المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصلفي ستر العورة في الصلاة وخارجها - أسهل المدارك «شرح إرشاد السالك في مذهب إمام الأئمة مالك» - جـ ١

[الكشناوي، أبو بكر]

فهرس الكتاب

- ‌خطبة الكتاب

- ‌ترجمة المصنف

- ‌كتاب الطهارة

- ‌فَصْلٌفي أحكام الميتات وأجزائها والمسكرات وغيرها

- ‌تنبيه:

- ‌فَصْلٌفي بيان أحكام قضاء الحاجة وما يتعلق بذلك

- ‌فَصْلٌفي بيان فرائض الوضوء

- ‌سنن الوضوء

- ‌فضائل الوضوء

- ‌مكروهات الوضوء

- ‌شروط صحة الوضوء ووجوبه

- ‌فَصْلٌفي نواقض الوضوء

- ‌فَصْلٌفي موجبات الغسل

- ‌فرائض الغسل

- ‌تنبيهات:

- ‌تتمة:

- ‌فَصْلٌفي المسح على الجبيرة

- ‌فَصْلٌفي المسح على الخفين

- ‌فَصْلٌفي التيمم

- ‌فَصْلٌفي أحكام الحيض

- ‌تنبيه:

- ‌فَصْلٌفي أحكام النفاس

- ‌كتاب الصلاة

- ‌فَصْلٌفي أحكام الأذان

- ‌تنبيه:

- ‌فَصْلٌفي شروط الصلاة

- ‌فَصْلٌفي ستر العورة في الصلاة وخارجها

- ‌فَصْلٌفي أركان الصلاة

- ‌سنن الصلاة

- ‌فَصْلٌفي فضائل الصلاة

- ‌فَصْلٌفي أحكام العاجز عن القيام في الصلاة

- ‌فَصْلٌفي بيان أحكام الجمع بين المغرب والعشاء ليلة المطر

- ‌فَصْلٌفي حكم الجماعة

- ‌فَصْلٌفي من يلحق بأحكام الجماعة

- ‌فَصْلٌفي قضاء الفوائت

- ‌حكم تارك الصلاة

- ‌فَصْلٌفي سجود السهو

- ‌فَصْلٌفي أحكام الرعاف

- ‌فَصْلٌفي بيان النوافل وأوقاتها وكيفيتها

- ‌ التراويح

- ‌الوتر سنة مؤكدة

- ‌ سجود التلاوة

- ‌خاتمة:

- ‌كتاب صلاة السفر

- ‌فَصْلٌفي حكم صلاة الخوف

- ‌فَصْلٌفي صلاة الجمعة

- ‌فَصْلٌفي صلاة العيدين

- ‌فَصْلٌفي صلاة الاستسقاء

- ‌فَصْلٌفي صلاة الكسوف

- ‌كتاب الجنائز

- ‌ خاتمة:

- ‌كتاب الزكاة

- ‌فَصْلٌفي زكاة الذهب والفضة

- ‌تنبيهان:

- ‌ الإبل

- ‌فَصْلٌفي زكاة الماشية وهي الإبل والبقر والغنم

- ‌ البقر

- ‌الغنم

- ‌ الخلطة

- ‌فَصْلٌفي زكاة الحرث والثمار وما يتعلق بها من الأحكام

- ‌فَصْلٌفى زكاة الفطر ومن تلزمه

- ‌فَصْلٌفيمن تصرف له الزكاة

- ‌كتاب الصيام

- ‌فَصْلٌ فيمن يلزمه القضاء دون الكفارة

- ‌فَصْلٌفيما يندب فعله للصائم

- ‌ الاعتكاف

- ‌كتاب الحج

- ‌فَصْلٌفي مواقيت الحج والعمرة

- ‌فَصْلٌفي أركان الحج وكيفية الإحرام

- ‌ قصيدة

- ‌فَصْلٌفي الفدية وما يتعلق بها من الأحكام

- ‌فَصْلٌفي الصيد وما يترتب فيه من الجزاء وعدمه

- ‌فَصْلٌفي دماء الحج مطلقا وسن الهدي وغيره مما يجزئ وما لا يجزئ

- ‌فَصْلٌفيما يتعلق بحج الصبي والعبد والمرأة وغيرهم

- ‌فَصْلٌفي العمرة وأحكامها

- ‌خاتمةفي زيارة النبي صلى الله عليه وسلم

الفصل: ‌فصلفي ستر العورة في الصلاة وخارجها

‌فَصْلٌ

في ستر العورة في الصلاة وخارجها

أي في ستر العورة. والمعنى أن المصنف رحمه الله عقد هذا الفصل في بيان وجوب ستر العورة بقوله: " ستر العورة شرط " أي في صحة الصلاة. قال الخرشي: والعورة في الأصل الخلل في الثغر وغيره وما يتوقع منه ضرر وفساد، ومنه عورة المكان أي توقع الضرر والفساد منه. وقوله تعالى:{إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَة} [الأحزاب: 13] أي خالية يتوقع فيها الفساد. والمرأة عورة لتوقع الفساد من رؤيتها أو سماع كلامها، لا من العور بمعنى القبح لعدم تحققه في الجميلة من النساء لميل النفوس إليها. وقد يقال المراد بالقبح ما يستقبح شرعا وإن ميل إليه طبعا. وعبارة بعضهم: والعورة وهو القبح، لقبح كشفها لا نفسها، حتى قال محيي الدين بن عربي: الأمر بستر العورة لتشريفها وتكريمها لا لخستها، فإنهما - يعني القبلين - منشأ النوع الإنسان المكرم المفضل اهـ.

قال المصنف رحمه الله تعالى: " وهي من الرجل ما بين السرة إلى الركبة "

يعني أن عورة الرجل التي يحرم النظر إليها مابين السرة والركبة، فيجب على كل رجل مكلف سترها في جميع الأحوال، في الصلاة وخارجها، إلا في الخلوة فمستحبة، وكل ذلك إن قدر ووجد ما يستتر به بأي ساتر كان. وعبارة المصنف شاملة للعورة المغلظة والمخففة، لأن العورة المغلظة هي السوءتان، وهما القبل والدبر وما والاهما من الأليتين والعانة والأنثيين، وما عدا ذلك من الفخذ عورة مخففة في حق الرجل، وفي الرسالة: والفخذ عورة وليس كالعورة نفسها. قال شارحها: فغاية ما يقال إنه يكره كشفه مع غير الخاصة، والحرمة بعيدة لأنه عليه الصلاة والسلام كشف فخذه مع أبي بكر وعمر، ففي مسلم " عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعا في بيته كاشفا فخذيه وساقيه، فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحالة فتحدث، ثم استأذن

ص: 181

عمر فأذن له وهو كذلك فتحدث، ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وسوى ثيابه فدخل وتحدث معه، فلما خرج قالت عائشة دخل أبو بكر فلم تباله، ودخل عمر فلم تباله - أي لم تهتم لدخولهما وتستر فخذيك - ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك، فقال:" ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة " والاستحياء منه مزية وهي لا تقتضي الأفضلية اهـ. قال النفراوي: والحاصل أن الفخذ عورة مخففة يجوز كشفه مع الخواص، ولا يجوز مع غيرهم، فقد كشف النبي صلى الله عليه وسلم فخذه مع أبي بكر وعمر، وستره حين أقبل عثمان، ثم ذكر الحديث المتقدم إلى آخره، وقال: ولذا لا يعيد الرجل الصلاة لكشفه ولو عمدا، وإلا أعادت الأمة في الوقت، والحرة أبدا لأنه من الأنثى عورة حقيقة مطلقا اهـ.

قال المصنف رحمه الله تعالى: " فإن لم يجد إلا إزارا اتزر به، أو ثوبا واسعا التحف به وخالف طرفيه وعقدهما على عاتقه " يعني أن المصلي إذا لم يجد إلا إزارا واحدا فإنه يشده على وسطه ويصلي فيه ولا يعيد، وأما إن وجد ثوبا واسعا فإنه يلتحف به ويخالف طرفيه ويعقده على اعتقه، والعاتق هو ما بين المنكب والعنق. والأصل في هذا حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له:" إذا كان الثوب واسعا فالتحف به " يعني في الصلاة. ولمسلم " فخالف بين طرفيه، وإن كان ضيقا فاتزر به " رواه البخاري ومسلم.

