الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
4 ــ قدح الساخط ومدح المحب ونحو ذلك
كلام العالِم في غيره على وجهين:
الأول: ما يخرج مخرج الذمّ بدون قصد الحكم. وفي "صحيح مسلم"
(1)
وغيره من حديث أبي هريرة سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "اللهم إنما محمد بشر، يغضب كما يغضب البشر، وإني قد اتخذت عندك عهدًا لم تخلفنيه، فأيما مؤمن آذيته أو سَبَبْته أو جلدته فاجعلها له كفارةً وقُربةً تُقرِّبه بها إليك يوم القيامة". وفي رواية: "فأيّ المسلمين آذيته شتمته لعنته جلدته فاجعلها له صلاة
…
".
وفيه
(2)
نحوه من حديث عائشة ومن حديث جابر، وجاء في هذا الباب عن غير هؤلاء، وحديث أبي هريرة في "صحيح البخاري"
(3)
مختصرًا.
ولم يكن صلى الله عليه وآله ومسلم سبّابًا ولا شتّامًا ولا لعّانًا، ولا كان الغضب يخرجه عن الحق، وإنما كان كما نَعَتَه ربُّه عز وجل بقوله:[1/ 53]{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] وقوله تعالى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159] وقوله عز وجل: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ
(1)
(2601). وأخرجه أحمد في "المسند"(10403). والرواية الأخرى عند مسلم أيضًا.
(2)
حديث عائشة رقم (2600) وحديث جابر (2602).
(3)
(6361).
رَحِيمٌ} [التوبة: 128]. وإنما كان يرى من بعض الناس ما يضرهم في دينهم أو يُخِلُّ بالمصلحة العامّة أو مصلحة صاحبه نفسه، فيكره صلى الله عليه وآله وسلم ذلك وينكره، فيقول:"ما له تربت يمينه"
(1)
ونحو ذلك مما يكون المقصود به إظهار كراهية ما وقع من المدعوّ عليه وشدة الإنكار لذلك. وكأنه ــ والله أعلم ــ أطلق على ذلك سبًّا وشتمًا على سبيل التجوُّز بجامع الإيذاء. فأما اللعن فلعله وقع الدعاء به نادرًا عند شدة الإنكار. ومن الحكمة في ذلك إعلام الناس أن ما يقع منه صلى الله عليه وآله وسلم عند الإنكار كثيرًا ما يكون على وجه إظهار الإنكار والتأديب، لا على وجه الحكم. وفي مجموع الأمرين حكمة أخرى، وهي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد علم من طباع أكثر الناس أن أحدهم إذا غضب جرى على لسانه من السبّ والشتم واللعن والطعن ما لو سُئل عنه بعد سكون غضبه لقال: لم أقصد ذلك ولكن سبقني لساني، أو لم أقصد حقيقته ولكني غضبت. فأراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن ينبه أمته على هذا الأصل ليستقر في أذهانهم، فلا يحملوا ما يصدر عن الناس من ذلك حالَ الغضبِ على ظاهره جزمًا.
وكان حذيفة ربما يذكر بعض ما اتفق من كلمات النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند غضبه، فأنكر سلمان الفارسي ذلك على حذيفة رضي الله عنهما، وذكر هذا الحديث
(2)
. وسئل بعض الصحابة ــ وهو أبو الطفيل
(1)
بهذا اللفظ أخرجه أبو يعلى (4220)، وأخرجه أبو داود (186) وأحمد (18212) وغيرهما بلفظ:"تربت يداه" من حديث المغيرة بن شعبة، وأخرجه أحمد (12609) بلفظ:"تربت جبينه" من حديث أنس بن مالك.
(2)
أخرجه أحمد (23721) وأبو داود (4659).
عامر بن واثلة ــ عن شيء من ذلك، فأراد أن يخبر، وكانت امرأته تسمع، فذكَّرتْه بهذا الحديث، فكفَّ
(1)
. فكذلك ينبغي لأهل العلم أن لا ينقلوا كلمات العلماء عند الغضب، وأن يراعوا فيما نُقل منها هذا الأصل.
