الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كان منزله بين مكة والميقات كأهل جدة فميقاتهم منزلهم ويخيرون بين بيوتهم ومساجدهم، فإن أحرموا بعد أن تعدوا منازلهم فعليهم الهدي. ومن كان منزله في الحرم فميقاته منزله، ويستحب أن يكون إحرامه في المسجد الحرام. قال في توضيح المناسك: أما أهل مكة والمستوطنون بها فالمستحب لهم أن يحرموا من مكة إن أرادوا الإحرام بالحج مفردا. والأفضل الإحرام من المسجد الحرام. وإنما كان هذا هو الأفضل لأن مكة ليست من المواقيت؛ لأن المواقيت أقتت لئلا يدخل الإنسان إلى مكة بغير إحرام، فمن كان عند البيت فليس البيت ميقاتا له، بدليل أن المعتمر لا يحرم منها، والمواقيت يستوي في الإحرام منها الحج والعمرة اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ومكة ميقات أهلها، والمعتمر يخرج منها إلى أدنى الحل، وفي المكي منها خلاف، ولا يدخل أفقي (1) مكة إلا محرما " يعني كما قال خليل في منسكه. فمن يحرم منها لا بالعمرة فلا بد أن يخرج منها إلى أدنى الحل من أي جهة كانت. والأفضل الجعرانة أو التنعيم. ولا يحرم بالقران أيضا إلا من الحل على المشهور خلافا لعبد الملك. وإنما قلنا إنه يخرج في العمرة لأن كل إحرام لا بد فيه من الجمع بين الحل والحرم اهـ.
ولما أنهى الكلام على ما تقدم من بيان المواقيت الزماني والمكاني انتقل يتكلم على الأركان فقال رحمه الله تعالى.
فَصْلٌ
في أركان الحج وكيفية الإحرام
أي في بيان أركان الحج والأركان جمع ركن وهو ما لا ينجبر بالدم، بل لا بد من الإتيان به. وأركان الحج أربعة: النية، والحضور بعرفة في جزء من ليلة عاشر ذي الحجة،
(1) وفي نسخة الآفاق، وأصلحها بعض المحققين بقولخ: أفقي بإفراد آفاقي وهو الآتي من نواحي الأرض اهـ.
وطواف الإفاضة، والسعي. وأركان العمرة ثلاثة: النية، والطواف، والسعي. وإلى ذلك أشار رحمه الله تعالى بقوله: " أركان الحج أربعة:
الإحرام، والوقوف، والطواف، والسعي " يعني أن أركان الحج عند معاشر المالكية أربعة كما تقدم: الأول الإحرام، وحقيقته نية الدخول في أحد النسكين مع قول أو فعل يتعلقان به كالتلبية، والتوجه على الطريق كما قال خليل في منسكه. وأما حقيقة الوقوف فهو أيضا كما تقدم حضور بعرفة بإحرام في جزء من ليلة عاشر ذي الحجة ولو مارا، علم بأنه بعرفة ونوى. وأما الطواف المراد به هنا طواف الإفاضة الذي يكون بعد رمي جمرة العقبة، فهو ركن بلا خلاف. وأما السعي فالمشهور أنه ركن خلافا لأبي حنيفة. قال الصاوي: اعلم أن الركن هو ما لا بد من فعله ولا يجزئ عنه دم ولا غيره، وهو الإحرام والطواف، والسعي، والوقوف بعرفة. وهذه الأركان ثلاثة أقسام: قسم يفوت الحج بتركه ولا يؤمر بشيء وهو الإحرام. وقسم يفوت بفواته ويؤمر بالتحلل بعمرة وبالقضاء في العام القابل وهو الوقوف، وقسم لا يفوت بفواته ولا يتحلل من الإحرام، ولو وصل لأقصى المشرق أو المغرب رجع لمكة ليفعله وهو طواف الإفاضة والسعي، والثلاثة غير السعي متفق على ركنيتها.
وأما السعي فقيل بعدم ركنيته وإن كان قولا ضعيفا، وبه قال أبو حنيفة اهـ. انظر بلغة السالك.
ثم قال رحمه الله تعالى: " فالإحرام ثلاثة أضرب " يعني أن الإحرام له أنواع ثلاثة، وعبر بها بعضهم بالأقسام، وبعضهم بالأوجه، وبعضهم بالأضرب كالمصنف، وكلها معنى واحد، وهي الإفراد، والقران، والتمتع. وعدها بعضهم خمسة أنواع باعتبار مطلق الإحرام، وإحرام بما أحرم به والده مثلا. وأشار رحمه الله تعالى إلى النوع الأول فقال:" إفراد وهو أفضلها " يعني أن الإفراد هو أفضل أوجه الإحرام، بأن يحرم بالحج وحده. قال في الرسالة: والإفراد بالحج أفضل عندنا من التمتع ومن القران. وفي توضيح المناسك: وأوجهه - أي الإحرام - خمسة: أولها: الإفراد، وهو أفضلها لأنه لا هدي فيه، ولأنه
صلى الله عليه وسلم حج مفردا قلت: بشهادة حديث عائشة أم المؤمنين أنها قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أفرد الحج كما في الموطأ. والإفراد: هو أن يحرم بالحج بأن ينوي بقلبه الدخول في حرمة الإحرام بالحج مفردا، وهو أفضل عند مالك. وينوي به حج الفرض إن لم يكن حج الفرض، أو فرض الكفاية إن كان حج الفرض ليثاب عليه ثواب الواجب، فهو أفضل من كونه ينوي به التطوع اهـ.