قال المصنف رحمه الله تعالى: " وتكره السراويل بانفرادها " وفي نسخة السراولة بمفردها. والسراويل تذكر وتؤنث. وفي المصباح: والجمهور أن السراويل أعجمية. وقيل عربية، جمع سراولة تقديرا، والجمع سراويلات اهـ.

يعني أن الصلاة في السراويل مكوهة إلا إذا كان معها شيء. وفي الأخضري:

وتكره الصلاة في السراويل إلا إذا كان فوقها شيء وفي الرسالة: ويكره أن يصلي بثوب ليس على أكتافه منه شيء، فإن فعل

ص: 182

لم يعد اهـ. وما ذكر من كراهة الصلاة في السراويل محله إذا لم يكن شفافا، وإذا كان فوقهما شيء كثيف يحجب الوصف انتفت الحرمة والكراهية اهـ.

قال المصنف رحمه الله: " والمحدد لرقته " يعني أنه يكره لبس الثوب المحدد لأجل رقته، وهذا ليس مخصوصا بالسراويل، بل لجميع الثوب الرقيق الذي يصف الجسد أو العورة لرقته ولو بغير صلاة لإخلاله بالمروءة ومخالفته لزي السلف الصالح. وفي المواق: قال ابن الحاجب ما يصف لرقته أو لتحديده يكره كالسراويل. ومن المدونة: كره مالك الصلاة في السراويل. ابن يونس لأنه يصف.

والمئزر أفضل منه. قال خليل: لا بريح، وفي المواق: الذي لابن يونس من صلى في ثوب رقيق يصف أعاد، إلا أن يكون رقيقا لا يصف إلا عند ريح فلا يعيد اهـ.

قال المصنف رحمه الله تعالى: " والأمة كالرجل " يعني أن عورة الأمة كعورة الرجل. وقد تقدم أن عورة الرجل ما بين السرة والركبة. قال في المختصر: وهي من رجل وأمة وإن بشائبة، وحرة مع امرأة ما بين سرة وركبة. قال الخرشي: يعني أن عورة الرجل مع مثله، أو مع أمة ولو بشائبة من أمومة، فما دونها مع رجل أو امرأة بالنسبة للرؤية وللصلاة ما بين السرة والركبة، عورة الحرة مع حرة، أو أمة ولو كافرة بالنسبة للرؤية ما بين السرة والركبة وهما خارجان اهـ.

قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويستحب ستر بدنها لا رأسها " يعني أنه يندب للأمة القن أن تستر جميع بدنها إلا الرأس فلا تستره للتمييز بينها وبين الحرة، كما يستحب لأم الولد والمبعضة تغطية العنق. وأما فلا يستحب لها ذلك. قال في المختصر: ولا تطلب أمة بتغطية رأس.

قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " يستحب " تغطية المستولدة والمبعضة

ص: 183

العنق " قال العلامة العدوي في حاشيته على الخرشي: وحاصل ما في المقام أن أم الولد وغيرها اشتركتا في وجوب ستر ما بين السرة والركبة وفي ندب ما زاد على ذلك إلا الرأس، واختلفتا في الرأس، فأم الولد يندب لها أي ستر الرأس، وغيرها أقوال ثلاثة بالجواز، وندب التغطية، وندب عدمها. قال أفاده علي الأجهوري رحمه الله. ثم قال: والحاصل أن المعتمد ما قلنا كما أفاده شيخنا. قال عياض الصواب ندب تغطيتها في الصلاة لأنها أولى من الرجال، ولا ينبغي اليوم الكشف مطلقا لعموم الفساد في أكثر الناس، فلو خرجت جارية مكشوفة الرأس في الأسواق والأزقة لوجب على الإمام أن يمنعها من ذلك، ويلزم الإماء بهيئة تميزهن من

الحرائر. وبعض الشراح جعل كلام المصنف عاما، ولا تطلب أمة لا وجوبا ولا ندبا، بل يندب عدم التغطية كما صرح به ابن ناجي. وقد كان عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، يضرب من تغطي رأسها من الإماء لئلا يشتبهن بالحرائر. . وصوب سند الجواز كما نقله أبو سعيد؛ لأن غايتها أن تكون كالرجل، فإذا لم يستحب له كشف رأسه بل يجوز ففي الأمة أولى اهـ.

