المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌ترجمة المصنف قال العلامة المحقق قاضي القضاة برهان الدين إبراهيم بن - أسهل المدارك «شرح إرشاد السالك في مذهب إمام الأئمة مالك» - جـ ١

[الكشناوي، أبو بكر]

فهرس الكتاب

- ‌خطبة الكتاب

- ‌ترجمة المصنف

- ‌كتاب الطهارة

- ‌فَصْلٌفي أحكام الميتات وأجزائها والمسكرات وغيرها

- ‌تنبيه:

- ‌فَصْلٌفي بيان أحكام قضاء الحاجة وما يتعلق بذلك

- ‌فَصْلٌفي بيان فرائض الوضوء

- ‌سنن الوضوء

- ‌فضائل الوضوء

- ‌مكروهات الوضوء

- ‌شروط صحة الوضوء ووجوبه

- ‌فَصْلٌفي نواقض الوضوء

- ‌فَصْلٌفي موجبات الغسل

- ‌فرائض الغسل

- ‌تنبيهات:

- ‌تتمة:

- ‌فَصْلٌفي المسح على الجبيرة

- ‌فَصْلٌفي المسح على الخفين

- ‌فَصْلٌفي التيمم

- ‌فَصْلٌفي أحكام الحيض

- ‌تنبيه:

- ‌فَصْلٌفي أحكام النفاس

- ‌كتاب الصلاة

- ‌فَصْلٌفي أحكام الأذان

- ‌تنبيه:

- ‌فَصْلٌفي شروط الصلاة

- ‌فَصْلٌفي ستر العورة في الصلاة وخارجها

- ‌فَصْلٌفي أركان الصلاة

- ‌سنن الصلاة

- ‌فَصْلٌفي فضائل الصلاة

- ‌فَصْلٌفي أحكام العاجز عن القيام في الصلاة

- ‌فَصْلٌفي بيان أحكام الجمع بين المغرب والعشاء ليلة المطر

- ‌فَصْلٌفي حكم الجماعة

- ‌فَصْلٌفي من يلحق بأحكام الجماعة

- ‌فَصْلٌفي قضاء الفوائت

- ‌حكم تارك الصلاة

- ‌فَصْلٌفي سجود السهو

- ‌فَصْلٌفي أحكام الرعاف

- ‌فَصْلٌفي بيان النوافل وأوقاتها وكيفيتها

- ‌ التراويح

- ‌الوتر سنة مؤكدة

- ‌ سجود التلاوة

- ‌خاتمة:

- ‌كتاب صلاة السفر

- ‌فَصْلٌفي حكم صلاة الخوف

- ‌فَصْلٌفي صلاة الجمعة

- ‌فَصْلٌفي صلاة العيدين

- ‌فَصْلٌفي صلاة الاستسقاء

- ‌فَصْلٌفي صلاة الكسوف

- ‌كتاب الجنائز

- ‌ خاتمة:

- ‌كتاب الزكاة

- ‌فَصْلٌفي زكاة الذهب والفضة

- ‌تنبيهان:

- ‌ الإبل

- ‌فَصْلٌفي زكاة الماشية وهي الإبل والبقر والغنم

- ‌ البقر

- ‌الغنم

- ‌ الخلطة

- ‌فَصْلٌفي زكاة الحرث والثمار وما يتعلق بها من الأحكام

- ‌فَصْلٌفى زكاة الفطر ومن تلزمه

- ‌فَصْلٌفيمن تصرف له الزكاة

- ‌كتاب الصيام

- ‌فَصْلٌ فيمن يلزمه القضاء دون الكفارة

- ‌فَصْلٌفيما يندب فعله للصائم

- ‌ الاعتكاف

- ‌كتاب الحج

- ‌فَصْلٌفي مواقيت الحج والعمرة

- ‌فَصْلٌفي أركان الحج وكيفية الإحرام

- ‌ قصيدة

- ‌فَصْلٌفي الفدية وما يتعلق بها من الأحكام

- ‌فَصْلٌفي الصيد وما يترتب فيه من الجزاء وعدمه

- ‌فَصْلٌفي دماء الحج مطلقا وسن الهدي وغيره مما يجزئ وما لا يجزئ

- ‌فَصْلٌفيما يتعلق بحج الصبي والعبد والمرأة وغيرهم

- ‌فَصْلٌفي العمرة وأحكامها

- ‌خاتمةفي زيارة النبي صلى الله عليه وسلم

الفصل: ‌ ‌ترجمة المصنف قال العلامة المحقق قاضي القضاة برهان الدين إبراهيم بن

‌ترجمة المصنف

قال العلامة المحقق قاضي القضاة برهان الدين إبراهيم بن علي بن محمد بن فرحون اليعمري المدني المالكي رحمه الله تعالى في كتابه: " الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب " في من اسمه عبد الرحمن: عبد الرحمن بن محمد بن عسكر شهاب الدين البغدادي المالكي، مدرس المدرسة المستنصرية، كان فقيهًا عالمًا زاهدا سالكا طريق الزهد والصلاح والعبادة، وله في ذلك تأليف حسن، وله التصانيف الحسنة المفيدة، منها كتاب " المعتمد " في الفقه، غزير العلم، وذكر فيه مشهور الأقوال غالبا، وكتاب " العمدة " في الفقه، وكتاب:"الإرشاد " في الفقه - يعني هذا المتن - أبدع فيه كل الإبداع، جعله مختصرا، وحشاه بمسائل وفروع لم تحوها المطولات، مع إيجاز بليغ.

وله في الحديث وغيره تآليف مشهورة.

كان مشاركا في علوم جمة، وكتبه تدل على فضيلته.

وقال في موضع آخر: هذا الكتاب - أي الإرشاد - له شرح للعلامة الشيخ أحمد زروق.

وفي كتاب: " نيل الابتهاج، بتطريز الديباج " للشيخ أحمد بن بابا التنبكتي نقلا عن البدر القرافي: وقد شرح كتاب الإرشاد الشيخ سليمان بن شعيب بن خضر البحيري القاهري، واعتمد فيه على ابن عبد السلام وخليل وبهرام اهـ.

قلت: وحتى الآن ما وقفت على واحد من هذين الشرحين لعلهما ليسا بمطبوعين. والله أعلم.

ثم قال ابن فرحون: وتوفى عبد الرحمن بن محمد البغدادي رحمه الله تعالى سنة 732 اثنتين وثلاثين وسبعمائة.

وقوله المالكي: أخبر أن المصنف العلامة الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن عسكر

ص: 5

البغدادي كان مالكي المذهب، أي مقتديا به في الأحكام الدينية والشرعية.

والمراد بالمذهب: القواعد التي بنى عليها الأحكام وذهب عليها أصحابه، وكيف لا وهو إمام الأئمة ومصباح السنة، ومن خير القرون وخير الأمة التي أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر.

وكان أبوه وجده تابعين. وأما والد جده فصحابي. والإمام من تابع التابعين. وهو إمام الأئمة أبو عبد الله مالك بن

أنس، بن مالك، بن أبي عامر الأصبحي. مولود بالمدينة المنورة، وقيل ولد بذي المروة موضع من مساجد تبوك سنة 93 ثلاث وتسعين من الهجرة. وهو إمام الأئمة في التحقيق، وناصر السنة بالتدقيق.

ومما يدل على عظمة الإمام مالك ومزيد فضله أن ابن هرمز من شيوخه، وقال فيه: مالك أعلم الناس. وقال فيه ابن عيينة: مالك سيد المسلمين. وكان الأوزاعي يقول فيه: مالك عالم العلماء، وعالم أهل المدينة، ومفتي الحرمين.

وقال الشافعي: مالك أستاذي وعنه أخذت العلم، ومالك معلمي وما أحد أمن علي من مالك، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله. ويكفيك شهادة هؤلاء الأئمة في بيان فضله. وقد ذكر العلماء في مناقب مالك ما يطول لنا ذكره هنا من غزارة علمه وديانته وأمانته، وثقته وانتقاده الرجال في أخذ الحديث، واتباعه للسنة وورعه وتعظيمه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأدبه مع الله، وخشيته حلمه ووقاره، وعبادته وجودة عقله، وحفظه للحديث، وإدراكه وصفته، وذكر نسبه وبنيه وابتداء طلبه العلم وصبره عليه، وعدد مشايخه وتلاميذه، وأدبه معهم ومع مشايخه، وظهور هيبته مع الناس، وعدد تآليفه، واقتداء الأكابر به في حياته وبعد مماته، وشهادة أهل العلم والصلاح له بالأمانة والصدق والثبات في الأمور، وغير ذلك من سيرته مما لا يحمله هذا الشرح. ولا نطيل بذكره لشهرة ذلك في كتب الأئمة والتواريخ، فراجعها إن شئت.