بل قد يقال: لو فُرض أن العالم قصد عند غضبه الحكم لكان ينبغي أن لا يعتدَّ بذلك حُكْمًا. ففي "الصحيحين"
(2)
وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "لا يقضينَّ حَكَمٌ بين اثنين وهو غضبان" لفظ البخاري. والحكم في العلماء والرواة يحتاج إلى نظر وتدبُّر وتثبُّت أشدَّ مما يحتاج إليه الحكم في كثير من الخصومات. فقد تكون الخصومة في عشرة دراهم، فلا يخشى من الحكم فيها عند الغضب إلا تفويت عشرة [1/ 54] دراهم. فأما الحكم على العالم والراوي، فيخشى منه تفويت علم كثير، وأحاديث كثيرة، ولو لم يكن إلا حديثًا واحدًا لكان عظيمًا.
ومما يخرج مخرج الذم لا مخرج الحكم: ما يقصد به الموعظة والنصيحة. وذلك كأن يبلغ العالِمَ عن صاحبه ما يكرهه له، فيذمه في وجهه أو بحضرة من يبلغه، رجاء أن يكفَّ عما كرهه له. وربما يأتي بعبارة ليست بكذب، ولكنها خشنة موحشة، يقصد الإبلاغ في النصيحة، ككلمات الثوري في الحسن بن صالح بن حيّ
(3)
، وربما يكون الأمر الذي أنكره أمرًا لا بأس
(1)
أخرجه الطبراني في "الأوسط"(2309) وقال الهيثمي في "المجمع": (8/ 479): "فيه عبد الوهاب بن الضحاك وهو متروك".
(2)
البخاري (7158) ومسلم (1717) من حديث أبي بكرة رضي الله عنه.
(3)
انظر "تهذيب التهذيب": (2/ 285).
به، بل قد يكون خيرًا، ولكن يخشى أن يجرَّ إلى ما يكره، كالدخول على السلطان، وولاية أموال اليتامى، وولاية القضاء، والإكثار من الفتوى. وقد يكون أمرًا مذمومًا، وصاحبه معذور، ولكن الناصح يحب لصاحبه أن يعاود النظر أو يحتال أو يخفي ذاك الأمر. وقد يكون المقصود نصيحة الناس لئلا يقعوا في ذلك الأمر؛ إذ قد يكون لمن وقع منه أولًا عذر ولكن يخشى أن يتبعه الناس فيه غير معذورين. ومن هذا: كلمات التنفير التي تقدمت الإشارة إليها في الفصل الثاني
(1)
.
وقد يتسمَّح العالم فيما يحكيه على غير جهة الحكم، فيستند إلى ما لو أراد الحكم لم يستند إليه، كحكاية منقطعة، وخبر من لا يُعَدُّ خبرُه حجة، وقرينة لا تكفي لبناء الحكم ونحو ذلك. وقد جاء عن إياس بن معاوية التابعي المشهور بالعقل والذكاء والفضل أنه قال:"لا تنظر إلى عمل العالم، ولكن سله يصدقك"
(2)
. وكلام العالم ــ إذا لم يكن بقصد الرواية، أو الفتوى، أو الحكم ــ داخل في جملة عمله الذي ينبغي أن لا يُنظر إليه. وليس معنى ذلك أنه قد يعمل ما ينافي العدالة، ولكن قد يكون له عذر خفي، وقد يترخَّص فيما لا ينافي العدالة، وقد لا يتحفظ ويتثبت، كما يتحفظ ويتثبت في الرواية والفتوى والحكم.
هذا، والعارف المتثبت المتحرِّي للحق لا يخفى عليه ــ إن شاء الله تعالى ــ ما حقُّه أن يُعَدَّ من هذا الضرب، مما حقُّه أن يعَدَّ من الضرب الآتي.
(1)
تقدمت الإشارة إلى ذلك وغيره (ص 13 - 19).
(2)
انظر "تهذيب الكمال": (1/ 308) للمزي.
وأن ما كان من هذا الضرب، فحقه أن لا يُعتدَّ به على المتكلَّم فيه ولا على المتكلِّم. والله الموفق.
