بالمنوي، وإلا كيف يتصور أن يكون عملا موافقا لمراد الشارع إذ أن التعبد على التوقيف فلابد أن يسبق العمل العلم قال الله تعالى {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9] ميز الله بين من يعلم ومن لا يعلم بالحكم عليهم بأنهم لا يستوون ومن أبرز مظاهر التمييز بين العالم والجاهل صحة العمل الذي يوافق ما شرعه الله، وقال صلى الله عليه وسلم ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) وقال البخاري باب العلم قبل القول والعمل، وغير ذلك من الأدلة التي تقرر صحة هذه الحقيقة وأنها أصل أصيل في قواعد الدين.
الحقيقة الخامسة: بطلان عمل من أراد بتكاليف الشريعة غير ما شرعت له". لا يجوز لأحد ممن يدين بالإسلام ويرضاه دينا أن يقصد إلى مخالفة ما أراد الشارع من شرع الأحكام وبهذا يغلق باب الحيل التي يقصد منها الاحتيال على أحكام الشرع [الموافقات في أصول الأحكام ج2 ص244] والتوصل بها لأغراض ومقاصد غير مشروعه سواء كانت هذه المقاصد تتناقض مع أصول الإيمان وقواعده أو تخالف المقصود من أحكامه وشرائعه فكل الحيل التي من هذا النوع صاحبها مذموم وقد يصل الذم به إلى أخراجه من دائرة الإسلام إذا كان احتياله على أصول الدين وأركانه الأساسية يدل لذلك نصوص من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
1 -
نصوص القرآن: قال الله تعالى {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَاّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 8 - 9] فذمهم الله تعالى وتوعدهم وشنع عليهم مسلكهم الذي تظاهروا به وحقيقة أنهم أظهروا كلمة الإسلام إحرازا لدمائهم وأموالهم لا لما قصد له في الشرع من الدخول تحت طاعة الله على اختيار وتصديق قلبي. وبهذا المعنى كانوا في الدرك الأسفل من النار، وقال فيهم أنهم يخادعون الله والذين آمنوا وقالوا عن أنفسهم {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ} [البقرة: 14] لأنهم تحيلوا بملابسة الدين وأهله إلى أغراضهم الفاسدة، وقال تعالى:{وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَاحًا} [البقرة: 228] إلى قوله {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229] أن الطلاق كان في أول الإسلام إلى غير عدد فكان الرجل يرتجع المرأة قبل أن تنقضي عدتها ثم يطلقها ثم يرتجعها كذلك قصدا فنزلت {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} ونزل مع ذلك {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا} [البقرة: 229] الآية فيمن كان يضار المرأة حتى تفتدي منه، وهذه كلها حيل على بلوغ غرض لم يشرع ذلك الحكم لأجله [الموافقات ج2 ص281]، "وعذب الله أمة بحيلة أحتالوها فمسخهم قرده وسماهم معتدين وجعل ذلك نكالا وموعظة للمتقين ليتعظوا بهم ويمتنعوا من مثل فعلتهم" [المغني ج2 ص63]. قال الله تعالى {واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 163] فقوله تعالى: {كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} ، أشارة إلى أن الله يبتلي المحتال على دينه وشرعه فيستدرجه من حيث لا يعلم ويزين له ما نهاه عنه أمعانا في تعزيره وابتلائه وهذا مثل قوله تعالى {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5] والمعنى لما مالوا عن الحق أمال الله قلوبهم عن الهدى [القرطبي ج7 ص305 ج18 ص82] وذلك أن الأعمال تابعة لمقاصدها ونياتها وأنه ليس للعبد من ظاهر قوله وعمله إلا ما نواه وأبطنه لا ما أعلنه وأظهره.
2 -
النصوص من السنة: قال الرسول صلى الله عليه وسلم ((لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعها)). ((ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله والواشمة والمستوشمة والمصور)) ((ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال)).