ص: 6

وقال العلامة محمد الطالب بن حمدون في حاشيته على ميارة: فائدة: الأدلة (1) التي بنى عليها مالك مذهبه سبعة عشر: نص الكتاب، وظاهره، أعني العموم، ودليله، أعني مفهوم المخالفة، ومفهومه، أعني المفهوم بالأولى، وشبهه،

أعني التنبيه على العلة، مثل قوله تعالى:{فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا} [الأنعام: 145] ومن السنة أيضا مثل هذه الخمسة، والحادي عشر الإجماع، والثاني عشر القياس، والثالث عشر عمل أهل المدينة، والرابع عشر قول الصحابي، والخامس عشر الاستحسان، والسادس عشر الحكم بالذرائع أي بسدها، والسابع عشر الاستصحاب. وأما مراعاة الخلاف فتارة وتارة اهـ.

وكانت وفاة مالك رحمه الله يوم الأحد في ربيع الأول سنة 179 تسع وسبعين ومائة هجرية، ودفن بالبقيع، وقبره هناك معروف، رضي الله تعالى عنه ونفعنا بعلومه في الدارين آمين.

وقد ثبت أن مصنف هذا الكتاب مالكي مذهبا، أشعري عقيدة، بغدادي بلدا، نسبة لبغداد، وهي مدينة عظيمة مشهورة، فهي عاصمة العراق، بناها المنصور العباسي أبو جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس المولود سنة 95 خمس وتسعين هجرية، وتولى الخلافة في أول سنة 137، وبنى بغداد في سنة 146 ستٍ وأربعين

(1) تنبيه منقول من الفائدة عن حاشية ابن حمدون على ميارة:

(فائدة): الأدلة التي بني عليها إلخ. .

هذا الكلام يحتاج إلى التحرير لأن تفسير النص والظاهر عند الأصوليين هو ما بينه سيدي عبد الله في مراقي السعود بقوله في تعريف المنطوق:

معني له في القصد قل تأصيل

وهو الذي اللفظ به يستعمل

نص إذا أفاد ما لا يحتمل

غيرا وظاهران الغير احتمل

والكل من دين له تجلى

ويطلق النص على ما دلا

وفي كلام الوحي والمنطوق هل

ما ليس بالصريح فيه قد دخل

فهذه الجمل المتتابعة التي يفسر بعضها بعضا بأعني أعني لا يتفق مع كلام الأصوليين لا لفظا ولا معنى ولعل المطبعة حرفتها عن أصل وضعها فليتأمل اهـ. محمد المصطفى الشنقيطي العلوي.

ص: 7

ومائة، وصرف في بنائها أربعة ملايين وثمانمائة ألف درهم. وكانت وفاته في سنة 158 ثمان وخمسين ومائة هجرية رحمه الله تعالى. نسأل الله أن يغفر لنا ولإخواننا المسلمين مغفرة عزما، ولمن سبقنا من العلماء والأئمة الراشدين المجتهدين، الذين أخرجوا لنا الدرر من أحكام الشريعة السمحاء وميزوا لنا بين الحلال والحرام، وبذلوا في ذلك الأموال والأرواح، ودلونا بسبيل الفقه والإرشاد لما ينفعنا في الدنيا وينجينا في الآخرة فجزاهم الله عنا خير الجزاء آمين.

وهذا أوان الشروع في المقصود، نسأل الله تعالى أن يتممه بأحسن تتميم، وأن يحفظنا من الخطإ والتصحيف، إنه ولي التوفيق. لله الأمر من قبل ومن بعد، وإليه ترجع الأمور، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

قال المصنف رحمه الله تعالى:

" بسم الله الرحمن الرحيم ": ابتدأ المصنف كتابه بالبسملة اقتداء بالكتاب العزيز، وعملا بقوله عليه الصلاة والسلام:" كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر " وفي رواية: " فهو أقطع " وفي أخرى: " فهو أجذم " ومعناه: ناقص قليل البركة. وذي بال: أي شرف وقدر وعظمة، أو ذي حال يهتم به. وقد بدأ المصنف بالبسملة لأن التصنيف من الأمور المهمة التي ينبغي تقديمها عليه، ولقول عكرمة: إنها أول ما كتب القلم في اللوح، فجعلها الله تعالى أمانا للخلق ما داموا عليها. والابتداء ببسم الله الرحمن الرحيم ابتداء حقيقي، وأما

الابتداء بالحمد لله بعد البسملة فهو ابتداء إضافي، إذ المقصود بالحمد الثناء على الله تعالى، والبسملة من أبلغه، ولدا قال بعض المحققين: ينبغي الجمع بين حديث البسملة وحديث التحميد بحمل حديث البسملة على الابتداء الحقيقي، وهو أن يتقدم ما ابتدأ به أمام المقصود ولم يسبه شيء، وحمل حديث التحميد على الابتداء الإضافي، وهو أن يتقدم ما ابتدأ به أمام المقصود وإن سبقه

ص: 8

شيء اهـ. قال القرطبي في التفسير: روي عن عثمان بن عفان، رضي الله عنه، أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير بسم الله الرحمن الرحيم فقال: أما الباء فبلاء الله وروحه ونضرته وبهاؤه، وأما السين فسناء الله، وأما الميم فملك الله، وأما الله فلا إله غيره وأما الرحمن فالعاطف على البر والفاجر من خلقه، وأما الرحيم فالرفيق بالمؤمنين خاصة اهـ. وعن كعب الأحبار أنه قال الباء: بهاؤه، والسين سناؤه فلا شيء أعلى منه، والميم ملكه، وهو على كل شيء قدير فلا شيء يعازه اهـ. وروي عن علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، أنه قال في قوله بسم الله: إنه شفاء من كل داء، وعون على كل داء. وأما الرحمن فهو عون لكل من آمن به، وهو اسم لم يسم به غيره، وأما الرحيم فهو لمن تاب وآمن وعمل صالحا اهـ.

واختلف في وصل ميم الرحيم بالحمد لله، أي في كيفية ذلك، فروي عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم: الرحيم الحمد يسكن الميم ويقف عليها ويبتدأ بألف مقطوعة وقرأ به قوم من الكوفيين. وقرأ جمهور الناس الرحيم الحمد، تعرب الرحيم بالخفض، وتوصل الألف من الحمد اهـ.

وورد في فضل البسملة أحاديث كثيرة، منها هو مسلسل بالحلف في وصل ميم الرحيم بالحمد في نفس واحد من غير قطع، ومنها ما روي - كما في فيض القدير - أنها لما نزلت اهتزت الجبال لنزولها، وقالت الزبانية: من قرأها لم يدخل النار، وهي تسعة عشر حرفا على عدد الملائكة الموكلين بالنار، ومن أكثر ذكرها رزق الهيبة عند العالم السفلي والعلوي اهـ. ومنها ما روى ابن ماجه والترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول باسم الله.

ثم اعلم أنه ينبغي لكل شارع في فن أن يتكلم على البسملة بما يناسبها من الفن

ص: 9

المشروع فيه، ونحن الآن في فن الفقه فأقول: إن الأحكام الشرعية خمسة: الندب، والوجوب والكراهة، والحرمة، والإباحة، وكلها تعتري البسملة (تارة) تكون مندوبة بالمعنى الأعم الشامل للسنة والمستحب كما في الوضوء والغسل والتيمم، وتسن في الأكل والشراب (وتارة) تكون واجبة كما إذا قلت نذر علي أن أبسمل في هذا الكتاب، وإلا فلا يتعلق بها الوجوب عند المالكية أصالة، بل واجبة عند الشافعية القائلين بأنها جزء من الفاتحة، أو على قول ابن نافع من أئمتنا القائل

بوجوبها في الصلاة. هذا، وقد تجب عند الذبح بشرط الذكر والقدرة، لكن وجوبها عند الذبح ليس وجوبا ذاتيا، بل الواجب في الذبح مطلق ذكر الله لا خصوص البسملة كما في شراح المختصر:(وتارة) يعتريها الكراهة كالإتيان بها في الأمور المكروهة، كعند شرب الدخان، لأنه مكروه على الأظهر في المذهب.