الوجه الثاني: ما يصدر على وجه الحكم فهذا إنما يُخشى فيه الخطأ. وأئمة الحديث عارفون، [1/ 55] متبحرون، متيقظون يتحرَّزون من الخطأ جهدهم، لكنهم متفاوتون في ذلك. ومهما بلغ الحاكِم من التحري فإنه لا يبلغ أن تكون أحكامه كلها مطابقة لما في نفس الأمر. فقد تسمع رجلًا يخبر بخبر، ثم تمضي مدة، فترى أن الذي سمعت منه هو فلان، وأن الخبر الذي سمعته منه هو كيت وكيت، وأن معناه كذا، وأن ذاك المعنى باطل، وأن المخبِرَ تعمَّد الإخبار بالباطل، وأنه لم يكن له عذر، وأن مثل ذلك يوجب الجرح. فمن المحتمل أن يشتبه عليك رجل بآخر، فترى أن المخبر فلان، وإنما هو غيره. وأن يشتبه عليك خبر بآخر، إنما سمعت من فلان خبرًا آخر، فأما هذا الخبر فإنما سمعته من غيره. وأن تخطيء في فهم المعنى، أو في ظن أنه باطل، أو أن المخبر تعمَّد، أو أنه لم يكن له عذر، أو أن مثل ذلك يوجب الجرح، إلى غير ذلك.
وغالب الأحكام إنما تُبنى على غلبة الظن، والظن قد يخطئ، والظنون تتفاوت. فمن الظنون المعتدّ بها: ما له ضابط شرعي، كخبر الثقة. ومنها: ما ضابطه أن تطمئن إليه نفسُ العارف المتوقي المتثبت بحيث يجزم بالإخبار بمقتضاه طيّبَ النفس منشرحَ الصدر. [والنفوس تختلف في المعرفة والتوقي والتثبُّت]
(1)
فمن الناس من يغتر بالظن الضعيف، فيجزم. وهذا هو الذي يطعن
(1)
ما بين المعكوفين استدركناه من "تعزيز الطليعة"(ص 179).
أئمة الحديث في حفظه وضبطه، فيقولون:"يحدث على التوهم ــ كثير الوهم ــ كثير الخطأ ــ يهم ــ يخطئ". ومنهم المعتدل، ومنهم البالغ التثبُّت.
كان في اليمن في قَضاء الحُجَرية قاض كان يجتمع إليه أهل العلم ويتذاكرون، وكنت أحضر مع أخي، فلاحظتُ أن ذلك القاضي ــ مع أنه أعلم الجماعة فيما أرى ــ لا يكاد يجزم في مسألة، وإنما يقول:"في حفظي كذا، في ذهني كذا" ونحو ذلك. فعلمت أنه ألزم نفسه تلك العادة حتى فيما يجزم به، حتى إذا اتفق أن أخطأ كان عذره بغاية الوضوح.
وفي ثقات المحدّثين مَن
(1)
هو أبلغ تحرّيًا مِن هذا ولكنهم يعلمون أن الحجة إنما تقوم بالجزم، فكانوا يجزمون فيما لا يرون للشكِّ فيه مدخلًا، ويقفون عن الجزم لأدنى احتمال.
روي أن شعبة سأل أيوب السختياني عن حديث فقال: أشكُّ فيه. فقال شعبة: شكُّك أحبُّ إليَّ من يقين غيرك
(2)
.
وقال النضر بن شُميل عن شعبة: لأن أسمع من ابن عون حديثًا يقول فيه: "أظن أني سمعته" أحبُّ إليَّ من أن أسمع من ثقة غيره يقول: قد سمعت
(3)
. وعن شعبة قال: "شكُّ ابنِ عون وسليمانَ التيمي يقين"
(4)
.
وذكر يعقوبُ بن سفيان حمادَ بن زيد، فقال: معروف بأنه يقصر في
(1)
(ط): "مع" خطأ.
(2)
انظر "تهذيب التهذيب": (1/ 349).
(3)
"الجرح والتعديل": (5/ 131).
(4)
"تهذيب التهذيب": (4/ 176).
