الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثالث: أهم المناظرات مع أهل الكتاب حديثاً
.
نظراً لأهمية المناظرات في عصرنا الحديث التي تحصل بيننا وبين اليهود والنصارى وغيرهم، أردت في هذا المطلب أن أقتبس أهم الأمور التي تقع بين المتناظرين؛ وذلك لأن بعض المناظرات طويلة جداً، وبعضها كانت تستمر لأيام؛ نظراً لبعد أهل الكتاب عن كتبهم، وكثرة التحريف في هذه الكتب، وتشربهم لبعض الأفكار الدخيلة التي أثرت عليهم في انتمائهم للدين، مثل الأفكار العلمانية (1) ، والشيوعية، والاستشراق (2) والماسونية (3).
وعلى سبيل المثال نذكر هذا النموذج مقتبس من مناظرة الأستاذ أحمد ديدات مع القس (استانلي شوبيرج كبير قساوسة السويد) في (عام 1990 م) والتي بعنوان (هل عيسى إله).
وقد استفتح ديدات الجلسة بقوله تعالى: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} (4)، ثم خاطبهم أحمد ديدات بقوله: وفي هذه الآية فصل الخطاب في القضايا التي نناقشها.
(1) العلمانية معناها الصحيح اللادينية أو الدنيوية، وهي عزل الدين عن الدولة، وظهرت في أوروبا في القرن السابع عشر، وتتفق مع الديانة النصرانية في فصل الدين عن الدولة إذ لقيصر سلطة الدولة، ولله سلطة الكنيسة كما ينسب للمسيح " أعطي ما لقيصر لقيصر وما لله لله " وانتقلت إلى الشرق في القرن التاسع عشر. انظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة، (2/ 679) مرجع سابق.
(2)
الاستشراق: تعبير يدل على الاتجاه نحو الشرق، ويقصد به ذلك التيار الفكري الذي يتمثل في إجراء الدراسات المختلفة على الشرق الإسلامي، والذي تشمل حضارته وأديانه وآدابه ولغاته وثقافته، ولقد أسهم هذا التيار في صياغة التصورات الغربية عن الشرق عامة وعن العالم الإسلامي بصورة خاصة معبراً عن الخلفية الفكرية للصراع الحضاري بينهما، وقد بدأ الاستشراق اللاهوتي بشكل رسمي حين صدور قرار مجمع فيينا الكنسي عام 1312 م. انظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة، (2/ 687) مرجع سابق.
(3)
الماسونية: منظمة يهودية سرية هدامة، إرهابية غامضة، محكمة التنظيم تهدف إلى ضمان سيطرة اليهود على العالم وتدعوا إلى الإلحاد والإباحية والفساد، وتتستر تحت شعارات خداعة (حرية ـ إخاء ـ مساواة ـ إنسانية)، وقد عرفها المستشرق الهولندي دونري: بأنها جمهور كبير من مذاهب مختلفة يعملون لغاية واحدة، وهي إعادة الهيكل الذي هو رمز إسرائيل .. انظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة، (1/ 510) مرجع سابق.
(4)
سورة المائدة الآية: (75).
لقد أثار (باستر استانلي) بعض القضايا، ولقد اعترف الليلة أنه كان في الليلة الماضية مضطرباً، وكان يرتجف، وكانت يداه ترتعشان، وأنا ألتمس له العذر، ولكنه وهو في تلك الحالة قال بعض الأباطيل بالنسبة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم ، حيث زعم أنه ينكر أن المسيح هو عيسى بن مريم.
وهذا غير صحيح، ولقد قلت لكم مراراً من قبل: إننا نحن المسلمين نؤمن بالمسيح كرسول من رسل الله العظام أولي العزم، ونؤمن أنه عليه السلام قد ولد بطريقة اعجازية من أمه العذراء مريم، دون أن يتصل بها أب من الرجال.
ونؤمن أن عيسى ابن مريم هو المسيح الذي يطلق عليه لقب: (كرايست) في اللغات اللاتينية الحديثة.
ونحن نؤمن أنه كان يشفي المرضى بإذن الله، وأحيا ميتاً بإذن الله، وبقدرة الله التي منحها إياه؛ لتكون هذه المعجزات دلائل على صدق رسالته التي حمَّله الله إياها لتبليغها إلى الناس.