وقيل (1) حرام وعليه المحققون والصوفية، وكالإتيان بها في الوطء المكروه، كأن يطأ الجنب ثانيا قبل غسل فرجه، وكذا يكره الإتيان بها عند المالكية في صلاة الفريضة على المشهور كما سيأتي تفصيله في باب الصلاة إن شاء الله تعالى:(وتارة) يعتريها التحريم، أي وتحرم أيضا في ابتداء المحرمات كالزنا واللواط وشرب الخمر والسرقة والغصب وأكل الحرام وغيرها مما هو ممنوع شرعا،

(1) هذا الذي حكاه بقيل، هو الصحيح في المذهب، بل في المذاهب، والقول بالكراهة وهو الضعيف جدا لأنه انفرد به الأجهوري، وقد علم ضعف ما خالف فيه غيره، وقد قالوا أيضا إنه رجع عنه، وكذلك القول بكراهة البسملة في الفريضة عند المالكية، فقد تساهل المتأخرون بنسبة الكراهة لمالك، وأما الأقدمون المحققون إنما ينسبون لمالك أنها ليست بمطلوبة، لا أنها مكروهة ولا يخفى الفرق بين المكروه وغير المطلوب، ولذا قال ابن عاشر (وكراهة بسملة تعوذا) فقد برأ ابن عاشر نفسه من القول بالكراهة فصحيح المذهب أنها ليست بمطلوبة، لا أنها مكروهة، وإنما القول بالكراهة تساهل من المتأخرين في التعبير. وكذلك القول بأن العود لوطء الزوجة قبل غسل الذكر عند إرادة العود للزوجة إنما الأولى فقط لأنه أنشط للنفس ويزيد قوة الذكر، فلا تطره عنده البسملة، وأما الكراهة فإنما هي إذا أراد أن يطأ زوجته الثانية قبل غسل فرجه من وطء الأولى، وإذا كانت الأخيرة تتأذى بذلك يكون حراما فليحرر في المدارك المعتمدة اهـ. محمد مصطفى الشنقيطي العلوي.

ص: 10

إلا أن العلامة الشيخ علي العدوي رجح في حاشيته على الخرشي أنها في الحرام مكروهة، وقال يوسف بن سعيد الصفتي في حاشيته على الجواهر الزكية.

وكلامه له وجه، أي القول بكرامتها عند المحرمات، لأنها عبادة، ومصاحبتها للمعصية لا تخرجها عن أصلها إلى المعصية، بل الحسنات يذهبن السيئات، لا العكس.

انتهى والله أعلم، (تارة) يعتريها الإباحة كالإتيان بها في صلاة النفل أو قصد الخروج من الخلاف في الفرض، وغير ذلك مما هو مذكور في المذهب.

قال أبو الضياء سيدي خليل في المختصر في سياق كلامه: " وتسميته، وتشرع في غسل، وتيمم، وأكل، وشرب، وذكاة، وركوب دابة وسفينة، ودخول وضده، لمنزل ومسجد ولبس، وغلق باب وإطفاء مصباح، وصعود خطيب منبرا، وتغميض ميت ولحده " اهـ والكلام على البسملة كثير جدا، وفي هذا القدر كفاية فتأمل. والله هو الهادي إلى الصراط المستقيم.

ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: " الحمد لله " قوله الحمد لله، ابتدأ المصنف كتابه بالحمد لله بعد البسملة عملا بالحديثين: حديث الابتداء بالبسملة وقد تقدم، وحديث الابتداء بالحمدلة وهو قواه عليه الصلاة والسلام:" كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم " وأيضا واقتداء بالكتاب العزيز، ولكن الابتداء بالحمدلة بعد الابتداء بالبسملة ابتداء إضافي بعد الابتداء الحقيقي كما تقدم الكلام عليه في البسملة.

والحمد لغة الثناء على الجميل الاختياري مع التبجيل والتعظيم، سواء كان في مقابلة نعمة، ومثال الثاني ما إذا وجدت زيدا يصلي صلاة تامة فقلت زيد رجل صالح، فإنه ليس في مقابلة نعمة. ولا يحصل الحمد إلا بخمس دعائم: حامد ومحمود، وهما معلومان، ومحمود به كثبوت العلم والصلاح مثلا، ومحمود عليه وهو الإكرام.

وأما الحمد اصطلاحا فهو فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعما على الحامد

ص: 11

أو غيره، كولده وزوجته، سواء كان باللسان أو محبة بالجنان، أو عملا وخدمة بالأركان التي هي الاعضاء.

واعلم أن الحمد بجميع أقسامه يعود إلى الله تعالى؛ لأنه ينقسم على أربعة أقسام: الأول: حمد قديم لقديم وهو حمد مولانا عز وجل نفسه لنفسه، كقوله تعالى:{نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الأنفال: 40].

والثاني: حمد قديم لحادث، كقوله سبحانه في حق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم:{وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] وقوله لإبراهيم عليه السلام: {نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 30] والثالث: حمد حادث لقديم، كقول سيدنا عيسى ابن مريم عليه السلام:{تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَاّمُ الْغُيُوبِ} [المائدة: 116] وكحمدنا له سبحانه وتعالى. والرابع: حمد حادث لحادث، كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حق سيدنا أبي بكر الصديق، رضي الله عنه:" ما طلعت الشمس ولا غربت من بعدي على رجل أفضل من أبي بكر ".

وقال بعضهم: الحمد يعتريه أحكام أربعة: الأول: الوجوب، كالحمد في العمر مرة عند المالكية، كالحج، وكلمتي الشهادة، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وفي خطبة الجمعة عند الشافعية. والثاني: الندب في خطبة النكاح، وفي ابتداء الدعاء، وبعد الأكل والشرب. والثالث: الكراهة، كالحمد في المواضع القذرة، كالمجزرة والمزبلة. والرابع: الحرمة كالحمد عند الفرح بوقوع المعصية اهـ الصفتي. وقال الإمام الطبري في تفسير الفاتحة: الحمد لله ثناء أثنى به تعالى على نفسه، وفي ضمنه أمر عبيده أن

يثنوا به عليه، فكأنه قال قولوا الحمد لله اهـ. وقال الفاكهاني في شرح الرسالة: ويستحب الابتداء بها لكل مصنف ومدرس، وخطيب وخاطب، ومزوج، وبين يدي سائر الأمور المهمة، وكذا الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم. اهـ باختصار.

وقد ذكر الله سبحانه وتعالى لفظ الحمد لله في كتابه العزيز عشر مرات: خمسا في أوائل السور، وخمسا ختم بها بعض السور. واستأثر الله سبحانه بعلم ما أودعه في ذلك

ص: 12

من الحكمة والأسرار: الأولى: قوله تعالى في الفاتحة: {الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] والثانية: سورة الأنعام، وهي قوله تعالى:{الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} [الأنعام: 1]. والثالثة: سورة الكهف، وهى قوله تعالى:{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ} [الكهف: 1]. والرابعة: قوله سبحانه أول سورة سبأ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [سبأ: 1]. والخامسة: سورة فاطر، وهى قوله تعالى:{الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا} [فاطر: 1]. وأما السور التي ختمت بها بلفظ الحمد لله: الأولى: سورة الإسراء، وهي قوله تعالى:{الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا} [الإسراء: 111]. والثانية: سورة النمل، وهى قوله تعالى:{الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [النمل: 93]. والثالثة: سورة الصافات، وهي كقوله تعالى:{وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الصافات: 181، 182]. والرابعة سورة الزمر، وهي قوله تعالى:{وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الزمر: 75]. والخامسة: سورة الجاثية، وهي قوله تعالى:{فَلِلَهِ الحمدُ رَبِّ السموات وَرَبِّ الأرضِ رَبِّ العلمينَ} [الزمر: 36]. وإن بقيت آية واحدة فالعبرة ختمها بالحمد لله لا غير اهـ والله أعلم ما أدع من الأسرار والحكمة في هذا الاتفاق الغريب. نسأل الله صالح الأعمال وحسن الختام بمنه وكرمه آمين.