الأسانيد، ويوقف المرفوع، [1/ 56] كثير الشك بتوقّيه، وكان جليلًا. لم يكن له كتاب يرجع إليه، فكان أحيانًا يذكر فيرفع الحديث، وأحيانًا يهاب الحديث ولا يرفعه
(1)
.
وبالغ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب فكان إذا سئل عن شيء لا يجيب حتى يرجع إلى الكتاب. قال أبو طاهر السِّلَفي: سألت أبا الغنائم النَّرْسي عن الخطيب فقال: "جبل، لا يُسأل عن مثله، ما رأينا مثله. وما سألته عن شيء فأجاب في الحال إلا يرجع إلى كتابه"
(2)
.
وإذا سبق إلى نفس الإنسان أمر ــ وإن كان ضعيفًا عنده ــ ثم اطلع على ما يحتمل موافقة ذلك السابق ويحتمل خلافه، فإنه يترجح في نفسه ما يوافق السابق، وقد يقوَى ذلك في النفس جدًّا وإن كان ضعيفًا. وهكذا إذا كانت نفس الإنسان تهوى أمرًا فاطلع على ما يحتمل ما يوافقه وما يخالفه، فإن نفسه تميل إلى ما يوافق هواها. والعقل كثيرًا ما يحتاج عند النظر في المحتملات والمتعارضات إلى استفتاء النفس لمعرفة الراجح عندها. وربما يشتبه على الإنسان ما تقضي به نفسه بما يقضي به عقله. فالنفس بمنزلة المحامي عند ما تميل إليه، ثم قد تكون هي الشاهد، وهي الحَاكم.
والعالم إذا سخط على صاحبه، فإنما يكون سخطه لأمر ينكره، فيسبق إلى النفس ذاك الإنكار، وتهوى ما يناسبه، ثم تتبع ما يشاكله، وتميل عند الاحتمال والتعارض إلى ما يوافقه. فلا يؤمَن أن يقوَى عند العالم جرحُ مَن
(1)
"تهذيب التهذيب": (3/ 11).
(2)
"كتاب الأربعين"(ص 537) لعلي بن المفضل، و"السير":(18/ 575).
هو ساخط عليه لأمرٍ، لولا السخط لَعلِمَ أنه لا يُوجب الجرح. وأئمة الحديث متثبتون، ولكنهم غير معصومين عن الخطأ.
وأهل العلم يمثِّلون لجرح الساخط بكلام النسائي في أحمد بن صالح
(1)
. ولَمَّا ذكر ابن الصلاح ذلك في "المقدمة"
(2)
عقَّبه بقوله: "قلت: النسائي إمام حجة في الجرح والتعديل، وإذا نُسِب مثله إلى مثل هذا كان وجهه أنّ عين السُّخْط تبدي مساوئ، لها في الباطن مخارج صحيحة تَعْمى عنها بحجاب السُّخْط، لا أن ذلك يقع من مثله تعمّدًا لقدح يعلم بطلانَه".
وهذا حق واضح، إذ لو حُمل على التعمّد سقطت عدالة الجارح، والفرض أنه ثابت العدالة. هذا، وكلّ ما يُخشى في الذمّ والجرح يخشى مثله في الثناء والتعديل. فقد يكون الرجل ضعيفًا في الرواية، لكنه صالح في دينه، كأبان بن أبي عياش، أو غيور على السنة كمؤمَّل بن إسماعيل، أو فقيه كمحمد بن أبي ليلى؛ فتجد أهل العلم ربما يثنون على الرجل من هؤلاء، غير قاصدين الحكم [1/ 57] له بالثقة في روايته. وقد يرى العالم أن الناس بالغوا في الطعن، فيبالغ هو في المدح، كما يروى عن حماد بن سلمة أنه ذُكِر له طعن شعبة في أبان بن أبي عياش، فقال: أبان خير من شعبة
(3)
.
وقد يكون العالم وادًّا لصاحبه، فيأتي فيه نحو ما تقدم، فيأتي بكلمات الثناء التي لا يقصد بها الحكم، ولاسيما عند الغضب، كأن تسمع رجلًا يذمّ صديقك أو شيخك أو إمامك، فإن الغضب قد يدعوك إلى المبالغة في إطراء
(1)
انظره في "تهذيب التهذيب": (1/ 37).