فهذه النصوص صريحة في تحريم الحيل ومنعها وأن فاعلها مستحق للعن لما يترتب عليها من المفاسد والمضار التي تتناقض مع ما قصده الشارع من مشروعية الحكم فآكل الربا ذمه الله لما يستحله بالتدليس والمخادعة فيظهر من عقد التبايع ما ليس له حقيقة، والواشمة والمستوشمة والمتشبهين من الرجال بالنساء والمشتبهات من النساء بالرجال لعنهم الله وذمهم لما ارتكبوه من التدليس والتلبيس وتغيير خلق الله. "وهذه الحيل تناقض سد الذرائع مناقضة ظاهره فأن الشارع يسد الطريق إلى المفاسد بكل ممكن، والمحتال يفتح الطريق إليها بحيله"[أعلام الموقعين ج3 ص171]. ومما تقدم تتقرر الحقيقة التي نحن بصددها وهي بطلان عمل من أراد في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له وهو أن يظهر عقدا حلالا يريد به محرما، مخادعة وتوسلا على فعل ما حرم الله واستباحة محظوراته أو إسقاط واجب أو دفع حق ونحو ذلك، فكل من ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له فقد ناقض الشريعة وكل من ناقضها فعمله باطل سواء كان ذلك يف الأمور الظاهرة كالصلاة والزكاة والصيام وسائر العقود أو الأمور الباطنة وهو ما يعود إلى النية والقصد وقد فصل القول في ذلك كله وأوضحه من أعطى جوامع الكلم واختصر له الكلام اختصارا في قوله صلى الله عليه وسلم ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)).
الحقيقة السادسة: "النية يقصد منها تمييز العمل وتمييز المعمول له" معنى هذه الحقيقة أن النية تتعلق بأمرين:
1 -
تمييز العمل:
أ- تمييز العادة من العبادة: كثير من العبادات تشبه العادات وتماثلها وذلك كالغسل للتبرد والغسل لرفع الحدث، ودفع المال أجرة أو صدقة أو زكاة، والسفر إما للجهاد أو السياحة أو طلب العلم وأمثال هذه كثير ولا يميز هذه الأمور ويفصل بعضها عن بعض إلا النية" [قواعد الأحكام ج1 ص207]. ب- تمييز رتب العبادات بعضها من بعض: العبادات متفاوتة في رتبها فمنها الفرض والنفل، والفرض منه ما يكون إيجابه من قبل الشارع ومنه ما يكون من قبل المكلف فما يكون قبل الشارع كالصلاة والزكاة، وما يكون من قبل المكلف كالنذر والكفارة. والنفل منه ما هو مقيد ومنه ما هو مطلق ولا يميز هذا التفاوت إلا النية فإذا قصد المكلف عبادة فلابد أن يميزها بالنية فرضا أو نفلا مطلقا أو مقيداً أو غير ذلك ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم وكل ذلك إلى النية فقال ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)).
2 -
تمييز المعمول له: شرع الله من العبادات والتكاليف المالية والبدنية ما هو مركب في المال والبدن وهذه العبادات لا تكون قربه وعباده على الوجه الصحيح إلا إذا كانت خالصة موافقة لهدى النبي صلى الله عليه وسلم ولا يحقق هذا ويميزه إلا النية وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة وحمية ورياء فأي ذلك في سبيل الله:_ ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله))، تميز بهذا الحديث أهل الإخلاص من أهل الرياء وأصل ذلك النية فإذا نوى بعمله الله والدار الآخرة كان عمله صحيحا مثابا عليه لأنه قصد بالعبادة ما شرعت له وأن قصد بعمله الدنيا "مالا وجاها ومدحا وثناء وتعظيماً وغير ذلك" كان له ما نوى فبكذا يحصل التمييز بالنية بين عمل وعمل ومعمول له ومعمول له [انظر شرح حديث إنما الأعمال بالنيات لابن تيمية ص16، قواعد الأحكام ج1 ص207، الأشباه والنظائر للسيوطي ص8].