وقال بعضهم: والحمد لله ثمانية أحرف. وأبواب الجنة ثمانية، فمن قالها عن صفاء قلب يدخله الله من أي باب شاء، أي يخيره في ذلك إكراما له، وإنما يدخل من الباب الذي علم الله أنه يدخل منه اهـ. نسأل الله أن يدخلنا الجنة مع عباده الصالحين آمين.

هذا والكلام في البسملة والحمد لله كثير جدا، وفيما قدمناه كفاية، وبه حصلت البركة إن شاء الله تعالى. قال المصنف رحمه الله:" الهادي " اسم من أسمائه تعالى، وهو صفة من اسم الجلال بمعنى المرشد " إلى سبيل الرشاد " أي إلى طريق الهدى،

ص: 13

وهو دين الإسلام الذي لا اعوجاج فيه. قال تعالى في حق نبيه:

{وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] اللهم اهدنا صراطك المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبين والصديقين والشهداء والصالحين. قال المصنف رحمه الله:" العالم بما بطن وظهر من أحوال العباد " العالم صفة من صفات الله تعالى، وهو العالم بعلمه القديم بجميع المعلومات، الجزئيات والكليات، الظاهريات والباطنيات، من الأمور الدنيوية والأخروية، وهو عالم بما كان، كما هو عالم بما سيكون في السموات والأرضين، وما تحت الثرى، ويستمر علمه بدوام ملكه إلى أن يدخل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، وهو سبحانه عالم باحوال عباده إنسا وجنا وملائكة، وطيرا وحيتانا وغير ذلك من عالم الملكوت والجبروت العلوية والسفلية، وهو عالم بعدد ما تنفست به الأرواح كما هو عليم بعدد قطرات المطر، والحصى والنبات والحبوب، والأوراق والثمار والأشجار. وقد أحاط علمه تعالى بجميع مخلوقاته: جليلها وحقيرها، موجودها ومعدومها، قديمها وحديثها، صحيحها وسقيمها، طائعها وعاصيها، سعيدها وشقيها، قويها وضعيفها، مالكها ومملوكها. وهو عالم بأحوال الإنسان في ظاهره وباطنه، سره وعلانيته، سكونه وحركاته، نطقه وسكوته، خاطره وهاجسه، خيره وشره " ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد " الله سبحانه وتعالى عالم بأحوال العباد جملة وتفصيلا {أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12] {وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا} [الجن: 28] سبحان من لا يخرج شيء عن علمه {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14].

ثم قال المصنف رحمه الله تعالى " جاعل العلماء واسطة في بيان الأحكام " يعني أن الله عز وجل هو جاعل العلماء الراشدين واسطة في بيان أحكام الشريعة الإسلامية، هم الذين يوضحون ويميزون فيما هو واجب على المكلفين، وما هو سنة أو محرم أو مباح أو مكروه، وغير ذلك من العقيدة وغيرها، كما جعل الأنبياء الأمناء

ص: 14

واسطة في تبليغ الرسالة إلى الأمم، وكذلك العلماء واسطة في بيان الأحكام والإرشاد، وراثة من الأنبياء لم يورثوا من الأنبياء. قال عليه الصلاة والسلام:" العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر " رواه أبو داود والترمذي. وقال عليه الصلاة والسلام: " نضر الله امرأ سمع منا شيئا فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع " رواه الترمذي. وقال صلى الله عليه وسلم: " من دل على خير فله مثل أجر فاعله " ولا شك أن من حفظ شيئا من أمر الدين وبلغه على أخيه المسلم فقد فاز بحظ وافر وأجر عظيم ونضارة؛ لدخوله في دعائه عليه السلام.

وقد قام العلماء والفقهاء من أهل السنة بتلك الوظيفة الفائقة بالتبيان والتبليغ والهداية والإرشاد على من دونهم من العوام والجهال، وعلموا وتعلموا حتى صار

الجاهل العامي عالما لاقتباسه العلم من علماء السنة، فهكذا إلى أن عم الآفاق نور العلم والإسلام بواسطة العلماء الراشدين المرشدين المهديين.

هذا معنى قول المصنف جاعل العلماء واسطة في بيان الأحكام، والله أعلم.

ثم قال رحمه الله: " فارقين بما علمهم بين الحلال والحرام " أي حال كونهم فارقين مميزين بين الحلال والحرام وغيرهما من الشبهات.

وقال بعضهم: والعلم النافع هو علم الشريعة والحقيقة المأثور الذي نقله كابر عن كابر وخلف عن سلف، وهو الخبر المرسوم في الكتب، المستودع في الصحف، الذي يسمعه من غبر عمن قدم.

فهذا علم الأحكام والفتيا، وعلم الإسلام والإيمان والقضايا طريقة السمع، ومفتاحه الاستدلال، وخزانته العقل، وهو مدون في الكتب ومحبر في الورق، يتلقاه الصغير عن الكبير بالألسنة، وهو باق ببقاء الإسلام، وموجود بوجود المسلمين؛ لأنه حجة الله تعالى على عباده، ومحجة العموم من خلقه، فضمن إظهاره، فلم يكن ليظهره إلا بحملة تظهره، ونقله تحمله فهذا هو العلم الذي يميز به بين الحلال والحرام، فمن ناله

ص: 15

وعمل به نال خيري الدنيا والآخرة ودخل في مدح الله تعالى للعلماء بقوله: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} [فاطر: 28].

وقال: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9] وعن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أكرموا العلماء فإنهم ورثة الأنبياء، فمن أكرمهم فقد أكرم الله ورسوله " رواه الخطيب.

وقال عليه الصلاة والسلام: " العلم حياة الإسلام وعماد الإيمان، ومن علم علما أتم الله أجره، ومن تعلم فعمل علمه الله ما لم يعلم " رواه ابن حبان عن ابن عباس. وقد بان لك ياأخي أن العلماء العاملين هم الذين أمرنا الله تعالى بطاعتهم ولذا قال المصنف رحمه الله: " فالرابح من فاز بمتابعتهم والخاسر من حاد عن مصاحبتهم " يعني الفائز السعيد من رافقهم وامتثل أوامرهم واقتدى بهم، واقتفى آثارهم في أقوالهم وأفعالهم، والشقي من حاد عنهم، وأعرض لشقوته وخيبته، وقد أمر الله سبحانه بطاعة أولي الأمر منكم، والمراد بهم ولاة الأمور القائمون بالحق وعلى حقوق العباد؛ لأنهم خلفاء الله في أرضه على إقامة الحدود وتنفيذ الأحكام ونصرة دينه، قال تعالى {أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء: 59] وفي الرسالة: والطاعة لأئمة المسلمين من ولاة أمورهم وعلمائهم، واتباع السلف الصالح، واقتفاء آثارهم والاستغفار لهم اهـ.

والمعنى الانقياد واجب لأئمة المسلمين من ولاة الأمور الذين نصبوا أنفسهم لمصالح المسلمين، فإذا أمروا بمعروف وجب الامتثال، وإذا نهوا عن منكر الانكفاف عنه. وتجب أيضا

الطاعة والانقياد للعلماء العاملين بعلمهم، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والحافظين لحدود الله.

وفي الأخضري: ولا يحل له أن يفعل فعلا حتى يعلم حكم الله فيه، ويسأل العلماء ويقتدي بالمتبعين لسنة محمد صللا الله عليه وسلم الذين يدلون على طاعة الله ويحذرون من اتباع الشيطان.

والمعنى وعليك يا أخي بالكتاب والسنة وبطاعة علماء السنة المطهرة، وهم الذين تدرعوا باليقين وغاضت أقدامهم في بحار الشريعة فاستخرجوا لنا نفائس الأحكام ومكارم الأخلاق، وتزينوا

ص: 16

بالعلم والعمل والتقوى، ووسعتهم السنة فلم يعدلوا عنها إلى البدعة والإضلال، ويحذرون من اتباع علماء السوء المفسدين في الأرض الذين ضل سعيهم، وضلوا وأضلوا، وألئك هم الخاسرون.

ثم اعلم أن جيش الزندقة والإلحاد والفساد والإضلال قد عم وانتشر، وأم بلاد الإسلام يغزو بخيله ورجله، ولا معصوم اليوم إلا من عصمه الله بحمايته، نسأل الله أن يحفظنا ويجعلنا من الناجين المخلصين ببركة سيد المرسلين آمين.