ذلك هو ما قلته بالنسبة للمسيح عليه السلام ، وأنا لم أقل: إن المسيح هو محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم يسأل الحضور ويجيب عليهم بقوله:
هل قلت أنا: إن المسيح هو محمد؟
لقد قلت: إن عيسى هو المسيح.
إن رسول الإسلام لا ينكر أن عيسى بن مريم هو المسيح.
ولنتأمل أيها الإخوة الأعزاء ما يقوله القرآن الكريم عن المسيح في تلك الآية الكريمة التي بدأت بها حديثي إليكم.
ثم يشرع الأستاذ ديدات في تلاوة الآية باللغة العربية عبارة إثر أخرى، مترجماً معنى كل عبارة باقتدار إلى اللغة الإنجليزية، ويفيض في التفسير باللغة الإنجليزية عند ذكر قوله تعالى:{كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ} موضحاً أن المسيح عيسى بن مريم وأمه كانا يأكلان الطعام، ويستحيل أن يكون المسيح إلهاً، ويستحيل أن يكون هو وأمه إلهين، لأن أي شخص يتناول الطعام ويأكله يستحيل أن يكون إلهاً.
إن بعض الطوائف الكاثوليكية يعتبرون أن العذراء مريم إله كما أن المسيح إله.
ولقد كان المسيح، وكانت أمه تأكل الطعام، وكل شخص يأكل الطعام فمن الطبيعي أن يحتاج إلى الذهاب إلى دورة المياه، في وقتنا الحاضر.
وكان الناس في الماضي يذهبون إلى الغائط أو خلف بعض الأشجار بعد انقضاء مدة معينة لتناولهم الطعام.
وهذا الأمر ليس شأن الله؛ (قام الحضور بالتصفيق للسيد أحمد ديدات)
ثم يواصل ديدات كلمته قائلاً: لقد أوضحت هذه الآية من القرآن الكريم أن عيسى بن مريم هو المسيح، وأنه رسول الله، ولكنه ليس إلهاً، كما أوضحت السبب في استحالة أن يكون المسيح إلهاً وأن تكون أمه العذراء مريم إلهاً، بسبب أنهما كانا يأكلان الطعام.
ويقول الله سبحانه وتعالى: {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} (1).
في هذا الموضع أيضاً من القرآن نجد أن عيسى بن مريم هو المسيح، وقد أنعم الله عليه في الدنيا والآخرة، وأنه من جملة المقربين إلى الله سبحانه وتعالى، وليس المسيح عيسى بن مريم إلهاً يحق لأحد من الناس أن يتوجه إليه بالعبادة، وليس معنى ذلك أنه يجلس على يمين الله كما يقول المسيحيون؛ لأن الله ليس رجلاً محدوداً جغرافياً وفسيولوجياً بمكان، وعيسى المسيح يجلس عن يمينه
…
كلا
…
إن عيسى بن مريم من المقربين إلى الله على سبيل التكريم، كما تقول عن رجل يساعدك: هذا الرجل هو الساعد الأيمن لي.
ولم يقل عيسى للناس: (أنا إله).
إنني عندما ألتقي من أرى فيه القدرة على المعرفة في أي مكان من العالم فإنني أسأل: أيها الإخوة، أيتها الأخوات: لو كان عيسى إلهاً، فأطلعوني على أي جملة بالإنجيل يقول فيها عيسى بنفسه:(أنا الله) أو يقول: (اعبدوني).
وأقسم بالله العظيم أنني لم أجد ما أنشده حتى هذه اللحظة من هذه الليلة! فقام الحضور بالتصفيق لديدات.
ثم قال: وأكون سعيداً كل السعادة لو أن (باستر شوبيرج) فتح إنجيله في أي وقت، وقال لي: اقرأ، ها هو ذا إنجيل يوحنا مثلاً يقول بالجملة الأولى من الإصحاح الأول مثلاً على لسان المسيح:(أنا الله) أو يقول: (اعبدوني). هذا مستحيل.
(1) سورة آل عمران الآية: (45).
يقول يوحنا في بداية أول إصحاح من إنجيله: (في البدء كان الكلمة. والكلمة كان عند الله. وكان الله الكلمة)(1).