قال المصنف رحمه الله تعالى: " والمرأة كلها عورة إلا وجهها وكفيها " يعني أن المرأة الحرة البالغة يجب عليها ستر جميع بدنها لأنها كلها عورة إلا وجهها وكفيها لقوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ} [النور: 31] الآية. أي لا يكشفن أبدانهن إلا عند أزواجهن أو أقربائهن ومن ذكر معهم في الآية الكريمة. قال ابن جزي في القوانين الفقهية: وأما الحرة فكلها عورة إلا الوجه والكفين. وزاد أبو حنيفة القدمين، ولم يستثن ابن حنبل. ثم قال حكم المرأة في النظر إلى المرأة كحكم الرجل في النظر إلى الرجل، فيمنع النظر إلى العورة، ويجوز ما عدا ذلك.

وحكم المرأة في النظر إلى ذوي محارمها كحكم الرجل في النظر إلى الرجل. وحكمها في النظر إلى الأجنبي كحكم الرجل مع ذوات محارمه وهو النظر إلى الوجه والكفين فقط على الأصح. وقيل كنظر الرجل

ص: 184

إلى المرأة الأجنبية اهـ.

وفي العزية: وعورة المرأة الحرة مع أجنبي جميع بدنها إلا الوجه والكفين اهـ. وفي الأخضري: والمرأة كلها عورة ما عدا الوجه والكفين اهـ.

قال المصنف رحمه الله تعالى: " والساتر الحصيف لا الشفاف " يعني يشترط في الساتر الذي يستر عورته به أن يكون كثيفا. قال ابن جزي: وأما الساتر فيجب أن يكون صفيقا كثيفا، فإن ظهر ما تحته فهو كالعدم، وإن وصف فهو مكروه اهـ. وفي الرسالة: وأقل ما يجزئ المرأة من اللباس في الصلاة الدرع الخصيفة (1) السابغة التي تستر ظهور قدميها، وهي القميص والخمار الخصيف.

قال الشارح: القميص هو الذي يسلك في العنق، وشرطه كونه كثيفا لا يصف ولا يشف. وقوله: والخمار تتقنع به أي تغطي به رأسها وشعرها وعنقها، ولا يجوز لها أن تجعل الوقاية فقط فوق رأسها وتترك ذقنها وعنقها مكشوفين، ويشترط في الخمار من الكثافة ما يشترط في الدرع. قاله النفراوي. وفي الثمر الداني: الخمار بكسر الخاء المعجمة وهو ثوب تجعله المرأة على رأسها فشرطه شرط القميص من

كونه كثيفا لا يشف، فإن صلت بالخفيف النسج الذي يشف، فإن كان مما تبدو منه العورة بدون تأمل فإنها تعيد أبدا، وإن كان يصف العورة فقط أي يحددها فيكره وتعيد في الوقت. والرجل كالمرأة في ذلك: فيجب على المرأة أن تستر ظهور قدميها وبطونهما وعنقهما ودلاليها، ويجوز أن تظهر وجهها وكفيها في الصلاة خاصة. والأصل فيما ذكر قوله صلى الله عليه وسلم " لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار " يعني بالغة. وفي رواية " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم

(1) قال في الثمر الداني: الحصيفة - بالحاء المهملة - على الرواية الصحيحة. وروي بالخاء المعجمة. ومعنى الأولى: الكثيف الذي لا يصف ولا يشف. ومعنى الثانية: الساتر السابغ. . . ويراد به أيضا الذي لا يصف ولا يشف.

ص: 185

أتصلي المرأة في درع وخمار وليس عليها إزار؟ قال: " إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها " اهـ.

قال المصنف رحمه الله تعالى: " ومن لم يجد إلا حريرا أو نجسا صلى به " يعني أن المصلي إذا لم يجد ما يستر به العورة إلا ثوب حرير أو نجس فإنه يصلي به للضرورة، وصحت صلاته، وإن تركه وصلى عريانا فإنه يعيد صلاته أبدا. قال الدردير على أقرب المسالك: فإذا علم من يعيره ما يستر به عورته فلم يستعره وصلى عريانا بطلت. وكذا من صلى عريانا مع وجود حرير أو نجس اهـ بمعناه.