(2)
(ص 391).
(3)
"من اختلف العلماء ونقاد الحديث فيه"(ص 40) لابن شاهين.
من ذمه، وكذلك يقابل كلمات التنفير بكلمات
(1)
الترغيب. وكذلك تجد الإنسان إلى تعديل من يميل إليه ويُحسِن به الظن أسرع منه إلى تعديل غيره. واحتمالُ التسَمُّح في الثناء أقرب من احتماله في الذمّ، فإن العالم يمنعه من التسمُّح في الذمّ الخوفُ على دينه لئلّا يكون غيبة، والخوفُ على عرضه، فإن مَن ذمَّ الناس فقد دعاهم إلى ذمِّه.
ومن دعا الناسَ إلى ذمِّه
…
ذمُّوه بالحقّ وبالباطل
(2)
ومع هذا كله، فالصواب في الجرح والتعديل هو الغالب، وإنما يحتاج إلى التثبت والتأمل فيمن جاء فيه تعديل وجرح. ولا يسوغ ترجيح التعديل مطلقًا بأن الجارح كان ساخطًا على المجروح، ولا ترجيح الجرح مطلقًا بأن المعدِّل كان صديقًا له، وإنما يستدل بالسخط والصداقة على قوَّة احتمال الخطأ إذا كان محتملًا. فأما إذا لزم من اطراح الجرح أو التعديل نسبةُ مَن صَدَر منه ذلك إلى افتراء الكذب أو تعمّد الباطل أو الغلط الفاحش الذي يندر وقوع مثله مِنْ مثله، فهذا يحتاج إلى بيِّنة أخرى، لا يكفي فيه إثبات أنه كان ساخطًا أو محبًّا.
وفي "لسان الميزان"(ج 1 ص 16)
(3)
:
"وممن ينبغي أن يُتوقَّف في قبول قوله في الجرح: مَن كان بينه وبين مَن
(1)
الأصل: "كلمات"[ن].
(2)
من أبيات في "الأغاني": (14/ 157)، وهو في "رسائل الجاحظ":(1/ 355)، و"الحماسة البصرية"(854) ونُسِب لغير واحد.
(3)
(1/ 212).
جرحه عداوة، سببُها الاختلاف في الاعتقاد. فإن الحاذق إذا تأمل ثَلْبَ أبي إسحاق الجوزجاني لأهل الكوفة رأى العجب! وذلك لشدّة انحرافه في النّصْب، وشهرة أهلها بالتشيع. فتراه لا يتوقف في جرح مَن ذَكَره منهم بلسان ذَلْق
(1)
وعبارة طَلْقة، حتى إنه أخذ يليِّن مثلَ الأعمش وأبي نعيم وعبيد الله بن موسى وأساطين الحديث وأركان الرواية. فهذا إذا عارضه مثلُه أو أكبرُ منه، [1/ 58] فوثَّق رجلًا ضعَّفه قُبِلَ التوثيق.
ويلتحق به عبد الرحمن بن يوسف بن خِراش المحدّث الحافظ، فإنه من غلاة الشيعة بل نُسِب إلى الرفض، فيُتأنَّى في جرحه لأهل الشام؛ للعداوة البينة في الاعتقاد. ويلتحق بذلك ما يكون سببُه المنافسةَ في المراتب، فكثيرًا ما يقع بين العصريين الاختلاف والتباين [لهذا]
(2)
وغيره. فكلُّ هذا ينبغي أن يُتأنَّى فيه ويُتأمَّل".
أقول: قول ابن حجر: "ينبغي أن يتوقف" مقصوده ــ كما لا يخفى ــ التوقّف على وجه التأنّي والتروِّي والتأمل. وقوله: "فهذا إذا عارضه مثله
…
قبل التوثيق" محلّه ما هو الغالب من أن لا يلزم من اطراح الجرح نسبةُ الجارح إلى افتراء الكذب، أو تعمّدِ الحكم بالباطل، أو الغلطِ الفاحش الذي يندر وقوعُه. فأما إذا لزم شيء من هذا، فلا محيص عن قبول الجرح، إلا أن تقوم بينة واضحة تثبت تلك النسبة.
