الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب الصيام
أي في بيان فرائضه وسننه ومندوباته، وما يجوز فيه وما لا يجوز، وذكر مبطلاته ومكروهاته.
الصوم لغة: الإمساك والكف عن الشيء، وشرعا: الإمساك عن شهوتي
البطن والفرج، وما يقوم مقامهما مخالفة للهوى في طاعة المولى في جميع أجزاء النهار، بنية قبل الفجر أو معه إن أمكن فيما عدا زمن الحيض والنفاس وأيام الأعياد. اهـ الصاوي نقلا عن الخرشي.
قال رحمه الله تعالى: " صيام رمضان فرض عين يلزمه برؤية ظاهرة، أو شهادة عدلين، فإن غم فبكمال عدة شعبان " يعني أن صيام رمضان فرض واجب عينا يلزم المكلف غير المعذور برؤية هلاله، أو بشهادة عدلين، فإن غم الهلال أي أخفاه الغيم أو الغبار فبكمال عدة شهر شعبان ثلاثين كما في الحديث. قال الله عز وجل:{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] الآية، أي فمن حضر وقته منكم فلينو صيامه. والضمير في فليصمه عائد إلى الشهر، فنية واحدة كافية في جميع الشهر عند المالكية، بناء على أن رمضان أي صيامه بمنزلة العبادة الواحدة، تجب في العام مرة كالزكاة، وقد قال صلى الله عليه وسلم:" وإنما لكل امرئ ما نوى " وهذا قد نوى جميع الشهر، لكن يندب التبييت كل ليلة مراعاة للخلاف لأن الشافعي يرى النية لكل يوم على انفراده كالصلاة. وفي الحديث عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان فقال:" لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له " وفي رواية: " إذا
رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا " وفي رواية لمسلم:" فاقدروا له ثلاثين " وفي أخرى للبخاري: " فأكملوا العدة ثلاثين " وله من حديث أبي هريرة: " فأكملوا عدة شعبان ثلاثين " اهـ. قال بعض مشايخنا: وفي الحديث دليل على وجوب صوم رمضان لرؤية هلاله، وإفطار أول يوم من شوال لرؤيته، ولا يشترط رؤية جميع أهل البلد للهلال، فإذا رآه بعضهم وثبت فقد لزم جميعهم. فالمخاطب بذلك إنما هو مجموع الأمة لا كل فرد اهـ انظر " إسعاف أهل الإيمان " للعلامة
الأستاذ حسن بن محمد المشاط، وفيه الغنية إن شاء الله. قال أبو البركات الدردير: يجب صوم رمضان على المكلف القادر الحاضر الخالي من حيض ونفاس، بكمال شعبان أو برؤية عدلين، فإن لم ير بعد ثلاثين صحوا كذبا، أو بجماعة مستفيضة، أو بعدل لمن لا اعتناء لهم به، ولا يحكم به، فإذا حكم به مخالف لزم على الأظهر، وعم إن نقل عن المستفيضة، أو العدلين بهما، أو بعدل على الأرجح، وعلى العدل. والمرجو الرفع للحاكم، فإن أفطرا فالقضاء والكفارة؛ لا بقول منجم اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وتجب له النية وتجزئ من الليل لا بعد طلوع الفجر " يعني كما في الحطاب أن شرط صحة الصوم - أي فرضا كان أو نفلا، معينا أو غير معين - أن يكون بنية لقوله صلى الله عليه وسلم:" إنما الأعمال بالنيات " وقوله: " لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل " وفي رواية: " من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له " رواه أحمد وأصحاب السنن. وفي الدردير: وكفت نية لما يجب تتابعه كرمضان وكفارته وكفارة قتل أو ظهار، وكالنذر المتتابع، كمن نذر صوم شهر بعينه، أو عشرة أيام متتابعة وهذا إذا لم ينقطع بكسفر قصر أوحيض أو نفاس أو رفع نية التتابع وإلا وجب إعادتها فيما بقي اهـ بتوضيح. وفي الرسالة: ويبيت الصيام في أوله، وليس عليه البيات في بقيته، ويتم الصيام إلى الليل اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وتبيت لغيره كل ليلة " يعني يجب أن يبيت النية في كل صوم يجوز له تفريقه كقضاء رمضان وصيامه في السفر، وكفارة اليمين، وفدية الأذى، ونقص الحج فلا تكفي فيه النية الواحدة، بل لا بد من التبييت في كل ليلة قاله الصاوي اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويلزم المنفرد برؤيته، فإن أفطر فعليه القضاء والكفارة، إلا أن يعذر بجهل أو تأويل " يعني أن من رأى هلال رمضان وحده سواء كان عدلا أو مرجوا أو نحوهما فإنه يجب عليه الصوم، فإن أفطر متعمدا، أو منتهكا لحرمة الشهر فعليه القضاء والكفارة، وإن أفطر متأولا فظن أنه لا يلزمه الصوم برؤيته منفردا ففي وجوب الكفارة تأويلان، والقول بوجوب الكفارة هو المشهور اهـ الحطاب. وفي المواق: قال مالك في المدونة: من رأى هلال رمضان وحده فليعلم الإمام لعل غيره رآه معه فتجوز شهادتهما، وإن لم يره غيره رد الإمام شهادته ولزمه الصوم في نفسه، فإن أفطر لزمه القضاء والكفارة. وقال أشهب: إلا أن يكون متأولا اهـ. وما ذكره من التأويل مردود بناء على أنه تأويل بعيد. قال خليل: كراء ولم يقبل، كذا في الصاوي على الدردير. قال: وأما لو
أفطر من لا اعتناء لهم بأمر الهلال مع ثبوت رؤية المنفرد له فعليهم الكفارة اتفاقا.