وإن أول من قال هذه المقولة، هو (فيلون) الذي كان أول من صاغ هذه الصيغة القائلة:(في البدء كان الكلمة. وكان الكلمة عند الله. وكان الله الكلمة) ، وهي الصيغة التي استهل بها يوحنا إنجيله.
إنني سأوجه بعض الأسئلة لباستر شوبيرج: إنك حاصل على الدكتوراه في اللاهوت (2) ، وأنت تعرف اللغة اليونانية القديمة التي كتبت بها النصوص الأصلية للإنجيل، وخاصة كتب العهد الجديد.
وسؤالي هو: ما هي الكلمة اليونانية التي تقابل لفظ الجلالة (الله) المعبود بحق؟
ويحاول شخص الإجابة من بين الجمهور قائلاً: إن الكلمة هي: (إلوهيم) ويرد عليه السيد أحمد ديدات قائلاً: لا يا سيدي. إن هذه الكلمة عبرية وليست يونانية. (ويقوم الجمهور بالتصفيق للسيد أحمد ديدات)، ويواصل السيد أحمد ديدات كلمته قائلاً:
الكلمة اليونانية التي تعني (الله) وهو المعبود بحق هي: هوثيوس Hotheos، وعندما يكون الإله غير جدير بالعبادة فإن اليونان كانوا يستخدمون لفظة أخرى هي: تونثيوس Tontheos، وفي ترجمة أول فقرة بإنجيل يوحنا من اليونانية القديمة إلي الإنجليزية قام مترجمو الإنجيل باستخدام الحرف الكبير عند ترجمتهم عبارة:(وكان الكلمة الله) في حين أن الكلمة الموجودة بالأصل اليوناني هي كلمة: (Tontheos) وليس (Hotheos)
ولقد كان من الضروري أن تكتب الكلمة الدالة على لفظ الجلالة god وليس God كما فعل مترجمو الإنجيل الغير أمناء.
وأنا أسأل: لماذا استخدمتم (G) بدلاً من (g)؟
(1) هكذا في إنجيل يوحنا: 1: 1 (في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله) انظر: موسوعة الكتاب المقدس (4/ 279) مرجع سابق.
(2)
اللاهوت هو المصطلح العربي المقابل للمصطلح الإنجليزي «ثيولوجي» ، وهو مركب من «ثيوس» ومعناها «إله» و «لوجوس» ومعناها «علم» ، فهو «علم الإلهيات» . واللاهوت هو التأمل المنهجي في العقائد الدينية. والكلمة تشير عادةً إلى الإشارة إلى دراسة العقيدة المسيحية، ويستخدم في الدراسات الإسلامية مصطلحات بديلة مثل «علم التوحيد». وقد بدأ استخدام الكلمة مؤخراً في الدراسات اليهودية مؤخراً". انظر: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية الموجزة (2/ 21) مرجع سابق.
إنكم تخدعون الناس وتتلاعبون بترجمة أصول كتابكم المقدس.
ولقد جاء في العهد القديم نص يقول فيه الرب لموسى في سفر الخروج 1: 7 (أنا جعلتك إلهاً لفرعون)(1).
ولقد قمتم بترجمة النص إلى الانجليزية هكذا:
I have made you a god to pharoah مما يدل على أنكم تميزون بين الإله المعبود بحق والإله عندما يكون غير جدير بالعبادة، فلماذا لم تلتزموا الدقة والأمانة عند ترجمة كلمة Tontheos عندما وردت بأول فقرة من أول إصحاح بإنجيل يوحنا؟
إن هذا هو ما تريدون أن تعتقدوه، إن هذا هو ما تريدون للناس أن يعتقدوا.
ليست هذه ترجمة أمينة في أداء المعنى بدقة.
فعندما يكون الإله معبوداً بحق تستخدم في بدايته الحرف الكبير G، وعندما لا يكون معبوداً بحق تستخدم في بدايته الحرف الصغير g، ولقد تلاعب مترجمو إنجيل يوحنا عن اليونانية، فجعلو كلمة (الله) الواردة في أول إصحاح من إنجيل يوحنا_ مبدوءة_ بحرف كبير، وكان من الضروري أن تبدأ بحرف صغير؛ لأنها ترجمة لكلمة: Tontheos، وليست ترجمة لكلمة Hotheos اليونانية.
