الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نفسك منزلة غيرك، وما فكّرت في عاقبة أمرك، ولا شاورت أحدا من صحبك. فقال: اعلم أنّ هذا القاضي مراده اكتساب ذكر جميل، وصيت حسن، ومباهاة لمن تقدّمه، ومع ذلك فله من السّلطان منزلة رفيعة، وقوله عنده مسموع، وأمره لديه متبوع، ورأيته يستضيء برأيي ويعدّني من جملة ثقاته وأوليائه، وقد عرض لي وصرّح مرة بعد أخرى، وثانية عقب أولى، فلم أجب، فخفت مع كثرة الخلاف أن يكون تكرار الامتناع موجبا للقطيعة، وتوقّع إضرار. وإذا اتفق أمران فاتّباع ما هو أسلم جانبا وأقلّ غائلة أولى، وقد كان ما كان، والكلام بعد ذلك ضرب من الهذيان (1).
وكانت وفاة السّيرافيّ يوم الاثنين ثاني شهر رجب من سنة ثمان وستين وثلاث مائة في خلافة الطائع لله، ودفن في مقبرة الخيزران.
الحسن بن عبد الله بن عبيد الله بن إسماعيل بن زيد بن حكيم
العسكريّ، أبو أحمد، اللّغويّ العلاّمة
(2).
كان من الأئمة المذكورين بالتصرّف في أنواع العلوم، والتبحّر في فنون الفهوم، ومن المشهورين بجودة التأليف وحسن التصنيف، فمن جملته: كتاب صناعة الشّعر (3)، وكتاب الحكم والأمثال (4)، وكتاب التصحيف (5)، /87/ وكتاب راحة الأرواح، وكتاب الزواجر والمواعظ، وكتاب تصحيح الوجوه والنظائر.
وانتهت إليه الرّئاسة في علم الحديث، والإملاء للآداب والتدريس،
(1) الخبر في معجم الأدباء.
(2)
ترجمته في: المنتظم:7/ 191، ومعجم الأدباء:911، وإنباه الرواة:1/ 345، ووفيات الأعيان:2/ 83، وسير الذهبي:16/ 413، وبغية الوعاة:1/ 506.
(3)
في إنباه الرواة:1/ 346: علم النظم. وفي بغية الوعاة للسيوطي:1/ 506: صناعة الشعر.
(4)
الكتاب مطبوع.
(5)
شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف، نشره مجمع اللغة العربية بدمشق عام 1975 م.
ورحل الناس إليه للقراءة عليه والأخذ عنه، روى عنه أبو نعيم (1)، والباطرقانيّ (2)، وأبو عبد الرّحمن السّلمي (3)، وأبو بكر الباقلاّنيّ المتكلّم.
وكان الصاحب إسماعيل ابن عبّاد يكاتبه ويؤثر الاجتماع به، فلمّا جاء الصاحب إلى عسكر مكرم قصده أبو أحمد في ساعة لا يمكن الوصول في مثلها إليه إلا لمثله، فأقبل عليه وبالغ في إكرامه، وأجلسه في أرفع موضع، وطلب منه أن ينشده جواب أبيات كان كاتبه بها من أصبهان في الاعتذار عن الوصول إليه، فأنشده قوله:[طويل]
أروم نهوضا ثمّ يثني عزيمتي
…
تعوّذ أعضائي من الرّجفان (4)
فضمّنت بيت ابن الشّريد كأنّما
…
تعمّد تشبيهي به وعناني (5)
«أهمّ بأمر الحزم لو أستطيعه
…
وقد حيل بين العير والنّزوان»
ولمّا نهض من عنده للانصراف قال له الصاحب: لا يقنعنا هذا، فلا بدّ من الحمل على النفس مرة أخرى، فركب بغلة ثم قصده، فلم يوصل إليه، فصعد تلعة (6) ورفع صوته بقول أبي تمّام:[بسيط]
ما لي أرى القبّة الفيحاء مقفلة
…
دوني وقد طال ما استفتحت مغلقها (7)
كأنّها جنّة الفردوس معرضة
…
وليس لي عمل زاك فأدخلها
(1) أحمد بن عبد الله الأصبهاني الحافظ المتوفى في عام 430 هـ.
(2)
عبد الواحد بن أحمد أبو بكر الباطرقاني الأصبهاني المتوفى سنة 421 هـ ترجمته في: تاريخ الإسلام للذهبي:9/ 365. وباطرقان من قرى أصبهان.
(3)
أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين بن محمد السلمي النيسابوري الإمام الحافظ المحدث شيخ خراسان وكبير الصوفية صاحب التصانيف توفي سنة 412 هـ. ترجمته في: تاريخ بغداد:2/ 248، وسير أعلام النبلاء:17/ 247، والوافي بالوفيات: 2/ 380.
(4)
الأبيات في معجم الأدباء:917 والبيت الأخير لصخر بن عمرو السلمي من قصيدة أولها: أرى أم صخر لا تمل عيادتي وملت سليمي مضجعي ومكاني
(5)
ابن الشريد هو صخر بن عمرو بن الشريد أخو الخنساء الشاعرة.
(6)
التلعة: ما انهبط من الأرض وقيل: ما ارتفع وهو من الأضداد. اللسان: تلع.
(7)
البيتان في معجم الأدباء:917.