الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَصْلٌ
في أركان الصلاة
أي في الأركان. واعلم أن المصنف عقد هذا الفصل في بيان أركان الصلاة والأركان جمع ركن. وركن الشيء جزء ماهيته: أي حقيقته كما في المصباح.
والمراد بالصلاة مطلق الصلاة ولو نفلا. وابتدأ بالركن الذي تركه المصلي تبطل صلاته فقال رحمه الله تعالى: " أركانها النية مقترنة بالتكبير " يعني أنه أخبر أن النية هي أول ركن من أركان الصلاة. وقد أورد المصنف هنا اثنى عشر ركنا كما سيأتي. والنية هي أصل كل العمل وأساسه. وفي الصحيحين عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى " الحديث. وشروطها في أول كل عمل، فيشترط هنا أي في الصلاة أن تكون مقرونة بتكبيرة الإحرام بأن يكون قصده مقارنا للفظ التكبير.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " فإن قدمها بالكثير لم يجزه إلا يستصحبها ذكرا " بضم الذال ضد النسيان. يعني أن تقديم النية على تكبيرة الإحرام أو تقديم تكبيرة الإحرام عليها قد تصح به الصلاة وقد تبطل أخرى. قال خليل: وبطلت بسبقها إن كثر، وإلا فخلاف. قال الشارح: يعني أن النية إذا سبقت أي تقدمت على تكبيرة الإحرام فإن الصلاة تبطل إن بعد السبق اتفاقا، وكذا إن تأخرت النية عن تكبيرة الإحرام مطلقا، فإن لم يبعد سبق النية لتكبيرة الإحرام بل تقدمت عنها بيسير فخلاف، البطلان لابن الحاجب وتلميذه عبد الوهاب فيشترط المقارنة، وعدمه لابن رشد حيث قال: تقدم النية قبل الإحرام بيسير جائز كالوضوء والغسل عندنا، والصوم عند الجميع اهـ.
وفي حاشية العدوي على الخرشي: وأما المقارنة فهي حال الصحة والكمال
اتفاقا. قال في توضيحه أي خليل: والذي يظهر لي أن أقوال المتأخرين في اشتراط المقارنة معناها أنه لا يجوز الفصل بين النية والتكبير، لا أنه يشترط أن تكون مصاحبة له اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ومحلها القلب بغير تلفظ، فإن تلفظ بها فواسع " قال الدردير في أقرب المسالك: وجاز التلفظ بها، لكن الأولى تركه في صلاة أو غيرها. قال الصاوي: ويستثنى الموسوس فيستحب له التلفظ ليذهب عنه اللبس كما في المواق اهـ. قال ابن جزي: محل النية القلب، ولا يلزم النطق بها، وتركه أولى خلافا للشافعي اهـ. فالحاصل أن النطق بالنية مكروه وبدعة إلا
من كثر عليه الوسواس فيجوز له ذلك لدفع ما عليه من الوسواس.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولو اختلف العقد واللفظ فالمعتبر العقد، والأحوط الإعادة " يعني لو تلفظ بالنية وخالف لفظه ما نواه في قلبه، كأن نوى صلاة الظهر مثلا وتلفظ بالعصر فالعبرة بما نواه لا بما تلفظ به. وينبغي له الإعادة احتياطا، فإن لم يعد فلا شيء عليه. وفي حاشية الصاوي على الدردير: تنبيه: إن خالف لفظه نيته فالعبرة بالنية إن وقع ذلك سهوا. وأما عمدا فمتلاعب تبطل صلاته اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " يقصد أداء فرض الوقت " أي ينوي أداء الصلاة المعينة التي حضر وقتها كالظهر مثلا حال كونه " قائما مستقبلا " أي إلى القبلة إلا في ما استثني من شدة خوف أو متنفل على الدابة في سفر قصر كما تقدم. قال المصنف رحمه الله تعالى: " غير مقنع رأسه ولا مطأطئ له " يعني أن يكون عند تكبيرة الإحرام قائما مستقبلا معتدلا رافع رأسه ولا مطأطئه ويحضر بقلبه جلال الله عز وجل، ويشعر نفسه أنه واقف بين يديه يناجيه لأداء ما فرض عليه، ثم يكبر.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " الركن الثاني من أركان الصلاة " تكبيرة