ثم ذكر النوع الثاني من أنواع الإحرام فقال رحمه الله تعالى: " وتمتع وهو أن يأتي الأفقي بالعمرة أو بعضها في أشهر الحج، ثم يحج من عامه قبل رجوعه إلى أفقه، أو مثل مسافته، ويلزمه به الهدي إلا لحاضري المسجد الحرام " يعني أن من
حج متمتعا يلزمه هدي بأربعة شروط. أولها: عدم الاستيطان بمكة أو قربها وقت الإحرام، وأما من قدم محرما بعمرة في أشهر الحج ونيته الاستيطان فإنه يجب عليه هدي. ثانيها: أن يحج من عامه، ثالثها: أن لا يرجع بعد اعتماره وقبل إحرامه بالحج إلى بلده أو مثله ولو بالحجاز، لا لأقل إلا أن يكون بلده بعيدة كالإفريقي فيكفيه في سقوط الدم رجوعه إلى نحو مصر. رابعها: أن يفعل بعض أركان العمرة ولو بعض شوط من السعي في أشهر الحج، لا إن حلق للعمرة في أشهره فلا يكون متمتعا. ولا يشترط في التمتع صحة العمرة، فلو أفسد عمرته ثم حج من عامه بعد تمامها وقبل قضائها فهو متمتع، وعليه قضاء عمرته إذا حل من حجه وحجه تام، ولو كرر العمرة في أشهر الحج فعليه هدي واحد، ولا يشترط كون الحج والعمرة عن واحد، فلو حج عن نفسه واعتمر عن غيره لزمه الدم على الراجح. ولو أحرم بعمرة وحل منها في أشهر الحج ثم بقران فعليه هديان: هدي للتمتع وهدي للقران اهـ.
ثم ذكر النوع الثالث من أنواع الإحرام فقال رحمه الله تعالى: " وقران: وهو جمع العمرة والحج في إحرام مقدما للعمرة لفظا أو نية أو يردف الحج عليها في أثنائها
ويلزم به الهدي " يعني أن القران يلي الإفراد في الفضل مع وجوب الهدي، وله صورتان كما في توضيح المناسك: الأولى: أن يحرم بعمرة وحجة معا، فإن رتب في نيته بأن نوى أحدهما ثم الآخر وجب البدء بالعمرة، وإن لم يرتب بأن أحرم بهما بنية واحدة وقصد القران أو النسكين استحب له أن يقدم العمرة، الثانية: أن يردف الحج على العمرة بأن يحرم بالعمرة أولا ثم يردف عليها الحج، ويصح الإرداف بلا كراهة ما لم يكمل طواف العمرة فإن أردف في طوافها كمل الطواف تطوعا للزومه بالشروع، فلا يسعى بعده واندرج طوافها في طواف الإفاضة. ويصح مع الكراهة بعد الطواف وقبل تمام الركوع. ولا يصح بعد الركوع وقبل تمام السعي، فإن أحرم بالحج بعد كمال سعي العمرة وقبل الحلاق صح إحرامه، ولم يكن مردفا وحرم الحلق ويجب عليه هدي لوجوب تأخير الحلق عليه بسبب إحرامه بالحج، فإن حلق لم يسقط عنه الهدي، ولزمته فدية أيضا لحلقه وهو محرم.
ويشترط في صحة الإرداف أن تكون العمرة صحيحة، فلو أفسدها بجماع مثلا ثم أردف الحج عليها لم يرتدف على المشهور. قال في أقرب المسالك: ووجب إتمامها فاسدة، ثم يقضيها وعليه دم اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وتدخل العمرة في الحج " وما ذكره المصنف من قوله وتدخل العمرة في الحج مثله لابن جزي في القوانين الفقهية خلافا للمشهور
في المذهب. قال خليل ولغا عمرة عليه كالثاني في حجتين أو عمرتين. وقال الخرشي: يعني أن العمرة لا ترتدف على الحج لضعفها وقوته، وكذلك لا ترتدف العمرة على مثلها، وكذلك لا يرتدف الحج على مثله لأن المقصود من الثاني حاصل بالأول. وأما إرداف الحج على العمرة فإنه يصح وضعفها؛ ولأنه يحصل منه ما لا يحصل منها، فالقسمة رباعية صح منها المسألة الأخيرة. ومعنى اللغو عدم الانعقاد اهـ. وفي الحطاب يعني أن من أحرم بحج ثم أحرم بعده بعمرة فإن العمرة لغو، وكذا إذا أحرم بحجة ثم أحرم بحجة أخرى، أو
بعمرة ثم أحرم بعمرة أخرى، فإن الحجة الثانية والعمرة الثانية لغو، يريد ويكره له ذلك اهـ. وقال المواق فيها: كره مالك لمن أحرم بالحج أن يضيف إليه عمرة ولا يلزمه شيء مما أردف، ولا قضاء ولا دم قران اهـ. وفي الموطأ عن مالك أنه سمع أهل العلم يقولون. من أهل بحج مفرد ثم بدا له أن يهل بعده بعمرة فليس له ذلك: قال مالك: وذلك الذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " فمريد الإحرام إذا أتى الميقات إن كان معه هدي قلده وأشعره " يعني أن مريد الإحرام إذا وصل إلى الميقات المكاني، وأراد أن يحرم بحج أو عمرة يندب له أن يقلد هديه إن كان معه، وأن يشعره هناك. قال في توضيح المناسك: يسن له أن يقلد هديه إن كان من الإبل أو البقر، ثم يشعره إن كان من الإبل سواء كان لها أسنمة أم لا، أو من البقر إن كان لها أسنمة، ولا تقلد ولا تشعر. والتقليد: شيء في عنق
الهدي.