ولما أنهى الكلام على الخطبة انتقل المصنف مصليا ومسلما على النبي بقوله: " وصلواته وسلامه على عبده ورسوله محمد " وقد أتى بالصلاة والتسليم امتثالا لأمر الله سبحانه في قوله: {إِنَّ اللهَ وَمَلئكَتَهُ يصلُّونَ عَلَى النَّبَىِّ يأيُّهَا الذَّينَءَامَنُوا صَلُّواْ عليهِ وّسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} [الأحزاب: 65] وصلاة الله تعالى على نبيه الطاهر هي رحمته المقرونة بالتعظيم، وتحيته اللائقة به صلى الله عليه وسلم.

وأما صلاتنا وصلاة الملائكة فهي الدعاء له بما يليق به. قال الصاوي في حاشيته على الجلالين: وحكمة صلاة الملائكة والمؤمنين على النبي تشريفهم بذلك، حيث اقتدوا بالله في مطلق الصلاة وإظهار تعظيمه صلى الله عليه وسلم، ومكافأة لبعض حقوقه على الخلق؛ لأنه الواسطة العظمى في كل نعمة وصلت لهم، وحقَّ على من وصلت له نعمة من شخص أن يكافئه، فصلاة جميع الخلق عليه مكافأة لبعض ما يجب عليهم من حقوقه اهـ.

وقال صلى الله عليه وسلم: " من صلى على في كتاب لم تزل الملائكة تصلي عليه " وفي نسخة: " تستغفر له ما دام اسمي في ذلك الكتاب " وقال صلى الله عليه وسلم: " من صلى علي صلت عليه الملائكة ما دام يصلي علي، فليقلل عند ذلك أو يكثر " اللهم صل وسلم على سيدنا محمد عدد معلوماتك، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ص: 17

وحكم الصلاة على النبي عند الإمام مالك الوجوب عينا في العمر مرة، كغيرها من الأذكار، إلا أنه يستحب تكرارها في كل وقت بلا حد، بل بقدر الطاقة والإمكان لأنها عبادة. وقول المصنف:" على عبده ورسوله " أي صلوات الله وسلامه دائمتان بدوام ملك الله على عبده ورسوله الذي قد قام بحق العبودية

وتبليغ الرسالة وأداء الأمانة سيدنا " محمد " بن عبد الله، بن عبد المطلب، بن هاشم، بن عبد مناف، بن قصي، بن حكيم، العربي القرشي المكي.

وأما أمه فهي سيدتنا آمنة بنت وهب بن عبد مناف، بن زهرة، بن حكيم المذكور في نسبه من جهة أبيه.

ولد صلى الله عليه وسلم بمكة المكرمة حين طلوع فجر يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول عام الفيل، ونشأ صلى الله عليه وسلم معصوما محفوظا بين الأعداء ليقضي الله أمرا كان مفعولا.

ولما بلغ من العمر أربعين سنة بعثة الله رحمة للعالمين، ونزل علىه الروح الأمين بغار حراء بقوله تعالى:{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] الآية، ومكث بمكة يدعو الناس إلى الإسلام بعد الوحي سرا، حتى نزل عليه " فاصدع بما تؤمر " فكان يدعو الناس سرا وعلانية، وقام فيهم بالدعوة إلى الله فدعا قومه إلى عبادة الله وحده وترك الأوثان، فمنهم من هدى الله، ومنهم من حقت عليه الضلالة، ولاقى صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه أذى كثيرا، ومكث بمكة ثلاث عشرة سنة على تلك الحالة، فأمر أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، فهاجر بعضهم، ثم أمرهم مرة أخرى فهاجر بعضهم في الثانية، ثم أذن الله له بالهجرة الكبرى إلى المدينة المنورة فهاجر إليها ومكث هناك، وفتح الله له منها البلدان، وصارت المدينة مركزا للإسلام.

ومن المدينة المنورة انتشر الإسلام إلى أقطار الأرض، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وأكمل الله الدين بقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ

ص: 18

دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] هذه الآية نزلت بعرفة في حجة الوداع والنبي واقف تحت جبل الرحمة بعد عصر يوم الجمعة، ثم بعد تمام نسكه ورجوعه إلى المدينة توفي صلى الله عليه وسلم ضحى يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، ودفن في بيت عائشة يوم الثلاثاء وقيل ليلة الأربعاء، وله من العمر ثلاث وستون سنة، وهو صاحب التاريخ النبوي الهجري صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المصنف رحمه الله تعالى: " الداعي إلى دار السلام " أي المنادي إلى الإيمان بالله المؤدي إلى دار السلام وهي الجنة. والسلام: اسم من أسمائه تعالى، والمراد به هنا الجنة، وأضيفت الدار للسلام لأنها سالمة من الآفات والكدرات، والمعنى انه عليه الصلاة والسلام هو الداعي للمكلفين كافة من الإنس والجن وغيرهم ممن أمر بتبليغ الرسالة إليهم ليؤمنوا بالله ورسله وبجميع ما يجب علينا الإيمان به من المغيبات؛ لأنه طريق مؤد إلى دار الجنة. قال العلامة الصاوى في حاشيتة على الجلالين، عند قوله تعالى في سورة يونس:{وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ}

[1/يونس: 25] أي السلامة وهي الجنة، أشار بذلك إلى أن المراد بهذا الاسم ما يشمل جميع الجنات لا خصوص المسماة بهذا الاسم، من باب تسمية الكل باسم البعض، وكذا يقال في باقي دورها، كدار الجلال، وجنة النعيم، وجنة الخلد، وجنة المأوى، والفردوس، وجنة عدن، فهذه الأسماء كما على مسمياتها يطلق كل اسم منها على جميع دورها لصدق الاسم على المسمى في كل اهـ.

وقال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33] الدعاء إلى الله: تبليغ التوحيد والرسالة إلى المكلفين، ورد الكفرة عما هم عليه.

والرسول قد بلغ الدعوة كما أمر غاية التبليغ، حتى أتاه اليقين صلى الله عليه وسلم.

ص: 19

قال المصنف رحمه الله تعالى: " المبشر بما فيها من التفضل والإكرام " وفي نسخة من التفضيل بوزن التفعيل، والأولى بوزن التفعل وهي أولى من الثانية لدى أهل هذا الفن. والمعنى أن النبي عليه الصلاة والسلام مبشر في الجنة من النعيم الأبدي، كما أنه بشير، أي مخبر عن الله بما يسر المؤمنين والطائعين من فضله وإحسانه بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

والبشارة - بكسر الباء - هي إذا أطلقت لا تكون إلا بالخير، وإذا قيدت جازت أن تكون بالشر، كقوله تعالى:{فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران: 21] والمعنى كما تقدم آنفا أنه صلى الله عليه وسلم مخبر عن الله بما في الجنة من النعيم والفضل والإكرام تفضيلا منه تعالى، وأيضا انه مخبر ومبلغ إلى الأمة بجميع ذلك، فهو بشير مبشر.

وفي الرسالة " ثم ختم الرسالة والنذارة والنبوة بمحمد نبيه صلى الله عليه وسلم، فجعله آخر المرسلين بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ".

قال المصنف رحمه الله تعالى: " وعلى آله وأصحابه " قال الله سبحانه في حق أهل البيت: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33] وقال أيضا في حق الصحابة عموما: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ} [الفتح: 92].

وقال تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 23] اهـ، وكل ذلك ثناء من الله تعالى على الآل والأصحاب. والآل في مقام منع الزكاة هم بنو هاشم فقط على المعتمد عند المالكية وكذا عند الإمام أحمد، وقال الشافعي: هم بنو هاشم والمطلب، ووافقه أشهب من أصحابنا. وقال أبو حنيفة

ص: 20

هم فرق خمس: آل علي، وآل العباس، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل الحارث، أي ابن عبد المطلب. وأما في مقام الدعاء فكل مؤمن موحد ولو عاصيا. وهذا اللائق هنا؛ لأن المقام مقام دعاء يطلب فيه التعميم اهـ، وقوله وأصحابه، جمع صحابي من المهاجرين والأنصار وغيرهم، وهو من اجتمع به صلى الله عليه وسلم من جنس العقلاء ولو جنيا أو ملكا، أو غير مميز اجتماعيا متعارفا على وجه الأرض، ولو لحظة مؤمنا به في حال حياته، ولم يرتد حتى مات على الإسلام، وفي حال يقظة ولو أعمى ليدخل ابن أم مكتوم ونحوه من العميان، فعيسى والخضر وإلياس صحابة على المعتمد، لأنهم اجتمعوا به في الأرض.