ويواصل الشيخ أحمد ديدات كلمته قائلاً: إن المسيح عيسى عليه السلام كان يقول كما في إنجيل يوحنا 29: 10 (أبي الذي أعطاني إياها هو أعظم من الكل)(2).
ويقول أيضاً في موضع آخر في يوحنا: 28: 14 (أبي أعظم مني)(3) وكان يقول كما في يوحنا: 30: 5 (أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئاً)(4).
ثم يواصل ديدات بقوله: إنني أقتبس ذات أقوال المسيح كما وردت بالإنجيل، إلا أنكم عندما كنتم تقتبسون كانت النصوص التي تحاولون الاستشهاد بها هي من أقوال بولس، ولم تستشهدوا بشيء من أقوال المسيح أبداً.
إنما هي أقوال منسوبة إلى بولس.
أنا أريد أن أعرف ما قاله السيد المسيح، إنني أحب ما قاله المسيح بشفتيه.
(1) انظر: سفر الخروج 1: 7 موسوعة الكتاب المقدس (1/ 129) مرجع سابق.
(2)
انظر: إنجيل يوحنا 29: 10 موسوعة الكتاب المقدس (4/ 300) مرجع سابق.
(3)
انظر: إنجيل يوحنا 28: 14 موسوعة الكتاب المقدس (4/ 309) مرجع سابق.
(4)
انظر: إنجيل يوحنا 30: 5 موسوعة الكتاب المقدس (4/ 288) مرجع سابق.
أنا أحترم الأقوال الصادرة عن شخص المسيح، لا الأقوال التي قالها شخص آخر، أو كتبها شخص آخر.
ثم يقول ديدات: أنا أريد أن أعرف ما قاله المسيح شخصياً، أعطوني كلماته هو.
لقد قال المسيح: (أبي الذي أرسلني) لقد أمره الله بما يجب أن يفعله، وأمره بما يجب أن يقوله، وربما تكون لكم طريقة أخرى في الفهم، ولكنني أضع رأسي تحت مقصلة لو أطلعتموني على نص واحد قال فيه المسيح بنفسه:(أنا الله) أو قال: (اعبدوني).
ثم قال ديدات لباستر استاليني أنني أتحدث لغة إنجليزية بسيطة، وأقول: أنا أريد كلمات المسيح نفسه.
والآن تعالوا نتأمل ما قاله المسيح عليه السلام عن نفسه وفق إنجيل متَّى 19: 1617 (وإذا واحد تقدم وقال له أيها المعلم الصالح: أي صلاح أعمل لتكون لي الحياة الأبدية. فقال له: لماذا تدعوني صالحاً. ليس أحد صالحاً إلا واحد وهو الله)(1).
إن المسيح عليه السلام يرفض أن يصفه أحد بأنه صالح good، فكيف يعقل أن يقبل بأن يصفه أحد بأنه إله God؟ ! ، وهكذا يتضح أن المسيح يرفض أن يصفه أحد بأنه إله، إنه يرفض ذلك بموجب نفس نص كلماته" (2).
فتبين من خلال هذه المناظرة بين الأستاذ أحمد ديدات وكبير قساوسة السويد ما يلي:
1 -
أن الله بيَّن لنا أن عيسى عليه السلام عبد الله ورسوله، وأن أمه صديقة، وأنهم كان يأكلان الطعام كغيرهم من البشر، وأن الله أكرم عيسى عليه السلام فجعله من عباده المقربين.
2 -
أن كثيراً من النصارى حديثاً لا يزال موقفهم من عيسى عليه السلام كأسلافهم من حيث إتباعهم الهوى، والقول على الله غير الحق وبغير برهان.
3 -
أن المسيح عيسى عليه السلام لم يقل كلمة واحدة لأهل الكتاب: (أنا إله، أو أعبدوني) بل أهل الكتاب هم من لفقوا ذلك.
(1) انظر: إنجيل متَّى 19: 16 - 17 موسوعة الكتاب المقدس (4/ 168) مرجع سابق.
(2)
انظر: مناظرتان في استكهولم بين الداعية أحمد ديدات وكبير قساوسة السويد"استانلي شوبيرج"(ص: 133150) مجموعة أحمد ديدات. الناشر: دار النصر للطباعة القاهرة، ترجمة علي الجوهري.