الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بعبادة الله وحده، وهو من قياداتهم السابقة كما قال تعالى:{قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي} (1).
الفرع الثاني: آيات نقض اليهود والنصارى للعهد والميثاق بكتمانهم نبوته صلى الله عليه وسلم ، وأقوال المفسرين فيها
.
إن الله قد أخذ على اليهود والنصارى من أهل الكتاب العهد والميثاق ببيان كل ما أنزله عليهم في شأن محمد عبده ورسوله وخاتم أنبائه ورسله، المبشر به في كتبهم السابقة، وذلك ما قاله أهل التفسير في معنى الميثاق المأخوذ عليهم كما سبق، وأن الله قد حذرهم من كتمان صفاته صلى الله عليه وسلم وأخباره، وسنذكر هنا بعض الآيات التي تتحدث عن العهد والميثاق المأخوذ عليهم.
الآية الأولى:
وأما الميثاق الذي أخذه الله على أهل الكتاب في هذه الآية أن يبينوا للناس صفات الرسول صلى الله عليه وسلم ، وحذرهم من كتمان ذلك، وقد بين أهل التفسير معنى البيان والكتمان المقصود في هذه الآية، فقد جاء في الأثر عن ابن عباس أنه قال: كان أمرهم أن يتبعوا النبيَّ الأميَّ الذي يؤمن بالله وكلماته، وقال تعالى:{اتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (3)، فلما بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم قال الله:{وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} (4) عاهدهم على ذلك، فقال حين بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم: صدِّقوه، وتلقون الذي أحببتم عندي (5).
وقد روي عن السدي أيضاً أنه قال: إن الله أخذ ميثاق اليهود ليبيننه للناس، أي محمدًا صلى الله عليه وسلم، ولا يكتمونه، فنبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمنًا قليلا" (6).
(1) سورة طه الآية: (96).
(2)
سورة آل عمران الآية: (187).
(3)
سورة الأعراف الآية: (158).
(4)
سورة البقرة الآية: (40).
(5)
انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، (4/ 202) برقم (8320) مرجع سابق.
(6)
انظر: المصدر نفسه، (4/ 202) برقم (8321).
وقد قرر الواحدي رحمه الله أن الميثاق الذي أخذه الله على اليهود والنصارى في التوراة هو " بيان نبوة محمد رسول الله وصفاته ونعته، وعدم إخفاء ذلك، ولكنهم نبذوا الميثاق، ولم يعملوا به، وذلك قوله تعالى: (فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً) "(1).
وقد علق الإمام الطبري على هذه الآية بقوله: "فالذين ينقضون عهدَ الله هم التاركون ما عهد الله إليهم من الإقرار بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم ، وبما جاء به، وتبيين نبوته للناس، الكاتمون بيان ذلك بعدَ علمهم به، وبما قد أخذَ الله عليهم في ذلك، كما قال الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ} (2)، ونبذُهم ذلك وراء ظهورهم هو نقضُهم العهدَ الذي عهد إليهم في التوراة الذي وصفناه، وتركُهم العمل به"(3).
وقد فصَّل القاسمي (4) معنى التبيين الواجب على أهل الكتاب بأنه: " إظهار جميع ما فيه من الأحكام والأخبار التي من جملتها أمر نبوته صلى الله عليه وسلم ، وعدم الكتمان بعد الأمر بالبيان، _مؤكداً أن النهي عن الكتمان يعتبر_ مبالغة في إيجاب المأمور به، فطرحوا العهد والميثاق ولم يراعوه، ونبذُ الشيء وراء الظهر مما يؤكِّد الاستهانة به، والإعراض عنه بالكلية، كما أن جعله نصب العين علم في كمال العناية (5).
والذي تبين مما سبق أن أكثر المفسرين يؤكدون أن العهد والميثاق الذي أخذه الله على أهل الكتاب هو التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، واتباع ما جاء به عن ربه سبحانه وتعالى، والأدلة على ذلك كثيرة، فمن هذه الأدلة: قوله تعالى: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} (6)، فبعد أن ذكر الله في الآية السابقة أنهم كل ما عاهدوا عهداً نبذه بعضهم أتبعها بقوله تعالى:
(1) انظر: الوجيز للواحدي (1/ 247).
(2)
سورة آل عمران الآية: (187).
(3)
انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن (1/ 183) مرجع سابق.
(4)
جمال الدين (أو محمد جمال الدين) بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي، من سلالة الحسين السبط: إمام الشام في عصره، علما بالدين، وتضلعا من فنون الأدب. عاش بين عامي: 1283 - 1332 هـ مولده ووفاته في دمشق، من مؤلفاته: تعطير المشام في مآثر دمشق الشام، وقواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث، تفسير محاسن التأويل. انظر: الأعلام للزركلي (2/ 135) مرجع سابق، معجم المؤلفين (3/ 157).
(5)
انظر: محاسن التأويل (3/ 1061) المؤلف: علامة الشام محمد جمال الدين القاسمي، الناشر: دار إحياء الكتب العربية، الطبعة الأولى عام (1376 هـ 1957 م) تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.
(6)
سورة البقرة الآية: (100).
{وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} (1) فدلَّت هذه الآية على أن العهد والميثاق هو الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه مصدق بنبوة موسى وعيسى عليهما السلام، ومصدق للبشارات التي تحدثت عن نبوته في التوراة والإنجيل قبل تحريفها، فمجرد مجيئه صلى الله عليه وسلم يعتبر تصديقاً لها.
وأيضا لقد ثبت من كتمانهم لصفاته وعلاماته صلى الله عليه وسلم في الكتب السابقة ما جاء في قوله تعالى: {وَإِذَ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} (2).
فكان موقف أهل الكتاب من هذا العهد والميثاق أنهم خانوه، وقاموا بنبذه، والكفر بما في كتب الله من البشارات، كما قال تعالى:{وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ} (3).
وهذا النقض هو من الخيانة التي وصفهم الله بها، وقد أصبحت الخيانة صفة متجسدة فيهم في كل زمان ومكان كما أسلفنا، قال تعالى:{وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَاّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (4).
وأما الخطاب في هذه الآية من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم فهو على سبيل التسلية له وللمؤمنين، بأن نقض العهود والمواثيق قد أصبح من سجايا اليهود والنصارى، فإنهم كل ما عاهدوا عهداً فإنهم سينقضونه وينبذونه، إما كلهم أو بعضهم، وهذه عادتهم في كل زمانٍ ومكان، وذه الآية تؤكد لنا أن ما يحصل في عصرنا الحديث من نقض للعهود والمواثيق والاتفاقيات من قبلهم سيستمر على مر العصور، فاليهود هم أول من يبدأ بالنقض، والنصارى هم من يؤيدون ويناصرون ذلك.
قال سيد قطب رحمه الله ففي هذه الآية: "يصور الله حال اليهود في المجتمع المسلم في المدينة؛ فهم لا يكفون عن محاولة خيانة رسول الله، وقد كانت لهم مواقف خيانة متواترة، بل كانت هذه هي حالهم طوال إقامتهم معه في المدينة، ثم في الجزيرة كلها، وما تزال هذه حالهم في المجتمع الإسلامي على مدار التاريخ، على الرغم من أن المجتمع الإسلامي هو المجتمع الوحيد الذي آواهم، ورفع عنهم
(1) سورة البقرة الآية: (101).
(2)
سورة آل عمران الآية: (187).
(3)
سورة البقرة الآية: (89).
(4)
سورة المائدة الآية: (13).