وعيسى آخر الصحابة موتا من البشر، وهو الان حي، وسئل جلال الدين السيوطي رحمه الله عن حياة عيسى، عليه السلام، ومقره وطعامه وشرابه فقال: هو في السماء الثانية لا يأكل ولا يشرب، بل هو ملازما للتسبيح كالملائكة اهـ.

وهو أفضل من جميع الصحابة. وقد قال التاج السبكي في ذلك ملغزا:

من باتفاق الناس أفضل من

خير الصحاب أبي بكر ومن عمر

ومن علي ومن عثمان وهو فتى

من أمة المصطفى المختار من مضر

وفي الحديث عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ليس بيني وبين عيسى، عليه السلام، نبي، وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، بين ممصرتين، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، فيقاتل الناس على الإسلام، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية - أي لا يأخذها - ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك المسيح الدجال، ثم تقع الأمنة على الأرض حتى يرتع الأسد مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، وتلعب

ص: 21

الصبيان بالحيات، فيمكث عيسى في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى فيصلي عليه المسلمون " رواه أبو داود والحاكم والإمام أحمد اهـ.

ثم قال المصنف رحمه الله: " البررة الكرام " هذا من بعض أوصافهم، أي بررة أتقياء مطيعين لله ورسوله، والكرام أي مكرمين معظمين عند الله وعند الناس.

وهؤلاء الصحابة استحقوا المجد الأبدي لأن الله تعالى اصطفاهم انصرة نبيه وإقامة دينه، ورفع ذكرهم في كتابه العزيز، وأحبهم وأمر بحبهم؛ لأنهم السابقون الأولون. قال الله تعالى:{وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100] وقال سبحانه: {لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ} [التوبة: 177].

هذا وقد فازوا بالحظ الأوفر في دار الدنيا والآخرة. وقد أشاد الله بذكرهم في مواضع عديدة في كتابه العزيز، وفضل بعض الصحابة على بعض درجات، كمن اجتمعت له الصحبة

والقرابة كعلي بن أبي طالب وأمثاله، والخلفاء الأربعة لأنهم فازوا بنيل السبقية إليه، وبالإجابة والهجرة والنصرة في أول الأمر، فواجب على كل أحد من المسلمين تعظيمهم وتوقيرهم واحترامهم رضي الله عنهم أجمعين.

قال المصنف رحمه الله: " صلاة توجب لهم مزيد الفضل والإكرام " وفي نسخة والإنعام. والمعنى اصلي صلاة على الآل والأصحاب بعد الصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، صلاة يستحقون بها زيادة الفضل والإكرام والإنعام عند الله الكريم لأن الكرماء يقبلون زيادة الإكرام والإنعام.

ص: 22

ولما انتهى المصنف من تقديم ما يجب تقديمه من البسملة والحمدلة والصلاة والسلام على النبي والآل والأصحاب، وعن جميع ذلك شرع الآن في بيان سبب تصنيف هذا الكتاب فقال رحمه الله " وبعد " بإسقاط أما. قال العلامة الشيخ أحمد رزوق الفاسي في شرح الرسالة عند قول مصنفها أما بعد: يعني أما بعد ما تقدم من حمد الله والثناء عليه وذكر ما به على الإنسان من المبرة والإكرام، فإن السؤال ورد علي بكذا، فهي إذا كلمة فضل تضمنت معنى الشرط.

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعملها في خطبه ومكاتباته، وجرى السلف في ذلك على سنته.

وقيل إنها فصل الخطاب الذي أوتيه داود عليه السلام. قال النووي: والتحقيق أن فصل الخطاب بين الحق والباطل في الحكم.

وفي الكشف هي من فضل الخطاب. وفي الترمذي ما يدل على أن أول من تكلم بها يعقوب عليه السلام لبنيه فقال: أما بعد فأنا أهل بيت أهل أهل بلاء، الحديث. وقيل: أول من تكلم بها داود عليه السلام. وقيل قس بن ساعدة. وقيل يعرب بن قحطان. وقيل كعب بن لؤي. وقيل سحبان بن وائل.

وقال ابن ناجي في شرح الرسالة: وتسمى كلمة إقبال وفصل وتفصيل، وفيها معنى الشرط. والتحقيق أن الفصل والشرط إنما هو في اما خاصة دون بعد، فقيل إن أما حرف تفصيل نابت عن حرف الشرط وفعله.

وبعد بضم الدال، وأجاز الفراء أما بعدا بالنصب والتنوين.

وأجازه ابن هشام بفتح الدال دون التنوين، وأنكره النحاس. وفي على ضم بعد للنحويين بضعة عشر قولا. وهي كلمة توضع في صدور الرسائل عند إرادة المقصد. قال ثعلب: معناها خروج عما نحن فيه إلى غيره، وفيها معنى التنبيه اهـ.

قال بعض أهل المذهب: يستحب الإتيان بها في أوائل الكتب والخطب اقتداء

ص: 23

به صلى الله عليه وسلم، ففي حديث البخاري في كتاب هرقل:" أما بعد أسلم تسلم " الحديث. وقد عقد لها البخاري بابا في كتاب الجمعة وذكر فيه أحاديث كثيرة فراجعها إن شئت، انظر الخطاب اهـ.

قال المصنف رحمه الله تعالى: " فإن الولد السعيد وفقه الله تعالى لما راهق سن الرشاد، وناهز أن ينتظم في سلك أهل السداد " يعني أخبر المصنف بسبب إنشاء تصنيفه هذا الكتاب المبارك، وذلك أن الولد البيب السعيد الذي وفقه الله تعالى ونور قلبه بنور الإلهام من الله ساقته العناية والسعادة الأبدية إلى السؤال، لما راهق وناهز، ومعناهما أي حين قارب أن يدخل في سن الهداية والرشاد باقترابه للبلوغ والاحتلام، وقارب أن ينتظم في سلك الرجال بالخروج من حال الصبا إلى حال الرجولية التي هي التكليف، ويتميز بها الاحوال والحقوق، أي يميز بها بين الحق والباطل، وبين الحلال والحرام، والخبيث والطيب، وبين الخطأ والصواب وغير ذلك من الأحكام الدينية والمعاملة، وبذلك يسلك الإنسان سبيل أهل الحق والرشاد والتوفيق والسداد، فلما كان ذلك لا يمكن ولا يتحصل عليه إلا بواسطة التعلم من العالم المرشد الناصح انتدب هذا الولد السعيد اللبيب، وبادر بالسؤال فيما يوصله لذلك وينفعه في الدنيا والآخرة، وطلب من المصنف أن يضع له كتابا مختصرا، فأجاب الشيخ عن سؤاله. وهذا الولد السعيد هل هو ولد للمصنف، وهو المتبادر في الذهن أو من تلاميذه، وهما احتمالان والله أعلم. وعلى كل حال فإنه ولد عاقل لبيب أديب مبارك، قد انتفع به المسلمون عموما، نفعنا الله بسؤاله نفعا عميقا، ونسأل الله تعالى أن يكثر لنا من أمثاله، إنه ولي التوفيق.

قال المصنف رحمه الله تعالى فإن الولد السعيد: " سألني أن أضع له كتابا يكون مع كثرة معانيه وجيز اللفظ سهل التناول والحفظ " يعني أن ذلك الولد السعيد السائل

ص: 24

المذكور طلب من المصنف أن يضع له ولأمثاله كتابا يتفقه فيه ويتفهم منه أمر دينه ودنياه، وأن يكون وجيزا مختصرا قليل الألفاظ كثير المعنى، وأن يكون لطيفا في حجمه، سهل التناول في حمله، ومتى كان كذلك كان جديرا بسهولة الحفظ، وكل ذلك مع مراعاة الاستيفاء والاستيعاب لجميع ما يحتاج إليه في المسائل الدينية مما يجب على المكلف الذي لا غنى عنه من الحقوق البدنية والعبادات والاعتقادات والمعاملات المالية والمناكحات وغيرها من الحقوق اللازمة، مع ملاحظة كون ذلك في مذهب إمام الأئمة مالك بن أنس، رضي الله عنه، آمين، فأجابه المصنف إلى جميع ما شرط في ذلك لما يرجوه من الله من ثواب من علم دين الله أو دعا إليه. والحديث عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم حين بعث عليا إلى خيبر قال:" والله لأن يهدي الله بك رجلا خير لك من حمر النعم " رواه البخاري ومسلم وأبو داود اهـ.