قال خليل - مشبها بالإعادة في الوقت -: كمصل بحرير وإن انفرد أو بنجس بغير.

وقال بعد ذلك بقليل: وعصى وصحت إن لبس حريرا أو ذهبا أو سرق أو نظر محرما فيها. قال الشارح: قوله كمصل بحرير تشبيه في الإعادة في الوقت، يعني أن من صلى بحرير أو بذهب لابسا لكل فإنه يعيد في الوقت، وإن انفرد باللبس مع وجود غيره خلافا لابن حبيب القائل بإعادته أبدا. ويحتمل وإن انفرد في الوجود، أي لم يجد غيره حتى صلى به، خلافا لأصبغ القائل بعدم الإعادة. وأما من صلى حاملا له في كمه أو في جيبه أو في فمه فلا إعادة عليه ولا إثم عليه. وقوله أو نجس، أي وكذلك يعيد إلى الاصفرار إذا صلى بثوب نجس ذاتا أو عارضا لابسا له أو حاملا، ويعيد في شيء طاهر غير حرير، إذ لا فائدة في الإعادة بشيء نجس أو حرير. وكذلك لا يعيد في الآخر إذا صلى بأحدهما اهـ الخرشي. وأما قول خليل: وعصى وصحت إن لبس حريرا إلخ، قال المواق: أما إن صلى به مختارا فقد نص ابن الحاجب على أنه عاص، فإن كان معه ساتر غيره فقال ابن القاسم وسحنون يعيد في الوقت، وقال ابن وهب وابن الماجشون لا إعادة عليه. قال ابن عرفة ونقل ابن الحاجب عدم صحة الصلاة لا أعرفه. فانظر قول خليل وصحت، هل يريد ويعيد في الوقت لأن الإعادة في الوقت فرع الصحة، أو يكون بنى على قول ابن وهب وابن الماجشون؟

ص: 186

وأما إن صلى بثوب حرير بلا ساتر معه فقال ابن وهب وابن الماجشون أيضا لا إعادة عليه. وقال أشهب: يعيد في الوقت. وقال ابن حبيب يعيد أبدا. ثم قال: وعبارة ابن يونس من صلى بخاتم ذهب أو ثوب

حرير وعليه ما يواريه غيره فليعد في الوقت. وقال أشهب: لا إعادة عليه إلا أن يكون عليه غيره فليعد في الوقت. وقال ابن حبيب إذا كان عليه غيره أجزأه وقد أثم، وإذا لم يكن عليه غيره أعاد أبدا. قال ابن يونس: فصار فيمن صلى بثوب حرير عامدا ثلاثة أقوال: ابن وهب: لا إعادة عليه، أشهب يعيد في الوقت. ابن حبيب: يعيد أبدا. قال المأزري: يلزم ابن حبيب أن يعيد أبدا من صلى في دار مغصوبة أو ثوب مغصوب، والمعروف خلافه فانظر هذا كله مع لفظ خليل ومع ما تقدم عند قوله كمصل بحرير إلى أن قال: وكذا المعدوم شرعا هو كالمعدوم حسا، فالمصلي بثوب الحرير كأنه ليس ذلك الثوب عليه، فإن كان عليه غيره صحت الصلاة، وإلا فهو كعريان اهـ مع حذف شيء. انظر الحطاب فإنه قد أتى بما يغني الطالب.

قال المصنف رحمه الله تعالى: " وفي اجتماعهما يقدم النجس، وقيل الحرير " يعني أنه إذا اجتمع عند مريد الصلاة ثوبان! حرير ونجس ولم يجد غيرهما، فإنه يقدم النجس على الحرير، وهو قول أصبغ. قال العدوي على الخرشي ضعيف. قال الخرشي: وإذا اجتمع الحرير مع النجس، أو المتنجس قدم الحرير على المشهور، وهو قول ابن القاسم. وفي الدردير على أقرب المسالك: وهو أي الحرير مقدم على النجس عند اجتماعهما وجوبا، لأنه لا ينافي الصلاة بخلاف النجس. وقال الصاوي عليه: قوله مقدم على النجس وكذا على المتنجس، وهذا قول ابن القاسم. وقال أصبغ: يقدم النجس، لأن الحرير يمنع لبسه مطلقا، والنجس إنما يمنع لبسه في حال الصلاة، والممنوع في حالة أولى من الممنوع مطلقا، والمعتمد ما قاله ابن القاسم اهـ.