والأفضل أن يكون شيئا مما تنتبه الأرض ويجعل فيه نعلين ويعلقه في عنق الهدي. والإشعار: أن يشق في الجانب الأيسر من السنام بادئا من جهة الرقبة إلى جهة المؤخر قدر أنملتين ونحو ذلك قائلا على جهة الاستحباب باسم الله والله أكبر ويستحب أن يكون مستقبل القبلة هو وهديه عند إشعاره، وأن يجعل الهدي عن يمينه، وأن يمسك خطامه بيساره، وأن يقدم التقليد على الإشعار. ويستحب أن يجلل الهدي إن كان من الإبل بأن يجعل من الثياب بقدر طاقته اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " واغتسل وصلى ركعتين نافلة استحبابا، ويتجرد عن محيط في إزار ورداء ونعلين، ثم ينوي ما يريد عقده ملبيا ومتوجها " قوله: عن محيط بضم الميم وبالحاء المهملة، وفي نسخة مخيط بالخاء المعجمة كما في الرسالة، وهما روايتان صحيحتان. والمعنى ثم بعد تمام التقليد والإشعار وما يتعلق بذلك يسن الغسل للإحرام، وهذا الغسل سنة من سنن الإحرام، ثم يتجرد عن المحيط والمخيط، يلبس
إزارا ونعلين، ويندب أن يكون الإزار والرداء
أبيضين نظيفين. قال في توضيح المناسك: ويسن له بعد فعل ما تقدم أن يركع للإحرام ركعتين فأكثر إن كان متوضئا، وإلا بأن لم يجد ماء وكان مسافرا، أو كان مقيما ووجد ماء ولكن خاف باستعماله مرضا أو زيادته تيمم وركعها، ويستحب له أن يقرأ في الأولى {قل يأيها الكافرون} ، وفي الثانية:{قل هو الله أحد} ، فإن كان الوقت وقت نهي انتظر وقت الجواز، إلا أن يخاف فصلاها أغنته عن ركعتي الإحرام، والأفضل تخصيصه بركعتين، ويدعو الله عقب تنقله بأن يسأل الله العون على إتمام نسكه، ثم يركب راحلته وينوي ما أراد من حج أو عمرة ملبيا متوجها كما قال المصنف. والركوب في الحج والعمرة لمن قدر عليه أفضل من المشي للاقتداء به عليه الصلاة والسلام. ثم بعد نية الدخول في الإحرام يلبي.
قال رحمه الله تعالى: " ولفظها " أي التلبية التي ينبغي الاقتصار عليها هي " لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنغمة لك والملك، لا شريك لك " فهذه هي تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويستحب للملبي الاقتصار عليها، ففي البخاري عن ابن عمر " إن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم لبيك اللهم لبيك " إلخ. ومثله عن عائشة أنها قالت:" إني لأعلم كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يلبي لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك " اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " يعاودها في كل صعود وهبوط وتلقي الرفاق ودبر الصلوات، ويلزم الدم بتركها جملة " يعني كما تقدم أن مريد أحد النسكين بعد أن يحرم يلبي حين توجهه إلى مكة. قال في الرسالة: ولا يزال يلبي دبر الصلوات، وعند كل شرف، وعند ملاقاة الرفاق، وليس عليه كثرة الإلحاح بذلك. فإذا دخل مكة أمسك عن التلبية حتى يطوف ويسعى ثم يعاودها حتى تزول الشمس من يوم عرفة
ويروح إلى مصلاها اهـ. انظره في الفواكه الدواني. وما كره من لزوم الدم بترك التلبية جملة هو كذلك. قال في إيضاح المناسك: فمن تركها من أول الإحرام إلى آخره لزمه هدي وكذا من فصل بينها وبين الإحرام بنصف يوم اهـ بتصرف.
قال رحمه الله تعالى: " ثم إن كان الوقت واسعا أتى مكة لطواف القدوم " يعني إن كان بين إحرامه بالحج وبين الوقوف بعرفة وقت واسع وجب عليه أن يأتي مكة لطواف القدوم؛ ومفهوم الشرط أنه إن ضاق الوقت ولم يسع الطواف والسعي بعده وخاف بفعلهما فوات الحج فإنه يترك طواف القدوم ويتوجه إلى عرفة لإدراك الوقوف ولا يلزمه الهدي في ترك القدوم لأنه مراهق، ويكون السعي بعد الإفاضة.
قال رحمه الله تعالى: " فيدخلها من التثنية العليا " قوله: فيدخلها الضمير عائد إلى مكة، يعني أن المحرم يدخل مكة من الثنية العليا، وهي التي يهبط منها على المقبرة المسماة بالمعلى التي بها أم المؤمنين خديجة، رضي الله تعالى عنها.
قال في الرسالة: ويستحب أن يدخل مكة من كداء الثنية التي بأعلى مكة، وإذا خرج خرج من كدا، وإن لم يفعل في الوجهين فلا حرج اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " حتى يأتي المسجد فيدخل من باب بني شيبة " يعني كما في توضيح المناسك يستحب له أن يدخل المسجد من باب بني شيبة المعروف الآن بباب السلام، ويدور إليه إن لم يكن على طريقه كما هو ظاهر إطلاقهم. ويستحب له أن يقدم رجله اليمنى عند دخوله، وأن يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم باسم الله اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك وهذا مستحب كلما دخل المسجد الحرام أو غيره من المساجد.
قال رحمه الله تعالى: " فإذا رأى البيت قطع التلبية " قال العلامة الشيخ محمد علي رحمه مولاه في إيضاح المناسك: وانتهاء التلبية بيوت مكة لمن أحرم بالعمرة أو الحج
أو القران من الحل، وحدود الحرم لمن أحرم بالعمرة من الميقات ولم يفته الحج فهل يقطعها عند بيوت مكة، أو إذا ابتدأ الطواف؟ قولان مشهوران.
وانتهاؤها لمن بمكة إذا أحرم بالحج مفردا أو قارنا قبل زوال يوم التاسع الأقصى من الرواح للمصلى والزوال، وكذا من عاودها بعد سعي الحج الواقع بعد القدوم.