ولقيامه أيضا بواجب العلم وحذرا من وعيد كتمه لما في الترمذي وأبي داود

عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة " نسأل الله أن يرزقنا الصواب في السؤال والجواب، إنه ولي التوفيق.

ثم إن المصنف لما أراد أن يقوم بالواجب في حق السائل وغيره من طلاب العلم قال رحمه الله: " فاستخرت الله تعالى " قوله فاستخرت الله تعالى: الاستخارة هي طلب الإذن في فعل أحد الأمرين المتساويين في الإباحة، بأن يصلي ركعتين فأكثر بقصد أن يختار الله له أنفع طريق من الأمرين أيهما يسلك فيه، وهي مستحبة عند كل أمر مهم من الجائزات، كالسفر، والنكاح، والتجارة، أي في كيفية الشروع فيها كوضع الأبواب أو الفصول في مثل التأليف والتصنيف كما هنا.

ص: 25

وأما الأمر الواجب والمندوب فلا استخارة فيهما، لأنك منهي عنهما. والاستخارة لا تكون إلا في المباح وهو الجائز.

قال النفراوي في الفواكه على الرسالة، عند قول مصنفها:" وإياه نستخير ": أي نطلب منه أن يقدر لنا ارتكاب ما هو خير في كيفية الإتيان بألفاظ تلك الجملة، وعلى أي وجه نأتي بها هل هي على غاية من المبالغة في الاختصار، أو بين بين. وليست الاستخارة في أصل الكتابة وعدمها لأنها خير يقدم فعله على تركه، وأيضا الاستخارة في الشروع تقدمت قبل الشروع، وإنما الاستخارة المطلوبة الآن في صفة الإتيان، فسقط ما قد يقال: الإنسان إنما يستخير قبل شروعه والمصنف شرع فكيف يستخير الآن.

وحكم الاستخارة الندب في كل أمر تجهل عاقبته، فإن فيها تسليم الأمر إلى الله سبحانه وتعالى ليختار له تعالى ما هو خير له.

وتكون الاستخارة بالحمد لله والصلاة على نبيه عليه الصلاة والسلام في جميع الأمور، ثم يمضي لما انشرح له صدره.

ففي الصحيح عن جابر: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول إذا هم أحدكم بأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم يقول: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي يسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال عاجل أمري وآجله - فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به " قال ويسمي حاجته اهـ. وروى ابن السني عن أنس قال: قال رسول

ص: 26

الله صلى الله عليه وسلم: " يا أنس إذا هممت بأمر فاستخر ربك سبع مرات ثم انظر إلى الذي سبق إلى قلبك فإن الخير فيه " قال النووي: ويقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة

سورة الكافرون، وفي الثانية بعد الفاتحة قل هو الله أحد. وقال بعضهم: ينبغي أن يقرأ في الأولى بعد الكافرون: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ} [القصص 68، 69] وفي الثانية بعد الإخلاص: {يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا} [الأحزاب: 36] ثم بعد تمامه يعمل بما ينشرح به صدره، وإلا كرر الصلاة والدعاء سبعا لحديث ابن السني المتقدم. وينبغي أن يكون وقتها وبعد إتمامها تاركا لجميع أشغاله بالكلية منتظرا لما يختاره الله له، فإن الخير بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وإذا تعذرت الاستخارة بالصلاة استخار بالدعاء كالحائض، وتجوز الاستخارة للغير لأنها إعانة على الخير كالاستشارة، قال تعالى:{وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38] وقال تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159].

ولما أتم المصنف الاستخارة وظهر وجه الخيرة عزم على أن يجعل هذا الكتاب مختصرا ففعل، وقال رحمه الله تعالى:" وجعلت له هذا المختصر " الضمير في له راجع إلى السائل وهو الولد السعيد المتقدم ذكره، والمعنى لما عزمت وتوكلت على الله تعالى كتبت للسائل هذا الكتاب المختصر الذي سميته " بإرشاد السالك إلى أشرف المسالك " بأن جعلته وجيز الأحرف، أي قليل الألفاظ، كثير المعنى، سهل التناول والحفظ، كما هو مطلوب السائل. وقد جاء كما سأل، فلله الحمد والشكر، وأودع فيه المصنف جميع المطلوب والمرغوب كما صرح بقوله: " وأودعته جزيلا من الجواهر

ص: 27

والدرر " يعني أنه ما آلى وما قصر في البيان في هذا الكتاب، بل اجتهد غاية الاجتهاد في استنباط المآرب، وغاص في بحار العلوم والشريعة، ونظر فيها بعين الحقيقة بالدقة والتحقيق والتدقيق، حتى استخرج منها الغوامض والفوائد والنفائس، والجزيلات من اللآلئ والجواهر واليواقيت والدرر الفاخرة الغالية، والديباج والحلل النفسية الثمينة.

والمعنى أنها عبارة عن المسائل الدينية والأركان الإسلامية والأحكام الشرعية، حيث إنه أودع في كتابه هذا جميع ما يحتاج إليه في الدين من المأمورات والمحظورات، وكيفية أداء العبادة، وبيان أحكام الصلاة من الفرائض والسنن والمرغوبات، وأحكام الطهارة، والزكاة، والصيام، والحج، والجهاد، والأيمان، والنكاح، والبيوع، والقضايا في الدماء والحدود، والشهادات، وأحكام الميراث والعتق والولاء، والوصايا، وغير ذلك مما يتعلق بأحكام الشريعة الإسلامية مما لا غنى عنه.

وقد بين المصنف جميع ذلك تفصيلا وإجمالا بدون تفريط ولا إفراط، أودع جميع ذلك لنفع الأمة فجزاه الله عنا وعن المسلمين خير جزاء.

ثم قال رحمه الله تعالى: " وسميته إرشاد السالك -إلى أشرف المسالك " والمقصود بتسمية هذا الكتاب بالإرشاد تفاؤلا بهداية السائل ورشاده والله أعلم.

ومن المعقول طبعا وشرعا أن من سئل شيئا من أمر الدين يريد الهداية والإرشاد والفهم فيه. ومعنى السالك أي الداخل في طريق النجاة، ومن أوضحه وأشرفه وأعلاه منزلة فن الفقه؛ لأنه به يفقه أمر دينه ودنياه، ويميز به بين الحق والباطل والحرام من الحلال. قال تعالى:{فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ} [التوبة: 122] الآية.

وفي الحديث الصحيح عن معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين " الحديث، وقال بعضهم:

إذا اعتز ذو علم بعلم

فعلم الفقه أولى باعتزاز

ص: 28

فكم طيب يفوح ولا كمسك

وكم طير يطير ولا كبازي

ولا شك أنه كذلك. نسأل الله سبحانه أن يفقهنا في الدين آمين.

وقد نسب المصنف كتابه هذا إلى مذهب إمامنا بقوله: " على مذهب الإمام أبي عبد الله مالك " أخبر المصنف أنه وضع أساس بناء هذا الكتاب على قواعد مذهب إمام الأئمة، ومصباح السنة، إمام دار الهجرة أبي عبد الله مالك بن أنس المتقدم ذكره في أول الخطبة. وقوله الإمام الأعظم هذا من حسن الوضع وحسن الثناء، ولم أر أحدا من أهل المذهب ولا غيره كنى الإمام بالأعظم سوى مصنفنا العلامة شهاب الدين عبد الرحمن بن محمد بن عسكر البغدادي رحمه الله آمين.

والمعروف بالإمام الأعظم أبو حنيفة بن ثابت التابعي صاحب المذهب، رضي الله عنه. وقوله على مذهب الإمام، يعني على ما ذهب إليه وأفتى به نفسه في حياته، وعمل به أصحابه بعد مماته كما تقدم في أول الخطبة.

وحاصل ما في المقام أن الإمام رحمه الله تعالى نشأ بين العلماء غلاما مهذبا عاقلا حافظا ضابطا، متقنا للسنة المطهرة برا تقيا، فتعلم منهم وجمع علومهم، وحفظ آراءهم، ونقل آثارهم، وعرف مذاهبهم وماركهم، وأحكم قواعدهم، وجمع بين الفقه والحديث حتى صار إماما في السنة، وسيد فقهاء الحجاز، وهو الذي قيل فيه تعظيما: " لا يفتي أحد ومالك في المدينة وأصبحت مثلا.

