الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال سيد قطب: فهؤلاء لا جدال معهم ولا محاسنة، وهؤلاء هم الذين حاربهم الإسلام عندما قامت له دولة في المدينة (1).
ومن خلال هذه الآيات وغيرها تبين أن كل من جادل في الله بغير علم، ولا هدى ولا كتاب منير، فإن جداله يكون مذموماً؛ وذلك لإتباعه هواه، وتلبيسه للحق بالباطل.
الفرع الثاني: مشروعية جدال أهل الكتاب عند المفسرين:
جاء الأمر بمجادلة أهل الكتاب في القرآن الكريم في عدة آيات، فمن هذه الآيات قوله تعالى:{وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (2).
أما دلالة هذه الآية على مشروعية جدال أهل الكتاب: فقد اختلفت عبارات المفسرين في معنى هذه الآية ودلالتها على مشروعية جدال أهل الكتاب، ونحن نعرض أقوالهم كما يلي:
قال النسفي (3) رحمه الله: "الآية تدل على جواز المناظرة مع الكفرة في الدين، وعلى جواز تعلم علم الكلام الذي به تتحقق المجادلة، وقوله تعالى: {وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} من جنس المجادلة بالأحسن، وقال صلى الله عليه وسلم: {ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله فإن كان باطلاً لم تصدقوهم وإن كان حقَّاً لم تكذبوهم} (4) "(5).
(1) انظر: تفسير ظلال القرآن (5/ 2745) مرجع سابق.
(2)
سورة العنكبوت الآية: (46).
(3)
أبو حفص عمر بن محمد بن أحمد النسفي السمرقندي، ولد سنة (461 هـ)، ومات سنة (537 هـ). انظر: تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام (36/ 447)، المؤلف: أبي عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، دار الكتاب العربي لبنان بيروت، الطبعة: الأولى 1407 هـ الموافق 1987 م، تحقيق د: عمر عبد السلام تدمري، وطبقات المفسرين للأدنروي (171) مرجع سابق.
(4)
أخرجه الأمام أحمد بن حنبل، في باب حديث أبي نملة الأنصاري، (4/ 137) برقم:(17264) بسند حسنه الأرنؤوط.
(5)
انظر: تفسير مدارك التنزيل وحقائق التأويل (3/ 886)، المؤلف: الإمام أبي البركات عبدالله بن احمد النسفي، الناشر: مكتبة نزار مصطفى الباز، تحقيق سيد زكريا.
وقال الإمام القرطبي رحمه الله: " اختلف العلماء في قوله تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ} فقال مجاهد: هي محكمة. فيجوز مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن على معنى الدعاء لهم إلى الله عز وجل، والتنبيه على حججه وآياته رجاء إجابتهم إلى الإيمان، لا على طريق الإغلاظ والمخاشنة، وقوله على هذا: إلا الذين ظلموا منهم معناه: ظلموكم، وإلا فكلهم ظلمة على الإطلاق.
وقيل: المعنى لا تجادلوا من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب المؤمنين كعبد الله بن سلام ومن آمن معه، (إلا بالتي هي أحسن) أي بالموافقة فيما حدثوكم به من أخبار أوائلهم وغير ذلك.
وقوله على هذا التأويل (إلا الذين ظلموا) يريد به من بقي على كفره منهم، كمن كفر وغدر وقد حصل هذا الموقف من بني قريظة والنضير وغيرهم، والآية على هذا أيضا محكمة.
وقيل: هذه الآية منسوخة بآية القتال، أي: قوله تعالى {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ
…
} (1) قاله قتادة.
ثم قال القرطبي: "وقول مجاهد حسن؛ لأن أحكام الله عز وجل لا يقال فيها إنها منسوخة إلا بخبر يقطع العذر أو حجة من معقول، واختار هذا القول ابن العربي (2) "(3).
وهذا هو الصحيح بأنه يجوز للمؤمنين أن يقوموا بدعوة أهل الكتاب إلى الله في كل زمانٍ ومكان، وكذلك غيرهم من المشركين؛ لقوله تعالى:{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (4).
ووجه الدلالة أن مجادلة أهل الكتاب تكون في سبيل دعوتهم إلى الإيمان، وإخراجهم من الظلمات إلى النور وهي من إتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن يجب أن يكون هذا الجدال قائماً على آداب لا بد من مراعاتها حتى تؤتي المجادلة ثمارها، وإنما أوجبنا مراعاة الآداب لقوله تعالى:(وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) فإنه قيد مجادلة أهل الكتاب بقوله: (إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) والله اعلم.
وسنقوم بذكر بعض آداب الجدال تنبيهاً على أهميتها وهي كما يلي:
(1) سورة التوبة الآية: (29).
(2)
القاضي أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله ابن العربي الأندلسي الإشبيلي المالكي، ولد (468 هـ)، وتوفي في (543 هـ)، ومن أعظم مؤلفاته: أحكام القرآن. انظر: طبقات المفسرين للسيوطي (ص: 105)، وطبقات المفسرين للداوودي (2/ 167) وطبقات المفسرين للأدنروي (ص: 180).
(3)
انظر: الجامع لأحكام القرآن (13/ 350) مرجع سابق.
(4)
سورة يوسف الآية: (108).