وانتهاؤها لمن أحرم بعرفة بعد الزوال جمرة العقبة اهـ. ويستحب عند رؤية البيت أن يستحضر ما أمكنه من الخشوع، وأن يدعو بما أحب من أمر الدنيا والآخرة. وأهمها سؤال المغفرة، والموت على الإسلام، وكفاية هول الموقف، ورضوان الله تعالى، والنظر إلى وجهه من غير سابقة عذاب. وقال ابن حبيب: يستحب إذا وقع بصره على البيت أن يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام. وقال رحمه الله تعالى أي عند رؤية البيت: " وقال اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما ومهابة وتكريما، وزد من شرفه وعظمه ممن حجه أو اعتمره تشريفا وتعظيما ومهابة وتكريما " قال ابن الحاج في مناسكه: ويكبر عند رؤية البيت قبل أن يقول هذا ثلاث تكبيرات. والحاصل أن التكبير والدعاء عند رؤية البيت مستحب، لأن الدعاء عند رؤية البيت مستجاب فيها الدعاء كما في الحديث.
قال رحمه الله تعالى: " فيأتي الحجر الأسود فيقبله " يعني فإذا دخل المسجد
لا يركع تحية المسجد فإن تحيته حينئذ الطواف، بل يقصد الحجر الأسود ويقبله بفيه إن قدر، وإلا فبيده ثم يضعها على فيه من غير تقبيل، وإن تعذر ذلك كبر بلا رفع يد على المشهور في المذهب. قال رحمه الله تعالى:" ويقول " أي عند شروعه في الطواف: " اللهم إيمانا بك، ووفاء بعهدك، وتصديقا بكتابك، واتباعا لسنة نبيك " سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
قال رحمه الله تعالى: " ويبتدئ الطواف منه " أي من الحجر الأسود لأن الابتداء
منه واجب بل الأولى الاحتياط بالوقوف قبله بقليل، فمن بدأ من غيره وأتم لمحل بدئه أجزأه الطواف وبعث بهدي إذا خرج من مكة، وإلا ابتدأه، انظره في إيضاح المناسك.
قال رحمه الله تعالى: " فيطوف سبعة أشواط من وراء الحجر (1) جاعلا البيت عن يساره " يعني أنه يطوف سبعة أشواط، وإكمال سبعة أشواط شرط في صحة الطواف، فيعيده من بمكة إذا ترك شوطا أو بعض شوط منه مطلقا، ورجع على إحرامه واستأنفه إن خرج من مكة حيث كان الطواف ركنا، وبعث بهدي حيث كان واجبا ولا شيء عليه حيث كان نفلا. ويبني الشاك غير المستنكح على الأقل ويأتي بما شك فيه كالصلاة، فإن لم يبن كان كمن ترك شوطا أو بعضه، ويعمل بخبر من كان معه في الطواف ولو واحدا وقوله: من وراء الحجر بالكسر أي من وراء حجر إسماعيل، وأصله من البيت، فلو طاف الإنسان ماسحا بيده على جدار الحجر لم يصح طوافه إلا أنه إذا بعد عن مكة ينبغي أن لا يلزم بالرجوع بل يبعث بهدي مراعاة لمن يقول إن الحجر ليس من البيت. وقوله: جاعلا البيت إلخ، وأيضا كون البيت عن يسار الطائف شرط في صحة الطواف، فمن طاف والبيت عن يمينه أو وجهه أو ظهره للبيت لم يجزه. قال خليل: وجعل البيت عن يساره. قال الخرشي: يعني أن الطائف يجب عليه في طوافه أن يجعل البيت في دورانه عن يساره فكأنه لم يطف ورجع إليه ولو من بلده إن كان ذلك الطواف ركنا، وهذا هو المشهور لطوافه عليه الصلاة والسلام هكذا، وقوله:" خذوا عني مناسككم " وفي الصاوي على أقرب المسالك: المراد عن يساره وهو ماش مستقيما جهة أمامه، فلو جعله عن يساره إلا أنه رجع القهقرى من الأسود إلى اليماني لم يجزه. قال الحطاب: حكمة جعل البيت
(1) لأن الله أمر بالطواف به لا بالطواف فيه.
عن يساره ليكون قلبه إلى جهة البيت ووجهه إلى وجه
البيت؛ إذ باب البيت هو وجهه، فلو جعل الطائف البيت عن يمينه لأعرض عن باب البيت الذي هو وجهه ولا يليق بالأدب الإعراض عن وجوه الأمثال اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " الثلاثة الأول خببا، كلما مر بالحجر قبله وبالركن اليماني لمسه بيده " يعني أنه يطوف بالبيت سبعة أشواط ثلاثة خببا وأربعة مشيا كما في الحديث، ويسن استلام الحجر الأسود في أول شوط، ويندب في كل شوط، وكذلك اليماني لكنه باليد فقط. وعبر رحمه الله بالخبب وعبر غيره بالرمل وهما لفظان متقاربان في المعنى وكلاهما واردان. وفي الحديث الصحيح " كان عليه السلام إذا طاف بالبيت الطواف الأول خب ثلاثة ومشى أربعة، وكان يسعى ببطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة " اهـ أخرجه الشيخان عن ابن عمر. وفي الموطأ عن نافع " أن عبد الله بن عمر يرمل من الحجر الأسود ثلاثة أطواف، ويمشي أربعة أطواف " اهـ وفيه عن جابر بن عبد الله أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل من الحجر الأسود حتى انتهى إليه ثلاثة أطواف " قال مالك " وذلك الأمر الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا اهـ. وفي الرسالة: سبعة أطواف ثلاثة خببا وأربعة مشيا. وقال خليل عاطفا على المندوبات: ورمل رجل في الثلاثة الأول ولو مريضا وصبيا حملا اهـ. وما ذكرناه من الخبب والرمل من أنهما لفظان متقاربان في المعنى هو كذلك؛ لأن الخبب فوق الرمل ودون الجري. والرمل فوق المشي مع هز المنكبين. قال العلامة الدردير على أقرب المسالك: والرمل الإسراع في المشي دون الخبب اهـ. وأما قوله: كلما مر بالحجر قبله إلخ قد روينا عن جابر بن عبد الله في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حتى إذا أتينا البيت استلم الركن فرمل ثلاثة ومشى أربعة، ثم أتى مقام إبراهيم فصلى ورجع إلى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب إلى الصفا ". وفي الحديث: " إن مسح الركن اليماني والركن الأسود يحط الخطايا حطا " اهـ. أخرجه النسائي.