الإحرام يتعين " لفظ " الله أكبر " يعني أن المصلي يتعين إذا أراد الدخول في الصلاة أن يقول الله أكبر، سواء كان إماما أو فذا أو مأموما، كانت الصلاة فرضا أو نفلا، ذات ركوع وسجود أو غيرها. وفي الرسالة: والإحرام في الصلاة أن تقول الله أكبر، لا يجزئ غير هذه الكلمة اهـ. نعم اتفق أهل المذهب على أن غير الله أكبر لا يجزئ. ذكره ابن ناجي في شرح الرسالة. وفي الحديث " مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم " رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه، وكلهم عن علي بن أبي طالب. وخرجه الترمذي أيضا عن أبي سعيد الخدري تنبيه: قال المحقق عبد الرؤف المناوي في فيض القدير شرح الجامع الصغير: قد جعل الله لكل مطلوب مفتاحا يفتح به، فجعل مفتاح الصلاة الطهور، ومفتاح الحج الإحرام، ومفتاح البر الصدقة، ومفتاح الجنة التوحيد، ومفتاح العلم حسن السؤال والإصغاء، ومفتاح الصبر، ومفتاح المزيد الشكر، ومفتاح الولاية والمحبة الذكر. ومفتاح الفلاح والتقوى، ومفتاح التوفيق الرغبة والرهبة، ومفتاح الإجابة الدعاء، ومفتاح الرغبة في الآخرة الزهد في الدنيا، ومفتاح الإيمان التفكر في مصنوعات الله، ومفتاح الدخول على الله استسلام القلب والإخلاص له في الحب والبغض، ومفتاح حياة القلوب تدبر القرآن بالأسحار وترك الذنوب، ومفتاح حصول الرحمة الإحسان في عبادة الحق والسعي في نفع الخلق،
ومفتاح الرزق السعي مع الاستغفار، ومفتاح العز الطاعة، ومفتاح الاستعداد للآخرة قصر الأمل، ومفتاح كل خير الرغبة في الآخرة، ومفتاح كل شر حب الدنيا وطول الأمل. وهذا باب واسع من أنفع أبواب العلم، وهو معرفة مفاتيح الخير والشر، ولا يقف عليه إلا الموفقون اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " الركن الثالث من أركان الصلاة " القيام لها " أي لتكبيرة الإحرام للقادر عليه في الفرض ولو كفائيا، فلو كبر القادر جالسا في الفرض
ثم قام فصلاته باطلة، وكذا لو كبر راكعا، إلا أن ينوي بها الإحرام على أحد القولين في المسبوق. وأما العاجز والمتنفل فيجوز لهما الجلوس عند تكبيرة الإحرام. قاله ابن تركي في " الجواهر الزكية " مع طرف من الصفتي.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " الركن الرابع من أركان الصلاة " الفاتحة، يفتتحها بالحمد لله رب العالمين " أي فاتحة الكتاب، وهي الحمد لله رب العالمين إلخ وقوله: يفتتحها بالحمد يقرأ بضم الدال تأدبا بالقرآن، يعني أن الركن الرابع من اركان الصلاة قراءة الفاتحة، فهي فرض لكل مصل إلا من كان خلف الإمام فيستحب له قراءتها في السرية دون الجهرية، وفي الموطأ: أن عبد الله بن عمر كان إذا سئل هل يقرأ أحد خلف الإمام قال: إذا صلى أحدكم خلف الإمام فحسبه قراءة الإمام، وإذا صلى وحده فليقرأ. قال: وكان عبد الله بن عمر لا يقرأ خلف الإمام. قال يحيى سمعت مالكا يقول: الأمر عندنا لأن يقرأ الرجل وراء الإمام فيما لا يجهر فيه الإمام بالقراءة، ويترك القراءة فيما يجهر فيه الإمام بالقراءة اهـ ثم اعلم أنه يجب لمن لم يحسن الفاتحة أن يتعلمها إن اتسع الوقت لذلك، وكان يقبل التعليم، ووجد من يعلمه ولو بأجرة وجدها، وإلا وجب عليه أن يأتم بمن يحسنها إن وجده، ووجد من يعلمه ولو بأجرة وجدها، وإلا وجب عليه أن يأتم بمن يحسنها إن وجده، فإن وجده ولم يأتم به بطلت صلاته. وأما قوله: يفتتحها بالحمد لله رب العالمين إشارة إلى ما في الصحيحين من حديث أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال:" إن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يستفتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين " رواه البخاري ومسلم، وزاد مسلم " لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها " وفي رواية لأحمد والنسائي " لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم " وفي الموطأ " عن أنس بن مالك أنه قال: قمت وراء أبي بكر وعمر وعثمان فكلهم كان لا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم إذا افتتح الصلاة " وإليه ذهب أبو محمد في الرسالة، فإنه قال في باب صفة العمل: ثم تقرأ، فإن كنت في الصبح قرأت جهرا بأم القرآن لا تستفتح
ببسم الله الرحمن الرحيم في أم القرآن ولا في السورة التي بعدها اهـ. قال النفراوي: أي لا
تقرؤها لا سرا ولا جهرا، وإماما كنت أو فذا أو مأموما لأنها عند الإمام أحمد وأبي حنيفة ليست آية من الفاتحة ولا من أول كل سورة فينهى المصلي عن قراءتها في الفريضة نهي كراهة، هذا هو المشهور في المذهب، ولابن نافع قول بوجوبها كمذهب الشافعي. وعند الإمام مالك في المبسوط إباحتها، وعزى لابن مسلمة ندبها، ودليل المشهور حديث عبد الله بن مغفل، والعمل. قلت: وكذا حديث أنس المتقدم وحديث عائشة، انظر (رسالة الإنصاف فيما بين العلماء من الاختلاف) للعلامة المحقق ابن عبد البر النمري القرطبي المتوفى سنة 463 هجرية، فقد أتى بما لا يستغنى عنه من هذا الشأن، وعليك بها والله يتولى التوفيق، وكان المأزري يأتي بها سرا فكلم في ذلك فقال: مذهب مالك على صحة صلاة من يبسمل، ومذهب الشافعي على قول واحد ببطلان صلاة تاركها والمتفق عليه خير من المختلف فيه. وقد ذكر القرافي وابن رشد والغزالي وجماعة أن من الورع الخروج من الخلاف بقراء البسملة في الصلاة، ومثل ذلك قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة بعد إحدى التكبيرات، لكن مع بعض دعاء لتصير الصلاة صحصحة باتفاق، لأن الدعاء عندنا ركن. . ومحل كراهة البسملة في الفريضة إذا أتى بها على وجه أنها فرض من غير تقليد لمن يقول بوجوبها، وأما إذا أتى بها مقلدا له، أو بقصد الخروج من الخلاف من غير تعرض لفريضة ولا نفيلة فلا كراهة، بل واجبة إذا قلد القائل بالوجوب، ومستحبة في غيره، وأما البسملة والتعوذ في النافلة فالجواز من غير كراهة اهـ النفراوي.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والمشهور وجوبها في أكثرها. وقال القاضي أبو محمد بل في كل ركعة " يعني أنه اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في تارك قراءة الفاتحة في الصلاة على ثلاثة أقوال، والترك إما عمدا أو سهوا، أما العمد فلا
إشكال في بطلان صلاة تاركها، وأما السهو فلا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن يترك القراءة في الصلاة كلها، أو في ركعتين منها، أو في ركعة من الصبح أو الجمعة أو غيرهما. وانظر أقوال العلماء في جميع ذلك في المطولات، لكن المعتمد أن قراءة الفاتحة فرض واجب على المصلي في كل ركعة كالركوع والسجود، ويؤيد ذلك ما قرره الشيخ صالح عبد السميع في شرحه على الرسالة المسمى بالثمر الداني من قوله: وما ذكره من عدم الجبر في ترك القراءة - يعني قراءة أم القرآن في الصلاة كلها - هو قول الأكثر، وهو الراجح، ومقابله ما رواه الواقدي عن مالك أنه إذا ترك القراءة في الصلاة كلها أن صلاته تجزئه، وما ذكره من عدم الجبر في ترك القراءة في الركعتين قال ابن ناجي هو مؤثر في البطلان اهـ.