وقد تتبّعتُ كثيرًا من كلام الجوزجاني في المتشيِّعين، فلم أجده
(1)
(ط): "ذلقة". والمثبت من "اللسان".
(2)
من "اللسان"، وهو ساقط من الطبعة القديمة التي ينقل منها المؤلف.
متجاوزًا الحدَّ. وإنما الرجل ــ لما فيه من النَّصْب ــ يرى التشيُّع مذهبًا سيئًا، وبدعةَ ضلالةٍ، وزيغًا عن الحقّ وخذلانًا؛ فيطلق على المتشيِّعين ما يقتضيه اعتقاده، كقوله:"زائغ عن القصد ــ سيِّئ المذهب"، ونحو ذلك.
وكلامه في الأعمش ليس فيه جرح، بل هو توثيق، وإنما فيه ذمّ بالتشيع والتدليس. وهذا أمر متفق عليه: أن الأعمش كان يتشيَّع ويدلّس، وربما دلس عن الضعفاء، وربما كان في ذلك ما يُنْكَر. وهكذا كلامه في أبي نعيم. فأما عُبيد الله بن موسى فقد تكلم فيه الإمام أحمد وغيره بأشدّ من كلام الجوزجاني.
وتكلم الجوزجاني في عاصم بن ضَمْرة. وقد تكلم فيه ابن المبارك وغيره، واستنكروا من حديثه ما استنكره الجوزجاني. راجع "سنن البيهقي"(ج 3 ص 51). غاية الأمر أن الجوزجاني هوَّل، وعلى كلِّ حال فلم يخرج من كلام أهل العلم. وكأنّ ابن حجر توهّم أن الجوزجاني في كلامه في عاصم
(1)
يُسِرُّ حَسْوًا في ارتغاء
(2)
. وهذا تخيّل لا يُلتفت إليه.
وقال الجوزجاني في يونس بن خباب: "كذاب مفتر"
(3)
. ويونس وإن وثقه ابن معين، فقد قال البخاري:"منكر الحديث". وقال النسائي مع ما
(1)
انظر كلام الجوزجاني في "الشجرة"(ص 34 - 42) وتعقب الحافظ في "التهذيب": (5/ 45).
(2)
"يُسِرُّ حسوًا في ارتغاء" مثلٌ يضرب لمن يُظهِر أمرًا وهو يريد خلافه. انظر "مجمع الأمثال": (3/ 525) و"فصل المقال"(ص 76). يريد أن الحافظ توهّم أن الجوزجاني أراد اتهام عاصم بالكذب وإن لم يفصح في كلامه بذلك.
(3)
(ص 50).
عرف عنه: "ليس بثقة". واتفقوا على غلوّ يونس، ونقلوا عنه أنه قال: إن عثمان بن عفان قتل ابنتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ وأنه روى حديث سؤال القبر ثم قال: ههنا كلمة أخفاها الناصبة. قيل له: ما هي؟ قال: إنه ليسأل في قبره: مَن وليّك؟ فإن [1/ 59] قال: عليٌّ، نجا! فكيف لا يُعذر الجوزجاني مع نَصْبه أن يعتقد في مثل هذا أنه كذاب مفتر؟
وأشدُّ ما رأيته للجوزجاني ما تقدم عنه في القاعدة الثالثة من قوله: "ومنهم زائغ عن الحق
…
"
(1)
. وقد تقبل ابن حجر ذلك، على ما فهمه من معناه، وعظَّمه، كما مرَّ، وذكر نحو ذلك في "لسان الميزان" نفسه (ج 1 ص 11)
(2)
. وإني لأعجب من الحافظ ابن حجر رحمه الله يوافق الجوزجاني على ما فهمه من ذلك، ويعظمه، مع ما فيه من الشدة والشذوذ ــ كما تقدم ــ ويشنِّع عليه ههنا ويهوِّل فيما هو أخفُّ من ذلك بكثير عندما يتدبر! والله المستعان.
* * * *
(1)
(ص 76).
(2)
(1/ 204).