ثم قال رحمه الله تعالى: " واستيفاء العدد شرط كالطهارة " يعني كما تقدم أن إكمال سبعة أشواط شرط في صحة الطواف فراجعه إن شئت عند قول المصنف فيطوف سبعة أشواط إلخ. وكما أن استيفاء العدد شرط في صحة الطواف كذلك الطهارة شرط في صحته. قال في إيضاح المناسك: الثاني: أي من شروط صحة الطواف طهارة الحدث الأكبر والأصغر في ابتداء الطواف ودوامه على الذاكر القادر وغيره، فلا يصح طواف المحدث ولو غلبة أو سهوا أو نسيانا. ولا يجوز له البناء على ما مضى بعد تطهره ولو بالقرب. وكذا يشترط في صحة الطواف طهارة الخبث على الذاكر القادر في ابتداء الطواف فقط، فلا إعادة على من لم يعلم بها إلا بعد فراغه. ولا يبطل طواف
من علم بها في أثنائه، بل يبني على ما فعله بعد طرحها أو غسلها كمن رعف في أثنائه بشرط أن لا يمشي على نجاسة، وأن لا يبعد المكان جدا، وأن لا يتعدى موضعا قريبا اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " فإذا فرغ صلى ركعتين، والأفضل وراء المقام " يعني فإذا انقضى الطواف بأن تم سبعة أشواط صلى ركعتين في أي موضع تيسر له ذلك من المسجد، لكن الأفضل أن يصليها خلف مقام إبراهيم امتثالا لقوله تعالى:{وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125] قال في توضيح المناسك. ثم يصلي ركعتي الطواف، ويستحب له أن يقرأ في الركعة الأولى {قل يأيها الكافرون} [الكافرون: 1]، وفي الثانية:{قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1]، وإن اقتصر على الفاتحة أجزأه، ويستحب أن يركعهما بالمسجد وأن يكون خلف المقام إن لم يؤد إلى مروره بين يدي المصلين أو مرروهم بين يديه. وأما صحتهما ففي أي مكان حتى لو طاف بعد العصر أو بعد الصبح وأخر الركعتين فإنه يصليهما حيث كان ولو في الحل، ما لم ينتقص وضوؤه، وإلا فراجع حكم موالاة الطواف وركعتيه اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ثم يخرج إلى الصفا فيرقى حتى يرى البيت فيتوجهه
ويكبر ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله لا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين " هذا الدعاء من الواردات. والمعنى أنه يفعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع؛ لأنه عليه الصلاة والسلام استلم الحجر الأسود بعد ركعتي الطواف، ثم خرج إلى السعي من باب الصفا. قال بعضهم في منسكه: فلما دنا صلى الله عليه وسلم من الصفا قرأ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ} [البقرة: 158] الآية ثم قال: " أبدأ بما بدأ الله به " وفي رواية " ابدأوا " ثم رقي عليه حتى رأى البيت فاستقبله فوحد الله وكبره وقال: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده " ثم دعا، وقال هذا ثلاث مرات يدعو بين ذلك، ثم ينزل إلى المروة يمشي فلما انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى إذا جاوز الوادي وأصعد مشى. هذا الذي صح عنه صلى الله عليه وسلم قبل وجود الميلين الأخضرين. وكان صلى الله عليه وسلم لما وصل إلى المروة رقي عليها واستقبل البيت وكبر الله ووحده وفعل كما على الصفا حتى ختم السابع على المروة اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ثم ينزل فيسعى حتى يجاوز الميلين الأخضرين، ثم
يمشي حتى يأتي المروة، فيفعل عليها كالصفا، وذلك شوط، ثم يأتي بتمام سبعة أشواط كذلك " وما ذكره رحمه الله مثله في الرسالة، ونصها: فإذا تم طوافه ركع عند المقام ركعتين، ثم استلم الحجر إن قدر، ثم يخرج إلى الصفا فيقف عليه للدعاء، ثم يسعى إلى الصفا، يفعل ذلك سبع مرات فيقف بذلك أربع وقفات على الصفا وأربعا على المروة اهـ قال ابن عاشر في المرشد المعين:
واخرج إلى الصفا فقف مستقبلا
…
عليه ثم كبرن وهلا
واسع لمروة فقف مثل الصفا
…
وخب في بطن المسيل ذا اقتفا
أربع وقفات بكل منهما
…
تقف والأشواط سبعا تمما
وادع بما شئت بسعي وطواف
…
وبالصفا ومروة مع اعتراف
وقول الناظم وادع بما شئت بسعي وطواف، إشارة إلى أن ليس في السعي والطواف دعاء مخصوص، بل يندب أن يدعو الطائف والساعي بما أحب من خيري الدنيا والآخرة. وكان عبد الله بن عمر، رضي الله عنه، يدعو وهو على الصفا يقول. اللهم إنك قلت: ادعوني استجب لكم، وإنك لا تخلف الميعاد، وإني أسألك كما هديتني للإسلام أن لا تنزعه مني حتى تتوفاني وأنا مسلم اهـ. رواه مالك في الموطأ. ومما يقال في الطواف " اللهم إني أعوذ بك من الشك والشرك والنفاق والشقاق وسوء الأخلاق " اهـ. أخرجه البزار. ولابن ماجه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" وكل بالركن اليماني سبعون ملكا، فمن قال اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار قالوا آمين " وعنه أيضا " من طاف بالبيت سبعا ولا يتكلم إلا سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله محيت عنه عشر سيئات، وكتبت له عشر حسنات، ورفع له بها عشر درجات " اهـ. ويستحب القيام على الصفا والمروة للدعاء، وأن يطيل الوقوف.