فهذا ظاهر في وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة فتأمل. قال القاضي أبو محمد في
الرسالة: ولا يجزئ سجود السهو لنقص ركعة ولا سجدة، ولا لترك القراءة في الصلاة كلها أو في ركعتين منها، وكذلك في ترك القراءة في ركعة من الصبح، واختلف في السهو عن القراءة في ركعة من غيرها، فقيل يجزئ فيه سجود السهو قبل السلام، وقيل يلغيها ويأتي بركعة، وقيل يسجد قبل السلام ولا يأتي بركعة ويعيد الصلاة احتياطا وهذا أحسن ذلك إن شاء الله تعالى اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " الركن الخامس من أركان الصلاة " الركوع " وفي العزية الخامسة أي من فرائض الصلاة الركوع، وأكمله أن ينحني بحيث يستوي ظهره وعنقه، وينصب ركبتيه، ويضع كفيه عليهما، ويجافي الرجل مرفقيه عن جنبيه، ولا ينكس رأسه بل يكون ظهره مستويا اهـ. قلت إنه قد اتفق الأئمة على ركنيه الركوع والسجود، ولا خلاف بين الأمة في ذلك كما هو معلوم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وأكمله تمكين راحتيه من ركبتيه معتدلا
رأسه وظهره ولا يبزخ " المعنى أن أكمل الركوع أن ينحني ويمكن كفيه على ركبتيه حال كونه معتدلا بأن يسوس رأسه وظهره، ولا يطأطئه. وقوله: ولا يبزخ، البزاخ خروج الصدر ودخول الظهر. وقيل ولا يبزخ أي ولا يرفع. وفي نسخة ولا ينزح بالنون والحاء المهملة وهي خطأ، وصوابه بالباء الموحدة التحتانية والخاء المعجمة اهـ.
وفي الرسالة: فإذا تمت السورة كبرت في انحطاطك للركوع فتمكن يديك من ركبتيك، وتسوي ظهرك مستويا، ولا ترفع رأسك ولا تطأطئه، وتجافي بضبعيك عن جنبيك، وتعتقد الخضوع بذلك في ركوعك وسجودك اهـ وفي جواهر الإكليل: وأكمل الركوع أن يسوي فيه ظهره ورأسه فلا ينكسه ولا يرفعه، والذي فهمه أبو الحسن والإمام سند من المدونة أن وضع اليدين على الفخذين في الركوع مستحب، وفهم اللخمي والباجي منها وجوبه. وأما نصب الركبتين فمندوب اتفاقا اهـ مع إيضاح.
تنبيه: قال الأقفهسي في شرح الرسالة: ولو كان بيديه ما يمنع وضعهما على ركبتيه أو قصرتا كثيرا لم يزد في الانحناء على تسوية ظهره، فإن كانت إحداهما مقطوعة وضع الباقية على ركبتها اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " الركن السادس من أركان الصلاة " الرفع منه " أي الرفع من الركوع من فرائض الصلاة، فتبطل الصلاة بتعمد تركه.
قال الدسوقي: وأما إن تركه سهوا فيرجع محدودبا حتى يصل لحالة الركوع ثم يرفع ويسجد بعد السلام، إلا المأموم فلا يسجد لحمل الإمام لسهوه، فإن لم يرجع محدودبا ورجع قائما لم تبطل صلاته مراعاة لقول ابن حبيب إن تارك الرفع
من الركوع سهوا يرجع قائما لا محدودبا ويسجد من غير إعادة الركوع، أي لا يكون كتارك الركوع في إعادته اهـ بتصرف.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " الركن السابع من أركان الصلاة " السجود على جبهته " قال الدردير على خليل: وهي مستدير ما بين الحاجبين إلى الناصية، أي على
أيسر جزء منها، وندب إلصاقها بالأرض وما اتصل بها كسرير على أبلغ ما يمكنه. وكره شده بأرض بحيث يظهر أثره في جبهته كما يفعله الجهلة. وأما قوله تعالى:{سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح: 29] معناه خضوعهم وخشوعهم في وجوههم من أثر عبادتهم كما ذكره الأمير في ضوء الشموع. ويشترط استقرارها على ما يسجد عليه، فلا يصح على تبن أو قطن إلا إذا اندك لارتفاع العجيزة عن الرأس، أي لا يشترط ذلك بل يندب اهـ مع إيضاح.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وفي " وجوب السجود على " الأنف " وسنيته أو استحبابه " خلاف " يعني أنه اختلف العلماء في السجود على الأنف، قيل إنه سنة، وقيل مستحب. قال في المختصر: وأعاد لترك أنفه بوقت.
