الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَصْلٌ
في صلاة الاستسقاء
أي في بيان الاستسقاء، وهو طلب السقي من الله تعالى عند القحط على وجه مخصوص. والاستسقاء بالدعاء مشروع مأمور به في كل الأحوال إن احتيج إليه. ولا خلاف بين الأمة في جوازه، قاله ابن بشير اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " تسن الصلاة لطلب الغيث " يعني يسن لمن أصابهم القحط أن يصلوا لطلب المطر لزرع أو شرب أو غيره. وحكمها السنة المؤكدة إلا أن العيد أوكد منها.
قال رحمه الله تعالى: " ويستحب تقدمها بصيام وصدقة ونحو ذلك " يعني يندب قبل الخروج إلى المصلى أن يصوموا ثلاثة أيام، ويتصدقوا. وفي أقرب المسالك: وصيام ثلاثة أيام قبلها، وصدقة، وأمر الإمام بهما، كالتوبة ورد التبعات اهـ. وأما قول خليل: ولا يأمر بهما الإمام ضعيف، كما في البناني والإكليل.
ثم ذكر كيفيتها بقوله رحمه الله تعالى: " وهي ركعتان بالمصلى يخرجون ضحوة متبذلين متخاشعين يظهرون الندم والتوبة " وفي نسخة يخرجون ضحى متذللين متخشعين. وفي الرسالة: وصلاة الاستسقاء سنة تقام، يخرج لها الإمام كما يخرج للعيدين ضحوة، فيصلي بالناس ركعتين يجهر فيهما بالقراءة؛ يقرأ بسبح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها، وفي كل ركعة سجدتان وركعة واحدة، ويتشهد ويسلم اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويصلي بهم قبل الخطبة، ويكثرون الاستغفار حال الخطبة، والأفضل أن يخطب بالأرض " يعني لا بد أن تكون الصلاة قبل الخطبة. وقوله يكثرون الاستغفار يعني ينبغي أن يكثر الإمام والناس الاستغفار في حال الخطبة
بدل التكبير في العيدين قال خليل وبدل التكبير بالاستغفار
اهـ. قال الخرشي: يعني أنه يخطب خطبتين كخطبتي العيد، ويبدل التكبير هناك بالاستغفار هنا والناس معه، لقوله تعالى:{فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا} [نوح: 10، 11] فجعل المطر جزاء الاستغفار اهـ.
ومفهوم قوله أن يخطب بالأرض أنه لا يرقى منبرا ولا غيره، بل الأفضل للإمام أنه لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم منبر يخرج به إلى صلاة العيدين، ولا لأبي بكر، ولا لعمر، وأول من أحدث له في العيدين منبر من طين عثمان بن عفان. أحدثه له كثير بن الصلت اهـ قال خليل: وندب خطبة بالأرض، وصيام ثلاثة أيام قبله وصدقة. وتقدم بيان ذلك.
قال رحمه الله تعالى: " فإذا فرغ استقبل القبلة وحول رداءه وحولوا أرديتهم ما على اليمين على اليسار ويسألون الله تعالى " يعني إذا سلم الإمام توجه إلى الناس بوجهه. وفي الرسالة: ثم يستقبل الناس بوجهه فيجلس جلسة، فإذا اطمأن الناس قام متوكئا على قوس أو عصا فخطب، ثم جلس، ثم قام فخطب، فإذا فرغ استقبل القبلة فحول رداءه، يجعل ما على منكبه الأيمن على الأيسر، وما على الأيسر على الأيمن، ولا يقلب ذلك، وليفعل الناس مثله وهو قائم وهم قعود اهـ.