وكذلك يستحب أن يكثر قول لا إله إلا الله مع الصلاة على النبي في السعي بين الصفا والمروة وغير ذلك من أنواع الذكر بلا تخصيص بدعاء معين على ما اتفق عليه الأئمة؛ لأن الطواف والسعي ليس لهما دعاء مخصوص كما تقدم.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وهذا السعي هو الركن " أي هو ركن من أركان الحج
كما أنه ركن من أركان العمرة. وتقدم أن أركان الحج أربعة. الإحرام، والوقوف، والطواف، والسعي، فراجعه في أول الفصل إن شئت.
قال رحمه الله تعالى: " فإن لم يأت بطواف القدوم، أو أخره عنه سعى مع
طواف الإفاضة " يعني أن المحرم بالحج إن لم يطف طواف القدوم، بأن كان مرهقا وأخر السعي إلى بعد النزول من عرفة، فإنه يسعى بعد طواف الإفاضة هذا إن كان تأخيره السعي لعذر كما وصفنا، وإلا فعليه الهدي لوجوب تقديم السعي على الوقوف. وأما لو أحرم بحج من مكة كالتمتع، أو كان من أهلها فإنه يجب عليه إعادته بعد الإفاضة ما دام بمكة، فإن لم يعاوده حتى سافر إلى بلده وجب عليه أن يرسل بهدي لإيقاعه السعي بعد طواف التطوع؛ لأن طوافه قبل الوقوف تطوعا، ولا يلزم عليه الرجوع، بخلاف من لم يسع أصلا فإنه يرجع له وجوبا ولو وصل إلى أقصى المشرق أو المغرب؛ لأن السعي ركن على المشهور، خلافا لأبي حنيفة القائل إنه واجب ينجبر بالدم. وروى ابن قصار عن الإمام أن السعي واجب يجبر بدم وليس بركن، فحينئذ إن رجع إلى بلده يرسل بهدي فقط، لكن المشهور الذي عليه الجمهور الأول، فتنبه.
قال رحمه الله تعالى: " وشرطه أن يكون عقيب طواف " يعني أن شرط صحة السعي أن يكون بعد تقديم طواف صحيح مطلقا. قال في توضيح المناسك: وشرط صحته في الحج والعمرة أن يتقدمه طواف تام صحيح سواء كان فرضا أو واجبا أو تطوعا، فلو سعى من غير طواف لم يجزه، فإن كان محرما بعمرة وجب أن يكون إثر طواف العمرة وإن كان محرما بحج أو بقران من الحل وجب عليه تقديم من ترك طواف القدوم. وتركهما معا كترك أحدهما أحدهما من حيث لزوم الدم، فإن أحرم بالحج من مكة، أو أردف الحج بالحرم فلا
يطوف ولا يسعى حتى يرجع من عرفة، وكذا يرخص للمراهق في تأخيره وهو من قدم في اليوم الثامن ومعه أهل أو في التاسع وإن لم يكن معه أهل، فإن أوقعه مطلقا سواء كان من حج أو عمرة بعد طواف تطوع أعاده ما دام بمكة، فإن لم يعاوده حتى بعد عن مكة لزمه الهدي اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ثم يخرج في اليوم الثامن إلى منى ويعاود التلبية " يعني كما في الرسالة: ثم يخرج يوم التروية أي يوم الثامن من ذي الحجة متوجها إلى منى فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، ثم يمضي إلى عرفات ولا يدع في هذا كله حتى تزول الشمس من يوم عرفة ويروح إلى مصلاها اهـ. وتقدم لنا عند قول المصنف ويعاودها في كل صعود وهبوط فراجعه إن شئت. قال في توضيح المناسك: ويكره التقديم إلى منى بقصد النسك قبل اليوم الثامن ولو بتقديم الأثقال. وإلى عرفات بقصد النسك قبل التاسع والتراخي
في مكة إلى آخر النهار من ذلك اليوم من غير عذر، فإذا وصل إلى منى نزل بها حيثما تيسر له النزول.