ص: 187

قلت: والمسألة ذات خلاف، ولذا قال ابن جزي في القوانين: وإن لم يجد إلا ثوبي حرير ونجس فاختلف بأيهما يصلي اهـ ونقل عن المواق عن المدونة ونصها:

من لم يكن معه غير ثوب نجس وثوب حرير فليصل بالحرير ويعيد في الوقت. قال ابن يونس: لأن النجس غير مباح لأحد الصلاة به، والحرير مباح للنساء لبسه والصلاة به وللرجل في الجهاد فهو أخف، وقال أشهب: الأخص مقدم على الأعم، فيقدم النجس في الاجتناب لأنه أخص، كالمحرم يقدم الصيد على الميتة في الاجتناب اهـ. بالاختصار. وفي حاشية العدوي على الخرشي: اعلم أن حاصل ما قيل أن الثوب النجس يصلي به اتفاقا، وفي الحرير الخلاف، وذلك لأن الثوب النجس جائز لبسه في جميع الأوقات إلا في حالة الصلاة، بخلاف الحرير، إلا أنه إذا اجنمعا يقدم الحرير، ومقتضى ما ذكر العكس. والجواب أنه إذا صلى بالنجس مع وجود غيره تبطل، وأما الحرير فلا بطلان اهـ. قلت: وغاية الأمر أنه يعيد في الوقت لأن الإعادة في الوقت فرع الصحة كما تقدم. وقد علمت فيما مر أن المشهور الذي اعتمد عليه المحققون قول ابن القاسم. والله موفق للصواب.

قال المصنف رحمه الله تعالى: " ومن عدم الساتر صلى عريانا بموضع ساتر قائما راكعا ساجدا " يعني أن من لم يجد الساتر بأن عجز عن كل ما يجب الاستتار به، فإنه يجب عليه أن يصلي عريانا بموضع لا يراه أحد، وليصلها كما هي قائما بالركوع والسجود. ولا تسقط عنه لعدم الساتر ما دام يقدر على أدائها. قال خليل: ومن عجز صلى عريانا، قال الدردير: أي وجوبا، وأعاد بوقت على المذهب.

وفي جواهر الإكليل: ومن عجز عن ستر عورته المغلظة صلى عريانا لأن اشتراط الستر في صحة الصلاة مقيد وهو عاجز عنه اهـ. قال ابن جزي في القوانين: ومن لم يجد ثوبا صلى وحده عريانا قائما يركع ويسجد. وقال أبو حنيفة: يصلي جالسا، فإن جاء الثوب وهو في الصلاة فاختلف

ص: 188

هل يستر ويتمادى أو يقطع ويبتدئ اهـ. وفي الأخضري: ومن لم يجد ما يستر به عورته صلى عريانا، قال عبد السميع الأزهري الآبي: يعني أن المكلف إذا ضاق عليه الأمر ولم يجد ما يستر به عورته من ثوب نجس أو حرير أو حشيش أو ورق أو طين يتمعك فيه وتعذر عليه جميع ذلك فيجب عليه أن يصلي عريانا ولا يؤخر الصلاة حتى يجد ما يستر به عورته اهـ.

قال المصنف رحمه الله تعالى: " وفي جماعة العراة في الظلمة يتقدم إمامهم ويصلون كذلك. وفي نهار أو ليل مقمر قيل ينفرد كل بموضع. وقيل جماعة غاضين " يعني أن العراة الذين لا يقدرون على الثياب: إنهم يصلون أفذاذا يتباعد بعضهم عن بعض، ويصلون قياما. وإن كانوا في ليل مظلم لا يتبين بعضهم بعضا صلوا جماعة، وتقدمهم إمامهم اهـ. قال ابن جزي: وإن اجتمع عراة في الظلام صلوا كالمستورين، وإن كانوا في الضوء تباعدوا وصلوا أفذاذا، وإلا صلوا جلوسا. وقيل قياما ويغضون أبصارهم اهـ. وفي المختصر: فإن اجتمعوا بظلام فكالمستورين، وإلا تفرقوا، فإن لم يمكن صلوا قياما غاضين، إمامهم وسطهم.