قلت هذا نحو ما قاله مالك في المدونة في صلاة الاستسقاء أنه قال: يخرج الإمام، فإذا بلغ المصلى صلى بالناس ركعتين، يقرأ فيهما بسبح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها ونحو ذلك، ويجهر بالقراءة، ثم يسلم، ثم يستقبل الناس ويخطب عليهم خطبتين، يفصل بينهما بجلسة، فإذا فرغ من خطبته استقبل القبلة مكانه، وحول رداءه قائما، يجعل الذي على يمينه على شماله، والذي على شماله على يمينه مكانه حين يستقبل القبلة، ولا يقلبه فيجعل الأسفل الأعلى والأعلى والأسفل، ويحول الناس
أرديتهم كما يحول الإمام فيجعلون الذي على أيمانهم على أيسارهم والذي على أيسارهم على أيمانهم، ثم يدعو الإمام قائما ويدعون وهو قعود، فإذا فرغ من الدعاء انصرف وانصرفوا اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " والمستحب " الذي ينبغي أن يدعو به في الاستسقاء من الأدعية دعاؤه عليه الصلاة والسلام وهو: " اللهم اسقنا من بركات السماء ما تنبت لنا به الزرع، وتدبر لنا به الضرع، وتدفع عنا به الجهد، ولا تجعلنا من القوم القانطين. اللهم اسق عبادك وبهيمتك وانشر رحمتك وأخي بلدك الميت " روى بعضه أبو داود. وفي زاد المعاد للعلامة ابن القيم. قال روي عن سالم بن عبد الله عن أبيه مرفوعا " أنه كان إذا استسقى قال: اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريعا غدقا مجللا
عاما طبقا سحا دائما، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إن بالعباد والبلاد والبهائم والخلق من اللأواء والجهد والضنك ما لا نشكوه إلا إليك، اللهم أنبت لنا الزرع، وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، وأنبت لنا من بركات الأرض، اللهم ارفع عنا الجهد، والجوع، والعري، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا فأرسل السماء علينا مدرارا ".
قال الشافعي، رضي الله عنه: وأحب أن يدعو الإمام بهذا اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " فإن أجيبوا وإلا عادوا ولو مرارا " يعني فإن أجاب الله لهم فلله الحمد والشكر، وإلا فلا بأس بتكررها مرة بعد أخرى حتى يستجاب لهم.
وفي أقرب المسالك: وكررت إن تأخر، أي يجوز تكرارها إن تأخر السقي بأن لم يحصل، أو حصل دون الكفاية اهـ. قال الزروق في شرحه على الرسالة: ابن شاس ولا بأس بتكررها إذا تأخرت الإجابة. ابن حبيب: ولا بأس بأيام متوالية، ويستسقي في إبطاء
النيل. أصبغ: فعل بمصر خمسة وعشرين يوما متوالية على سنة الاستسقاء.
وحضر ابن القاسم وابن وهب ورجال صالحون فلم ينكروه اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ولا بأس بخروج الأطفال والبهائم والقواعد وأهل الذمة منفردين عن المسلمين لا منفردين بيوم "، قوله ولا بأس بخروج الأطفال والبهائم فيه خلاف، نقل الخرشي عن الجزولي في شرحه على الرسالة قال: الذين يخرجون للاستسقاء ثلاثة أقسام: قسم يخرجون باتفاق وهم الرجال والصبيان الذين يعقلون الصلاة والعبيد والمتجالات من النساء.
وقسم لا يخرجون باتفاق وهن النساء في حال حيضهن ونفاسهن، كذلك الشابة الناعمة لأن خروجها ينافي الخشوع، وقسم اختلف فيهم وهم البهائم، والصبي الذي لا يعقل، والشابة التي ليست بناعمة، وأهل الكتاب. انتهى. ابن شاس: والمشهور أن إخراج الصبيان والبهائم غير مشروع، وكذلك الشابة التي لا يخشى منها الفتنة. وعبارة النفراوي أنه قال: وقسم اختلف فيه وهو من لا يعقل القربة، والشابات غير المخشيات، والبهائم. والذي اقتصر عليه خليل عدم خروجهم، فإنه قال: لا من لا يعقل منهم، وبهيمة. وأما أهل الذمة فأباح في المدونة خروجهم مع الناس، ولكن يقفون على جهة ولا ينفردون بيوم آخر. قال خليل: ولا يمنع ذمي، وانفرد لا بيوم آخر اهـ. وإذا علمت ذلك تعرف أن إطلاق المصنف فيه تقييد وتفصيل فتأمل اهـ.