قال رحمه الله تعالى: " ويستحب المبيت بها فإذا صلى الصبح دفع إلى عرفة فينزل بها " يعني كما في توضيح المناسك، ويسن المبيت بها وأن يصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، كل صلاة في وقتها قصرا إلا المغرب، وهذه الليلة يطلب إحياؤها، فليكثر فيها من الصلاة والدعاء والذكر، والسنة أن لا يخرج من منى حتى تطلع الشمس على ثبير، وإنما كان القصر سنة مع قصر المسافة لأجل السنة، والقصر لجميع الحجاج سواء المكي وغيره سنة في ذهابه للحج وفي رجوعه لبلده أيضا، حيث بقي عليه عمل من النسك بغيرها، وإلا أتم حال رجوعه، كمنوي راجع من مكة بعد الإضافة لمنى، فإنه لا يقصر في رجوعه لأنه وإن كان رجوعه لوطنه إلا أن عليه النزول بالمحصب وهو بغير وطنه اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " فإذا زالت الشمس قطع التلبية وجمع بين الصلاتين ثم وقف، وعرفة كلها موقف إلا بطن عرنة، فإذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب دفع إلى المزدلفة " والمعنى كما ذكرنا في الرسالة المختصرة في صفة الحج، فإذا زالت الشمس من يوم التاسع وأنت بعرفة فاغتسل بإمرار اليد من غير إزالة الوسخ وصل الظهر والعصر مجموعتين جمع تقديم، ولا تصل النفل بينهما، ثم تذهب إلى موقف عرفة، وعرفة كلها موقف ما عدا بطن عرنة، ويستحب لك أن تقف موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت جبل الرحمة، وأن تستقبل القبلة وأنت متوضئ مشتغلا بالدعاء والذكر والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والتضرع وسؤال العافية في الدنيا والآخرة وطلب المغفرة لنفسك ولوالديك ولمن أوصالك بالدعاء ولجميع المسلمين والمسلمات، ولا تزال مشتغلا مجتهدا بذلك إلى غروب الشمس، وبعد الغروب تقف قليلا وتنوي الوقوف الركن ولو بقدر سبحان الله، لأن الوقوف نهارا واجب ينجبر بدم، والوقوف الركن لا يكون إلا عند تحقق الغروب عند المالكية، ولذا أشار رحمه الله بقوله:" ومن خرج من عرفة قبل تواريها بطل حجه إلا أن يعود جزءا من الليل، ومن تركه نهارا متمكنا فعليه دم " قال مالك: إن عبد الله بن عمر كان يقول: من لم يقف بعرفة من ليلة المزدلفة قبل أن يطلع الفجر فقد فاته الحج، ومن وقف بعرفة من ليلة المزدلفة من قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج اهـ. قال في الموطأ: وتقرر لنا في دماء الحج أن نية الخروج من عرفة قبل الغروب من موجبات الهدي، فمن نوى الخروج من عرفة قبل الغروب ولم يخرج إلا بعد
الغروب وجب عليه الهدي فإن خرج فعلا والحال أنه لم تغرب الشمس فقد فاته الحج إن لم يرجع قبل طلوع الفجر، وندب له التحلل بفعل عمرة، ووجب عليه القضاء والهدي في العام القابل اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " فإذا أتى المزدلفة جمع بين العشاءين فإن لم ينزلها
لزمه الدم، والأفضل المبيت ويلتقط منها حصى الجمار، فإذا طلع الفجر أتى المشعر الحرام فصلى الصبح ووقف ذاكرا " يعني كما في صفة الحج إذا تحقق غروب الشمس من يوم عرفة تدفع بوقار وسكينة قبل صلاة المغرب حتى تصل إلى مزدلفة فتجمع بها المغرب والعشاء وتقصرها دون المغرب، ويسمى هذا الجمع جمع التأخير بأذان واحد وإقامتين، ولا تصل النفل بينهما. وأما الجمع بعرفة فإنه بأذانين وإقامتين، ولا تصل النفل بينهما. وأما الجمع بعرفة فإنه بأذانين وإقامتين لكل من الظهر والعصر على المشهور، ويسمى جمع التقديم.
والنزول بالمزدلفة واجب، ويلزم في تركه الدم كما قال المصنف، ويستحب المبيت بها وأن يصلى الصبح في أول وقتها، وأن تقف عند المشعر الحرام مستقبل القبلة، وأن تكثير من الذكر والدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسفار، وأن تلتقط القبلة، وأن تكثر من الذكر والدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسفار، وأن تلتقط سبع حصيات لرمي جمرة العقبة. ومما ينبغي إحياء تلك الليلة بكثرة العبادة من الذكر والصلاة وغيرها، لما رواه الطبراني في التكبير عن عبادة بن الصامت مرفوعا " من أحيا ليلة الفطر وليلة الأضحى لم يمت قبله يوم تموت القلوب " اهـ. قال ابن جزي: إذا غربت الشمس يوم عرفة دفع الإمام والناس معه إلى المزدلفة، وهي ما بين منى وعرفة، وينصرفون على طريق المأزمين فيجمعون بالمزدلفة بين المغرب والعشاء مقصورة بعد مغيب الشفق، ويبيتون بها تلك الليلة، ومن صلى قبلها من غير على أعاد إذا أتاها، ولا ينزل ببعض المياه لعشاء أو استراحة، فإذا طلع الفجر صلوا الصبح بغلس ثم نهضوا إلى المشعر الحرام وهو آخر أرض المزدلفة فيقفون للتضرع والدعاء إلى الإسفار، ثم يدفعون منها قبل طلوع الشمس إلى منى ويخب في وادي محسر اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ثم يدفع قبل الطلوع إلى منى فيرمي بها جمرة العقبة بعد الطلوع بسبع حصيات " قال في توضيح المناسك: يستحب له إذا وصل إلى منى أن يرمي جمرة العقبة حين وصوله إلى هيئته ماشيا أو راكبا إلا أن يكون في إتيانه كذلك أذى للناس، فيحط رحله ويأتي إليها ماشيا. وأصل رميها واجب، ويندب المشي في غيرها،
ويدخل وقتها بطلوع الفجر أي في يوم النحر، ويمتد وقت أدائها إلى الغروب، وأفضله من طلوع الشمس إلى الزوال، والليل وقت قضاء لها، فإن أخر إليه لزمه دم، ويستحب أن يستقبلها حالة الرمي ومنى عن يمينه
وطريق مكة عن يساره ثم يرميها بسبع حصيات متفرقا، فإن رماها من فوقها من الطريق العليا في أصل المرمى من تلك الجهة أجزأه ويستغفر الله. ولا يرمي يوم النحر إلا جمرة العقبة اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ثم ينزل فيحلق أو يقصر وينحر هديه " يعني إذا تم رمي جمرة العقبة بسبع حصيات فإنه يبادر إلى الحلق أو التقصير، وينحر هديه إن كان معه هدي، لكن يستحب تقديم النحر على الحلق وأن يفعلهما قبل الزوال بلا عذر مكروه؛ لأن الذبح بعده مكروه؛ لأن الذبح مقدم على الحلق لقوله تعالى:{وَلَا تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّه} [البقرة: 196] وأول ما يفعل في يوم النحر الرمي ويجب تأخير الحلق والطواف، فتقديم الطواف قبل الرمي يوجب هديا، وتقديم الحلق يوجب فدية، وتقديمهما معا يوجب هديا وفدية. وأما تأخير الذبح عن الرمي وتأخير الحلق عن الذبح فمستحب كتأخيري الإفاضة عن الذبح.