قال الدردير ولو في سجدة واحدة سهوا مراعاة للقول بوجوبه وإلا فهو مستحب على الراجح ولا إعادة لمستحب اهـ. وقد عد صاحب الأخضري السجود على الأنف من سنن الصلاة، وفي الجواهر الزكية: السجود على الجبهة والأنف، فإن ترك الأنف أعاد في الوقت، وإن سجد على أنفه دون جبهته أعاد أبدا على المشهور. قلت هذا كما في المدونة. قال مالك فيها: والسجود على الجبهة والأنف جميعا. قال ابن القاسم: فإن سجد على الأنف دون الجبهة أعاد أبدا، وإن سجد على الجبهة دون الأنف أجزأه. وقال عبد الوهاب: ويعيد في الوقت استحبابا، قال المواق اهـ. وفي شرح العزية للشيخ صالح بن عبد السميع الأزهري قال: قال الحطاب: والسجود على الأنف مستحب على الراجح، وإنما الإعادة لترك السجود عليه بالوقت الاختياري، مراعاة لمن يقول بوجوبه، وإلا فالمستحب لا يترتب عليه سجود بتركه. وقيل سنة، فالمسألة ذات أقوال ثلاثة المعتمد منها الاستحباب اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " الركن الثامن من أركان الصلاة " الرفع منه
للفصل " يعني أن الركن الثامن من أركان الصلاة الرفع من السجود لأجل الفصل بين السجدتين، والضمير في منه عائد إلى السجود المتقدم ذكره. قال الدسوقي نقلا عن المأزري: أما الفصل بين السجدتين فواجب اتفاقا؛ لأن السجدة وإن طالت لا تتصور أن تكون سجدتين، فلا بد من الفصل بين السجدتين حتى
تكونا اثنتين، ونحوه في التوضيح اهـ ومثله في الخرشي. قال الدردير على شرح خليل: والمعتمد صحة صلاة من لم يرفع يديه عن الأرض حال الجلوس بين السجدتين حيث اعتدل اهـ قلت: ولم يذكر المصنف ركنيه الاعتدال بين السجدتين، ولعله رأى أن الجلوس بينهما في رفع من السجود هو عين الاعتدال واستغنى عن ذكره في الأركان، أو كان عدم ذكره للاختلاف في ركنيته، مع أنه من أركان الصلاة كما ذكروه في غالب مؤلفاتهم، وسيأتي زيادة البيان فيه إن شاء الله في الركن الحادي عشر عند قول المصنف والطمأنينة، فترقب.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " يجلس واضعا يديه على فخذيه مبسوطتين " هذه صفة الجلوس بين السجدتين وكذا بين التشهدين. قال أبو محمد عبد الله بن أبي زيد في الرسالة: ثم تسجد وتكبر في انحطاطك للسجود فتمكن جبهتك وأنفك من الأرض، وتباشر بكفيك الأرض باسطا يديك مستويتين إلى القبلة تجعلهما حذو أذنيك أو دون ذلك، وكل ذلك واسع، غير أنك لا تفترش ذراعيك في الأرض، ولا تضم عضديك إلى جنبيك ولكن تجنح بهما تجنيحا وسطا، وتكون رجلاك في سجودك قائمتين وبطون إبهاميهما إلى الأرض، وتقول إن شئت في سجودك: سبحانك ربي ظلمت نفسي وعملت سوءا فاغفر لي، أو غير ذلك إن شئت، وتدعو في سجودك إن شئت، وليس لطول ذلك وقت، وأقله أن تطمئن مفاصلك متمكنا، ثم ترفع رأسك بالتكبير فتجلس فتثني رجلك اليسرى في جلوسك بين السجدتين، وتنصب اليمنى وبطون أصابعها