قال الشارح: يعني أن العراة إذا اجتمعوا في ظلام الليل، أو لظلمة مكان فإنهم يصلون على هيئتها من قيام وركوع وسجود، ويتقدم إمامهم، فإن كان الاجتماع في ضوء كنهار أو ليل مقمر فإنهم يتفرقون إن أمكن ويصلون أفذاذا، فإن لم يمكن تفرقهم لخوف على مال أو نفس من عدو أو سبع أو لضيق مكان صلوا قياما غاضين أبصارهم، وركعوا وسجدوا وإمامهم وسطهم، فإن كان معهم في هذه الحالة نساء ينبغي أن يصلي الرجال ثم النساء، أي فرادى قائمات راكعات ساجدات، وتصرف كل طائفة وجهها عن الأخرى، ولو تركوا التفرق مع القدرة عليه فالظاهر أنه بمنزلة من صلى عريانا مع القدرة على الستر فيعيد أبدا. وقيل في

الوقت. ومثله

ص: 189

لو تركوا غض البصر. ولا يقال هذا بمنزلة من نظر عورة إمامه أو غيره فيجري فيه ما تقدم؛ لأن ذلك مع الستر وهذا مع فقده كما في شرح الأجهوري اهـ الخرشي مع إسضاح. ولنذكر بقية الأمثلة التي ذكرها الشيخ خليل هنا إتماما للفائدة وهي قوله: وإن علمت في صلاة بعتق مكشوفة رأس، أو وجد عريان ثوبا استترا إن قرب، وإلا أعادا بوقت، وإن كان لعراة ثوب صلوا أفذاذا، ولأحدهم ندب إعارتهم اهـ.

قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويمنع التلثم في الصلاة " التلثم عو تغطية الفم وما تحت الشفة السفلى بثوب. وليس بحرام إلا لقصد الكبر، وإن قصد به الكبر فحرام، وإلا فمكروه على المشهور ولو في غير الصلاة. وقد نقل الحطاب عن الزروق. ونصه: قال الشيخ زروق في شرح الإرشاد عند قول صاحب الإرشاد ويمنع التلثم في الصلاة: أما التلثم فيمنع إذا كان لكبر ونحوه، ويكره لغير ذلك، إلا أن يكون ذلك شأنه، كأهل لمتونة، أو كان في شغل عمله من أجله فيستمر عليه. وتنقب المرأة للصلاة مكروه؛ لأنه غلو في الدين، ثم لا شيء عليهالأنه زيادة في الستر اهـ. وفي المواق عند قول خليل: وانتقاب امرأة - من المدونة - قال مالك: إن صلت الحرة منتقبة لم تعد. ابن القاسم وكذا المتلثمة. اللخمي: يكرهان. وتستدل على وجهها إن خشيت رؤية رجل اهـ. وفي الدسوقي: والحق أن اللثام يكره في الصلاة وخارجها سواء فعل لأجلها أو لا لأنه أولى بالكراهة من النقاب، وحينئذ فلا اعتراض على المصنف اهـ.

قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويكره كف الكم والشعر وشد الوسط لها " يعني أن كل هذه الأفعال مكروهة في الصلاة. قال خليل: وانتقاب امرأة، ككشف كم وشعر لصلاة وتلثم. وفي الرسالة: ولا يغطي أنفه أو وجهه في الصلاة، أو يضم ثيابه، أو يكفت شعره. قال شارحها أبو الحسن في كفاية الطالب: والنهي عن هذه الأمور

ص: 190

كلها نهي كراهة إذا كان في الصلاة، وأما خارجها فلا كراهة لما في الحديث " أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء " الحديث. أما تغطية الأنف بالنسبة إلى المرأة فلأنه من التعمق في الدين، وأما بالنسبة إلى الرجل فللكبر إلا من كانت عادته ذلك كأهل مسوفة - بلد المغرب - فيباح له في الصلاة وغيرها، ويستحب له تركه في الصلاة. وأما تغطية الوجه لهما - أي للرجل والمرأة - فللتعمق في الدين.