ولو تأولوا لأن العدل في حقهم كالعدلين اهـ. انظر القوانين لابن جزي.
قال رحمه الله تعالى: " والشاك يمسك حتى يتبين، ولا يجزئ صومه مترددا " يعني وجب الإمساك للشاك ولا يصوم مع تردد؛ لأن الجزم بالنية شرط في صحتها قال عبد الباري: والنية قبل ثبوت الشهر باطلة حتى لو نوى قبل الرؤية ثم أصبح لم يأكل ولم يشرب ثم تبين له أن ذلك اليوم من رمضان لم يجزه، ويمسك عن الأكل والشرب فيه لحرمة الشهر ويقضيه. ولا يصام يوم الشك ليحتاط به من رمضان
ويجوز صيامه للتطوع والنذر إذا صادف، وإليه أشار رحمه الله تعالى بقوله:" بخلافه تطوعا أو يصادف وردا أو نذرا أو قضاء " فيجوز ذلك إن لم يصادف رمضان الحاضر، وإلا لم يجزه. وقوله أو قضاء، قال الحطاب: كمن عليه صوم من رمضان فقضاه فيه أي في يوم الشك فإنه يجوز، ثم لم يثبت كونه من رمضان فقد أجزأه، وإن ثبت أنه من رمضان لم يجزه عن القضاء ولا عن رمضان الحاضر، وعليه قضاء يوم رمضان الحاضر وقضاء ما في ذمته اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ورؤيته نهارا للمستقبل ولو قبل الزوال " يعني أن الهلال إذا رآه الناس في النهار، فإنه يكون لليلة المقبلة لا لليلة الماضية، ولا فرق في رؤيته قبل الزوال أو بعده فيستمر على الفطر إن وقع ذلك في آخر شعبان، وعلى الصوم إن وقع في آخر رمضان. قاله الخرشي، ومثله في الحطاب. وقل المواق عن ابن يونس: إذا رأى الهلال آخر يوم من شعبان أو من رمضان فهو لغده رئي بعد الزوال أو قبله. قال ابن بشير: هذا هو المشهور كما هو نص المدونة عن مالك.
قال رحمه الله تعالى: " وثبوته يوجب إمساك بقيته، وعيد يوجب الفطر " يعني أن ثبوت هلال رمضان يوجب الكف عن المفطرات في بقية اليوم، وأن ثبوت هلال شوال يوجب الفطر والعيد، وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته " الحديث. وفي القوانين: إذا ارتقب هلال رمضان فلم يظهر، ثم ثبت من الغد أنه قد رئي وجب إمساك ذلك اليوم وقضاؤه، وإذا ثبت هلال شوال نهارا وجب الفطر اهـ. قال خليل: وإن ثبت نهارا أمسك، وإلا كفر إن انتهك. قال الخرشي: يعني أن رمضان إذا ثبت في أثناء النهار بوجه من الوجوه السابقة أنه رئي في الليلة الماضية فإنه يجب الإمساك وهو المنع والكف عن الأكل في حق من أكل في ذلك اليوم، وفي من لم يأكل فيه، ثم يجب عليهم القضاء لعدم الجزم بالنية. فإن لم يمسك وأفطر متعمدا بأكل