إلى الأرض، وترفع يديك عن الأرض على ركبتيك، ثم تسجد الثانية كما فعلت أولا اهـ وفيه كفاية عن جلب النصوص في هذا المقام وبالله التوفيق.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " الركن التاسع من أركان الصلاة الجلوس " قدر السلام من الجلسة الأخيرة " يعني أخبر المصنف أن من أركان الصلاة الجلوس بقدر إيقاع السلام من الجلسة الأخيرة، وأما الجلوس للتشهد فهو سنة، كما أن التشهد سنة من سنن الصلاة كما سيأتي عن المصنف. وفي المختصر والجلوس بقدر السلام، قال الشارح يعني أن الجلوس لأجل إيقاع السلام في الجزء الأخير من الجلوس الذي يوقع فيه السلام فرض، وما قبله سنة، فلا يلزم إيقاع فرض في سنة بل في فرض، فلو رفع رأسه من السجود واعتدل جالسا وسلم كان ذلك الجلوس هو الواجب وفاتته السنة. ولو جلس ثم تشهد كان آتيا بالفرض والسنة اهـ الخرشي.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (و) الركن العاشر من أركان الصلاة
" السلام " يعني أن السلام من أركان الصلاة. ومن أراد الخروج من الصلاة فلا بد له أن يقول: السلام عليكم، بالألف واللام، ولا يكفيه سلام عليكم، ولا سلامي عليكم، ولا سلام الله عليكم. ولا بد أيضا من تقديم السلام على عليكم، ولا يجزئ عليكم السلام، وكذلك لا بد من لفظ عليكم بميم الجمع، ولا يكفي السلام عليك. وفي الجواهر الزكية على متن العشماوية: والسلام المعرف بالألف واللام، فلا يجزئ ما عرف بالإضافة كسلامي عليكم، ولا يجزئ لفظ السلام دون عليكم، ولا عليكم السلام بلفظ الرد على المشهور في ذلك كله. وأما تسليمه الرد فيجزئ ذلك كله فيها اهـ. قال الدردير في أقرب المسالك: وسلام وإنما يجزئ السلام عليكم بالعربية وتعريفه بأل وتقديمه على عليكم بلا فصل وإلا لم يصح، فإن تركه أو أتى بمناف قبله بطلت اهـ. وقال الخرشي: ولا بد من قول السلام عليكم، ولا تكفي النية للقادر، ولا يقوم مقامه
شيء من الأضداد، وسواء كان المصلي إماما أو مأموما أو فذا، إذ لا يخلو من مصحوب أقلهم الحفظة، ولا يضر زيادة ورحمة الله وبركاته لأنها خارجة من الصلاة. وظاهر كلام أهل المذهب أنها ليست بسنة وإن ثبت بها الحديث لأنه لم يصحبها عأهل المدينة، كالتسليمة الثانية للإمام والفذ. ولا بد في السلام أن يكون بالعربية، فإن قدر على الإتيان به بغير العربية فلا يأتي به، وإن قدر على الإتيان ببعضه وكان له معنى ليس بأجنبي من الصلاة أتى به على نحو ما تقدم في تكبيرة الإحرام اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وهو " أي السلام عليكم " كتعين " فلا يجزئ غيره من الألفاظ " معرف " أي بالألف واللام مع تشديد السين، وفي نسخة معرفا بالنصب صحيح كل منهما. قال خليل: وسلام عرف بأل. قال المواق نقلا عن التلقين: الواجب من التسليم مرة، ولفظه متعين وهو أن يقول السلام عليكم ولا يجزئ غيره اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وهل ينوي به الخروج قولان " يعني أن المصلي إذا أراد الخروج من الصلاة هل يشترط عليه نية الخروج عنها كما دخل بنية، أم لا يشترط عليه ذلك، فيه قولان مشهوران، فأجاب صاحب العزية بقوله: ولا يشترط أن ينوي بسلامه الخروج من الصلاة على أحد القولين المشهورين، وقد فهمنا منه أن المشهور هو الأول بدليل قوله: ومقابله لا بد من ذلك، ولذا قال وعليه يقصد الإمام بسلامه الخروج من الصلاة والسلام على الملائكة اهـ. وقال الصاوي في بلغة السالك: تنبيه وقع خلاف هل يشترط أن يجدد نية للخروج من الصلاة بالسلام لأجل أن يتميز عن جنسه كافتقار تكبيرة الإحرام إليها لتمييزها عن
غيرها، فلو سلم من غير تجديد نية لم يجزه. قال سند وهو ظاهر المذهب، أو لا يشترط ذلك، وإنما تندب فقط لانسحاب النية الأولى؟ قال ابن الفاكهاني وهو المشهور. وكلام ابن عرفة يفيد أنه المعتمد، فلذلك سكت المصنف عن الاشتراط.