الحقيقة السابعة: "النية داخلة تحت الاختيار": وإذا كانت النية بهذه المنزلة التي مر إيضاحها في المباحث والحقائق السابقة وأن لها تأثيرا كبيرا في العمل فهو مرتبط بها صحة وفسادا فهل المكلف قادر على توجيه نيته وتحديدها أم أن النية أمر قهري لا سلطان للمكلف عليها ولا يستطيع التصرف فيها؟ فالجواب [الموافقات ج2 ص76] أن يقال بأن النية عمل القلب وعمل القلب مطاق للمكلف مقدور له داخل تحت الاختيار [إغاثة اللهفان ج1 ص156 - 159] فهو مأمور بإخلاص النية وتصفيتها وتحديد المقصود بها. ومنهي عن الاشتراك في النية وعدم تصفيتها وأن ينحرف بنيته إلى غير ما أمر به وهذه أمور باستطاعة المكلف وقدرته ولو لم يكن كذلك لكان الأمر بالإخلاص والنهي عن الإشراك تكليفا بما لا يطاق والله سبحانه وتعالى لم يكلفنا بما لا نطيق ولا نستطيع أن الله سبحانه يسر على خلقه فدفع عنهم ما فيه مشقة وحرج. قال تعالى {يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28] وقال تعالى {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78][تفسير القرطبي ج5 ص148 - 149، ج12 ص100] وإذا فإن الإنسان قادر على تحدد نيته وتوجيهها وإخلاصها كما أنه قادر على صرف نيته عما لم يرد منه شرعا ذلك أن الله ركب في الإنسان العقل وجعل له أرادة واختيار وأبان له طريق الخير ووضحه له ودعاه إليه. ووعده على ذلك [تفسير النسفي ص693، 696] الأجر العظيم والثواب الجزيل كما أنبا له طريق الشر وحذره منه وتوعده على ارتكابه ورتب على ذلك العقوبة في الدنيا والعذاب في الآخرة وذلك بإرسال رسله وإنزال كتبه وبيان الحجة وأضاع المحجة قال تعالى: {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165] وقال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: 15] فالنية من أعمال المكلفين التي يطيقونها ويقدرون عليها وما على المكلف إلا الأخذ بالأسباب التي تؤدي إلى أخلاص النية وذلك بالتعرف على الله في التأمل في بديع صنعه وعظيم نعمه وينظر في عظيم ثواب الطائع وعظيم عقوبة العاصي وينظر في الفوائد التي تعود عليه من الطاعات في الدنيا والآخرة فعند ذلك تنبعث النفس إلى القيام بطاعة الله صادقة مخلصة، وإذا كان الغالب على العبد أمر الآخرة وامتلأ قلبه بحب الله وخوفه ورجائه سهل عليه استحضار النية لأن قلبه مائل إلى الخير باستمرار.
وإذا أخذ بالأسباب التي تصرفه عن طاعة الله فمال إليها وتعلق بها كان جزاؤه أن يحبها ويألفها فيصعب عليه أخلاص النية وترك المعصية قال تعالى {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [الصف: 5] وقال تعالى {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا} [فاطر: 8] فلا شك [إغاثة اللهفان ج1 ص83] إن الأخذ بأسباب المعاصي والذنوب يقسي القلوب ويضعف الإخلاص وكلما زادت المعاصي اشتدت قسوة القلب وابتعد عن طاعة الله ومما قيل في هذا المعنى:
رأيت الذنوب تميت القلوب. وقد يورث الذل إدمانها.
وترك الذنوب حياة القلوب. وخير لنفسك عصيانها
[إعلام الموقعين] ً.
وإذا تقرر أن النية داخله تحت الاختيار وأن بإمكان العبد توجيه نيته إلى الخير أو الشر بمحض أرادته واختياره فليس في استحضارها مشقة ولا عنت كما يدعي ذلك بعض أرباب السلوك وقد نقل [إحياء علوم الدين ج4 ص362 - 364] الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين حكايات عن بعض السلف في تكلفهم النية وموقفهم عن العمل أيام حتى تحضرهم النية لذلك العمل فهذه الحكايات التي ذكرها أن صحت عمن نقلها عنهم فهي مجرد رأي خاص لا يعول عليه ولا يجعل قاعدة من قواعد الدين وهو تكلف [إغاثة اللهفان ج1 ص339، تفسير القرطبي ج15 ص231] لم يعرف مثله في استحضار النية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد أصحابه ولم يكن معروفا ولا مشهورا بين السلف ولم يقم به أئمة هذه الأمة وعلماؤها المحققون فلا ينبغي أن يعول عليه ولا يلتفت إليه.
وبعد ذكر هذه الحقائق السبع التي هي خلاصة ما مر في هذا البحث فمن المناسب ختمه بثلاث توصيات ينبغي أن يأخذ بها كل باحث وكاتب.