وأما ضم الثياب فإنما يكره إذا فعل ذلك لأجل الصلاة أو صونا لثيابه لئلا تتلوث ترابا لأن في ذلك ضربا من ترك الخشوع المطلوب في الصلاة. وأما إذا كان في صنعة أو عمل فحضرته الصلاة وهو كذلك فيجوز له أن يصلي على ما هو عليه من

غير كراهة. وأما كفت الشعر فإنما يكره إذا قصد بذلك خوف تلوثه، أما إذا كانت عادته ذلك لشغل فلا كراهة. والأفضل أن يحل ذلك كله اهـ. وروي " إذا سجد الإنسان فسجد معه شعره كتب له بكل شعرة حسنة " وفي الحديث " أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء، ولا أكفت شعرا ولا ثوبا " فأخبر أن النهي إنما هو إذا قصد به الصلاة.

قال النفراوي والحاصل أن كلا من الانتقاب والتلثم والاحتزام والتشمير وضم الأكمام والشعر إنما يكره إذا فعل في الصلاة، ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة، ولا يكره شيء من ذلك لغير الصلاة إلا الانتقاب لمن لم يكن عادته ذلك. ويفهم من ذلك أنه لو أحضرته الصلاة وهو محتزم أو شامر لثوبه لا تكره صلاته على تلك الحالة، وإن كان الأولى حل ذلك اهـ.

ثم ذكر المصنف شرطا ثالثا من شروط الصلاة بقوله رحمه الله تعالى: " وإزالة النجاسة شرط. وقيل مع الذكر والقدرة " يعني أن إزالة النجاسة عن محمول المصلي شرط في صحة الصلاة. وقيل فرض مع الذكر والقدرة. والقول الثالث أنها سنة مؤكدة. والقول بالسنية هو المشهور في المذهب؛ لأنه قول ابن القاسم عن مالك في المدونة. واعتمد ابن رشد وابن يونس وعبد الحق.

وحكى بعض المحققين الاتفاق

ص: 191

عليه كما في الخرشي. ولفظ المدونة عن مالك: رفع النجاسات من الثياب والأبدان سنة لا فريضة. قال ابن رشد: وعليه فمن صلى بثوب نجس أعاد في الوقت - ولو عمدا - الظهرين للاصفرار، والعشاءين للفجر، والصبح للطلوع، والجمعة كالظهرين اهـ. وفي الرسالة: وطهارة البقعة للصلاة واجبة، وكذلك طهارة الثوب، فقيل إن ذلك فيهما واجب وجوب الفرائض. وقيل وجوب السنن المؤكدة اهـ. قال شارحها أبو الحسن في كفاية الطالب: وقد شهر كل من القولين. وعلى الأول لو صلى بالنجاسة متعمدا قادرا على إزالتها أعاد أبدا، وإن صلى بها ناسيا أو عاجزا أعاد في الوقت، وعلى الثاني يعيد في الوقت مطلقا. ثم قال: والوقت في الظهرين إلى الاصفرار، وفي العشاءين الليل كله، وفي الصبح إلى الإسفار اهـ. قال الزروق في شرحه على الرسالة: وذكر في البيان أن المشهور في المذهب قول ابن القاسم عن مالك أن رفع النجاسة من الثياب والأبدان سنة لا فريضة. فمن صلى بثوب نجس على مذهبه ناسيا أو جاهلا مضطرا إلى الصلاة فيه أعاد في الوقت اهـ. قال النفراوي: وهذا القول أي بسنية إزالة النجاسة عن ثوب المصلي وبدنه شهره ابن رشد لأنه قول ابن القاسم رواه عن مالك كما تقدم اهـ. انظره في المطولات. والله أعلم بالصواب.

ولما أنهى الكلام على الشروط وما يتعلق بجميع ذلك مما هو خارج الماهية

انتقل يتكلم على الماهية المعبر عنها بالركن والفرض والواجب واللازم والحتم، فقال رحمه الله تعالى:

ص: 192