والمراد بالمصنف أي الدردير اهـ. والمفهوم من كلامهم أن المشهور من
القولين الأول، بمعنى لا يشترط نية الخروج من الصلاة كما اعتمد عليه المحققون.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " الركن الحادي عشر من أركان الصلاة " الطمأنينة ويجزئ منها أدنى اللبث " يعني أخبر المصنف أن الطمأنينة من فرائض الصلاة. وحقيقتها استقرار الأعضاء في حال الركوع والسجود، ولا حد لأقله على المشهور في المذهب، وأكمله مقدار ثلاث تسبيحات أو أكثر وهو راكع أو ساجد.
وكذا يطلب منه أن تستقر أعضاؤه في الاعتدال بعد الرفع من الركوع والسجود، لحديث أبي داود بذلك، ومن لم يطمئن في ركوعه أو سجوده فصلاته باطلة.
والدليل على ركنيه الطمأنينة والاعتدال جريان العمل به، كما أمر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم افعل ذلك في صلاتك كله: قال خليل: وطمأنينة. وفي المواق قال أبو عمر: الاعتدال فرض لقوله صلى الله عليه وسلم: " لا ينظر الله إلى من لا يقيم صلبه في ركوعه وسجوده " ولا خلاف في هذا، وإنما اختلفوا في الطمأنينة بعد الاعتدال. وقال في الكافية: لا يجزئ ركوع ولا وقوف بعد الركوع، ولا سجود ولا جلوس بين السجدتسن، حتى يعتدل راكعا وواقفا وساجدا وجالسا. وهذا هو الصحيح في الأثر، وعليه جمهور العلماء. وقال عياض: فرائض الصلاة الطمأنينة في أركانها، ومن سننها الاعتدال في الفصل بين الأركان اهـ. وفي العزية: الحادية عشرة الاعتدال في الفصل بين الأركان. الثانية عشرة الطمأنينة في أركان الصلاة كلها قيامها وركوعها وسجودها والرفع منها وبين السجدتين. والفرق بينهما وبين الاعتدال أن الاعتدال في القيام مثلا انتصاب القامة، والطمأنينة استقرار الأعضاء اهـ قلت: والصحيح
أن الطمأنينة والاعتدال فرضان من فرائض الصلاة، فلا ينبغي أن يختلف في فرضيتها على المذهب كما اعتمد عليه عليه المحققون الذين اعتنوا بتحرير كل مسألة من مسائل دين الإلاسم. قال العلامة عبد الوهاب الشعراني في كشف الغمة: وكان رسول صلى الله عليه وسلم يأمر بالطمأنينة في السجود، وينهى عن نقرة الغراب فيه اهـ. فثبت أن الطمأنينة مأمور به. ونقر الغراب منهي عنه، فحينئذ ومن لم يكمئن ولم يعتدل في صلاته بأن نقر فيها كنقر الديكة للحب بطلت
صلاته؛ لأن العلماء قد مثلوه برجل له جارية حسناء مرغوبة عند الناس فماتت، فجعلها والدها هدية للسلطان عظيم الملك، فهل الواهب يستحق المكافأة بالإكرام من الموهوب له أم لا؟ فأجاب العارف بالله الشيخ الحاج عمر بن سعيد الفوتي في " تذكر المسترشدين وفلاح الطالبين " له بقوله رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه آمين:
ينقر في الصلاة نقر الديك
…
ما نال غير لعنة المليك
نصوا بأنه كإنسان ملك
…
جارية ماتت وأهداها الملك
وقال غيره:
إياك إياك ونقر الديك لا
…
تفعل لكونه الصلاة مبطلا
ومعنى نقر الديك كناية عن الإسراع المفرط في الصلاة المفضي إلى ترك الطمأنينة الواجبة في الصلاة جميعا. قاله العارف بالله محمد العربي في البغية.
وقال أيضا: ومن تكميل هيئتها وإقامة أركانها إتمام الطمأنينة في الركوع والسجود، وإتمام الاعتدال كذلك في القيام بين يدي الملك المعبود، فلا ينقرها نقر الديكة للحب، فإن ذلك مبطل لها ومبعد لفاعله عن حضرة القرب اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " الركن الثاني عشر من أركان الصلاة " ترتيب الأداء " يعني أن ترتيب أداء الصلاة من أركانها، بأن يقدم النية على تكبيرة الإحرام،