وكان رحمه الله فقيرا أول أمره، فحسنت حاله. وقد أخذ العلم عن نحو مائة شيخ انتقاهم وارتضاهم، فما لبث فيهم إلا وقد تبين فضله واشتهر علمه ومجده، ونبل قدره وعظمت منزلته، وعرفت مكانته، وظهرت سيادته، فأقروا بفضله وأذعنوا

لعلمه، فساد جميع أقرانه وفاق أهل زمانه حتى سمي " عالم المدينة وإمام دار الهجرة " واشتهر خبره في الأمصار، وانتشر ذكره وعلمه

ص: 29

في سائر الأقطار، وضربت له أكباد الإبل، وارتحل إليه الناس أفواجا من كل مصر وأتوه من كل قطر ومن كل فج عميق. فجلس لتدريس العلوم وهو ابن سبع عشرة سنة وأشياخه متوافرون، فمتع الله المسلمين بطول حياته فعاش قريبا من تسعين سنة وهو يدرس ويفتي، وشهد له التابعون بالفقه والحديث وجودة الفهم، واحتاج إليه معلموه ومشايخه وجلسوا في دروسه وسألوه عن أمر دينهم، وألف كتابه الموطأ وغيره من تآليفه، واستقبله الناس بالقبول والتسليم، وانتفع الناس بأفعاله وأقواله، وانتشرت علومه ومذهبه شرقا وغربا، فصار قدوة في الدين وإماما في السنة اهـ.

وقال العلامة الشيخ أحمد تيمور رحمه الله في رسالته: أما المذهب المالكي فهو منسوب إلى إمام دار الهجرة مالك بن أنس الأصبحي، رضي الله عنه، المولود سنة 93 هجرية، والمتوفى بالمدينة سنة 179.

وهو ثاني الأربعة في القدم. ويقال لأصحابه أهل الحديث. وقد نشأ المذهب بالمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام. ثم انتشر في الحجاز، وغلب عليه وعلى البصرة ومصر وما والاها من بلاد إفريقية والأندلس وصقلية والمغرب الأقصى إلى بلاد السودان وظهر ببغداد ظهورا كثيرا، ثم ضعف فيها بعد القرن الرابع اهـ.

وقال الإمام أحمد بن حنبل: إذا رأيت الرجل ينقص مالكا فاعلم انه مبتدع قال أبو داود: وأخشى عليه من البدعة. وقال ابن مهدي: إذا رأيت الحجازي يحب مالكا فاعلم أنه صاحب سنة، وإذا رأيت أحدا يتناوله فاعلم أنه على خلاف ذلك اهـ.

وقال الحطاب: ومن طالع مناقب الأئمة الأربعة عرف علو مرتبتهم، ووجوب تقديمهم على غيرهم، ولزوم الاقتداء بهم، وترجح عنده أحدهم على ما يتعرف من مراتبهم، ويرى مع ذلك أن مالكا أعلاهم وأسناهم، ألا ترى أن الشافعي تلميذه، وأحمد

ص: 30

تلميذ الشافعي. وكفى الشافعي شرفا أن مالكا شيخه.

وأما أبو حنيفة فذكر غير واحد أنه لقى مالكا وأخذ شيئا من الحديث، فهو شيخ الكل، وإمام الأئمة، وكلهم على هدى وتقى، وعلم وورع وزهد اهـ.

وأما أصحاب المذاهب غير الأربعة وليس لمذاهبهم ذكر اليوم، وأدخلت في الأربعة المشهورة، ذلك كمذهب سفيان الثوري، والحسن البصري،

وعبد الله بن المبارك، وإسحاق بن راهويه، وأبي ثور، والنخعي، وداود بن علي إمام الظاهرية، والليث بن سعد، وسعيد بن المسيب، والأوزاعي وهؤلاء كلهم اندرست مذاهبهم. رحمهم الله تعالى أجمعين.

وأما مذهب الإمام فإنه انتشر وشاع في الأقطار كشمس الضحى، وهو الذي اختاره أهل المغرب قاطبة من أهل الأندلس وفاس وبعض أهل مصر وسائر الأمصار في المغرب الأقصى إلى بلاد السودان وبعض أهل العراق ومنهم المصنف؛ لأنهم كانوا يقتدون بإمام دار الهجرة توفيقا من الله تعالى وتصديقا لقول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم لأهل المغرب:" لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة ".

ثم دعا المصنف للإمام بقوله: " قدس الله روحه ونور ضريحه " قوله: قدس أي نزه وطهر، وقوله ضريحه أي قبره: والمعنى أنه دعا وسأل الله تعالى بلسان التضرع والابتهال أن يطهر وينزه روح الإمام في حياته البرزخية لأن الإنسان إذا انتقل من الدنيا محتاج للدعاء ولو كان في النعيم، خصوصا بتقديس روحه وتنوير قبره الذي

ص: 31

هو أول منزل من منازل الآخرة. وفي الرسالة " وأرواح أهل السعادة باقية ناعمة إلى يوم يبعثون " أي منعمة برؤية مقعدها في الجنة. وفي الحديث: " المؤمن في قبره في روضة خضراء، ويوسع له قبره سبعين ذراعا، ويضيء حتى يكون كالقمر ليلة البدر " اهـ، ومن نعيم القبر توسيعه، وجعل قنديل فيه، وفتح طاقة فيه من الجنة وملؤه خضرا أي نعيما، روضة من رياض الجنة اهـ النفراوي.

واختلف العلماء في مقر الروح من الشخص حال الحياة، والصواب عدم العلم بحلها من البدن، لقوله تعالى:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85] أي مما انفرد بعلمه.

وأما مقرها بعد الموت وقبل القيامة، قال النفراوي: فمختلف فيه، فمقر أرواح الأنبياء الجنة، ومقر أرواح الشهداء في أجواف طيور خضر ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش. ومقر أرواح غيرهما البرزخ، والمراد به هنا الحاجز بين الدنيا والآخرة، وله زمان وحال ومكان، فزمانه من حين الموت إلى يوم القيامة، وحاله الأرواح، ومكانه من القبر إلى عليين لأرواح أهل السعادة.

وأما أرواح أهل الشقاوة فلا تفتح لهم أبواب السماء، بل هي في سجين معذبة تحت الأرض السابعة. والدليل على جميع ذلك ما في الصحيح من أنه صلى الله عليه وسلم قال: " إذا مات أحكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل

الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال هذا مقعدك إلى أن يبعثك الله ".

ومما يجب اعتقاده والإيمان به أن للمؤمنين والأولياء نورا ساطعا في قبورهم ونشورهم إلى دخولهم الجنة، نسأل الله أن يجمعنا من أهل النور يوم القيامة مع أئمتنا

ص: 32

وإخواننا الذين سبقونا بالإيمان من المؤمنين يسعى نورهم بين أيديهم يوم القيامة. قال الله تعالى: {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [الحديد: 12] وقال تعالى: {يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التحريم: 8] وفي الأثر: قال قتادة: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من المؤمنين من يضيء نوره إلى عدن وصنعاء ودون ذلك، حتى إن من المؤمنين من لا يضيء نوره إلا موضع قدمه " اهـ. اللهم اجعلنا في عبادك الصالحين يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير.

قال المصنف رحمه الله تعالى: " وعلى الله المعتمد في بلوغ التكميل وهو حسبي ونعم الوكيل " هذا وقد اعتمد المصنف على الله وعليه التكلان في بلوغ المقصود والمراد به هنا القدرة على إكمال الكتاب على وجه الصواب، كما أنه يطلب لكل شارع في فن من الفنون أن يعتمد ويتوكل على الله ويثق به في جميع أموره ومهماته، ويتوكل عليه قبل شروعه؛ لأن من يتوكل عليه فهو كافيه وشافيه.

قال عز وجل: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3] والمعنى أنه من فوض أمره إليه كفاه ما أهمه من أمر دينه ودنياه، نسال الله حسن التوكل والاعتماد عليه، فهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

ولما أنهى الكلام على الخطبة وما اشتملت عليه من البدائع والرونق أراد المصنف الشروع في المقاصد، فقال رحمه الله:

ص: 33