التوصية الأولى: صحة النسبة والأمانة في النقل: لاشك أن كل باحث وكاتب بحاجة إلى الرجوع إلى كلام من سبقه والاستفادة ممن تقدمه من العلماء على اختلاف طبقاتهم الذين تزخر المكاتب الإسلامية بمفاخرهم ومآثرهم العظيمة وفي ثنايا البحث والتفتيش والتنقيب عن المسائل سيجد الباحث أمامه في المصادر التي يرجع إليها ما يشيع نهمته ويحقق رغبته فعليه حينئذ أن يعترف بالحق لأصحابه وأن ينسب الفضل لأهله قال تعالى في صفات عباده المؤمنين {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} الحشر: 10] [القرطبي ج8 ص31 - 32 - 33]. وعلى الباحث أذن أن يلتزم أمورا أهمها:
1 -
دقة النقل: على الباحث أن يكون دقيقا فيما ينقله من كلام العلماء السابقين فإذا أراد أن يدلل على ما يقوله ويؤيده بكلام من سبقه فليكن دقيقا متفهما للكلام الذي يريد أن يؤيد به صحة ما يذهب إليه.
2 -
صحة النسبة: وكما ينبغي على الباحث أن يكون دقيقا في نقله فإنه يتعين عليه أن يكن صادقا في نسبة الأقوال والمذاهب إلى أربابها وأن لا يكون متساهلا في ذلك فإن نسبة قول إلى غير قائله كذب وظلم والله سبحانه يقول {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ} [النحل: 105] فمن تعمد الكذب على أحد العلماء ليصحح قوله ويؤيد مذهبه فله نصيبه من هذه الآية.
3 -
الأمانة في النقل: النقل إما أن يكون باللفظ أو أن يكون بالمعنى. وقد وضع لذلك اصطلاحات وقواعد يسلكها الباحثون في التمييز بين ما نقله باللفظ وبين ما نقله بالمعنى فعلى الباحث أن يكون عارفا بالقواعد والاصطلاحات التي تعينه على الأمانة في النقل.
التوصية الثانية: لزوم الأدب وقصد بيان الحق: أن الباحث في أثناء البحث والتفتيش والتحقيق والموازنة وطلب الدليل سيجد أقوالا وآراء تخالف ما يذهب إليه وربما تكون في نظره مخالفة للدليل أو للقول الصحيح الذي يعلمه وهو لا ضير عليه أن يقول الحق ويبين الصواب ولكن يلزمه في أثناء الرد على القول المخالف:
1 -
أن يلزم الأدب وأن يختار الأسلوب المناسب لمقام العلماء وأن يبتعد كل الابتعاد عن بذاءات اللسان وفحش القول وازدراء آراء الآخرين [تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم لابن جماعة الكناني ص41].
2 -
أن يحاول بيان الحق بدليله وأن لا يخفى شيئا من أدلة المخالف بل يعرضها بأمانة ونزاهة تامة ثم يرد عليها ردا يهدف فيه إلى قول الحق وبيانه [تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم ص30 و 42، وأخلاق العلماء لأبي بكر الآجري ص40 - 41 ط دار الكتاب العربي].
التوصية الثالثة: معرفة منزلة العلماء والاعتراف لهم بالفضل والابتعاد عن الغرور بالنفس على الباحث أن لا يلوم العلماء في اختلافهم وتعدد أقوالهم وتنوع اجتهاداتهم وأن يعلم أنهم خير الأمة [تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم لابن جماعة الكناني ص6 - 7 ط دار الكتب العلمية] وأفضلها قال تعالى {شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ} [آل عمران: 18]. وقال تعالى {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} [فاطر: 28] وأن يعتقد أن العلماء العاملين المأمونين المقبولين عند الأمة لا يقصد أحد منهم مخالفة الدليل ولا يقول بخلافه ولكن هناك أسباب وأعذار جعلت علماء الأمة يختلفون في المسائل الفرعية. فقد يقول أحدهم قولا يخالف الدليل الثابت عن رسول الله أما:
1 -
أن يرى أن ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منسوخا.
2 -
أن يعتقد أن قول الرسول ليس متناولا ولا داخلا في ما يقوله ويذهب إليه.
3 -
أن لا يبلغه ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم فيقول بخلافه. وقد صنف شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك كتابا سماه "رفع الملام عن الأئمة الأعلام" ضمنه الأسباب التي جعلت علماء هذه الأمة يختلفون في بعض المسائل الفرعية. وهو كتاب جليل نافع يكسب الناظر فيه علما بأسباب الخلاف. والحمد لله أولا وآخر وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.