وحاصل ما يطلب في يوم النحر أربعة أشياء وهي: الرمي، والذبح، ثم الحلق، ثم الطواف، وإليها أشار بعضهم بقوله:" رنحط " الراء للرمي، والنون للنحر، والحاء للحلق، والطاء لطواف الإفاضة اهـ. ويجب استيعاب جميع الرأس بالحلق أو التقصير، والحلق أفضل، وإن أخره حتى رجع لبلده لزمه الهدي ولو قربت. وفي المدونة: والحلاق يوم النحر بمنى أحب إلي وأفضل، فإن حلق بمكة أيام التشريق أة بعدها، أو حلق في الحل في أيام منى فلا شيء عليه اهـ.
قال الحطاب: لعله مقيد بأنه رحل ولم يرجع لبلده ليوافق ما في المدونة وهو قولها: وإن أخره حتى رجع لبلده لزمه الهدي، ولو قربت كما تقدم اهـ. فتقرر أن تأخير
الحلق إلى بلده يوجب الهدي، وكذلك الطول، كبعد خمسة أيام بعد أيام التشريق.
ويكره الجمع بين الحلق والتقصير لغير ضرورة. ويتعين الحلق في الشعر القصير جدا، وفي عديم الشعر كالأقرع فيجر الموسى على رأسه، ويستحب استقبال القبلة حالة الحلق أو التقصير والبدء بالأيمن، وأن يذكر الله ويدعوه لأن الرحمة تغشى الحاج عند حلاقه، وكذلك يستحب إيقاع الحلاق بمنى من غير إيجاب، وأن يكون عند جمرة العقبة. ويتعين التقصير في حق الأنثى ولو بنت تسع، ويحرم عليها الحلق، لأنه مثله في حقها، والحرمة في حق الصغيرة متعلقة بوليها، وأما بنت أقل من تسع فيخير فيها بين الحلق والتقصير. والتقصير أن تأخذ المرأة قدر أنملة أو أقل أو أكثر، ويأخذ الرجل في تقصيره من قرب أصله استحبابا اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ثم يأتي مكة فيطوف طواف الإفاضة وهذا هو
الركن " يعني إذا رمى جمرة العقبة وفعل ما ذكر بعدها من النحر والحلق فإنه يستحب له أن يأتي مكة لطواف الإفاضة ليتحصل له التحلل الأكبر، لأن التحلل الأصغر قد حصل برمي جمرة العقبة كما يحصل بخروج وقت أدائها ولو لم يرمها، وبرميها يحل لك كل شيء إلا الجماع ومقدماته، وعقد النكاح، والصيد فحرمتها باقية حتى يطوف طواف الإفاضة. ويكره الطيب، فلا فدية، وطواف الإفاضة به يحصل التحلل الأكبر وهو الركن الرابع من أركان الحج في حق من قدم السعي إثر طواف القدوم. وهو آخر أركانه. قال النفراوي في الفواكه: اعلم أنه قد تقرر أن للحج تحللين أصغر وأكبر، فالأكبر طواف الإفاضة لأنه يحل به كل ما كان محرما على المحرم، والأصغر رمي جمرة العقبة لأنه إنما يحل به غير النساء والصيد، ويكره معه مس الطيب، ومثل رميها بالفعل فوات وقت أدائها وهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، لأن الليل قضاء اهـ. وفي توضيح المناسك: ويستحب له أن يأتي مكة لطواف الإفاضة إثر الحلق في يوم النحر، وأن يدخلها طاهرا ليبادر بفعله،
وأن يطوف في ثوبي إحرامه، ثم يصلي ركعتي الطواف وجوبا، ثم يسعى سبعة أشواط إن لم يكن سعى بعد طواف القدوم كما تقدم. ويدخل وقت طواف الإفاضة بطلوع الفجر من يوم النحر ويستحب الرمل في الثلاثة الأشواط الأول منه للرجال فقط. ولا رمل في طواف لا سعي بعده اهـ، وفي صفة الحج: ثم تتوجه إلى مكة فتطوف بالبيت سبعة أشواط طواف الإفاضة وهو ركن من أركان الحج، وتسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط كذلك إن لم تقدم السعي بعد طواف القدوم، ثم ترجع إلى منى من يومك لأجل المبيت والرمي بعد زوال كل يوم ثلاث جمرات، كل جمرة بسبع حصيات، تبدأ بالجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف، ثم الجمرة الوسطى، ثم الكبرى، تفعل ذلك ثلاثة أيام إن لم تتعجل، أو يومين إن تعجلت ثم تدفع إلى مكة اهـ. ومثله في الرسالة، ونصها: فإذا وصل إلى منى رمى جمرة العقبة بسبع حصيات مثل حصى الخذف، ويكبر مع كل حصاة، ثم ينحر إن كان معه هدي، ثم يحلق. ثم يأتي البيت فيفيض ويطوف سبعا ويركع، ثم يقيم بمنى ثلاثة أيام، فإذا زالت الشمس من كل يوم منها رمى الجمرة بمثل ذلك تلي منى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ثم يرمي الجمرتين كل جمرة بمثل ذلك، ويكبر مع كل حصاة، ويقف للدعاء بإثر الرمي في الجمرة الأولى والثانية، ولا يقف عند جمرة العقبة ولينصرف، فإذا رمى في اليوم الثالث وهو رابع يوم النحر انصرف إلى مكة وقد تم حجه وإن شاء تعجل في يومين من أيام منى فرمى وانصراف اهـ.
وإلى جميع ذلك أشار رحمه الله تعالى فقال: " ثم يعود إلى منى فيبيت بها
ليالي التشريق لرمي الجمار، فيرمي الأيام الثلاثة كل يوم بعد الزوال، ولا يجزئ قبله ولا ليلا، يبدأ بالجمرة السفلى فيرميها بسبع حصيات رميا لا وضعا، ويكبر مع كل حصاة، ويتقدم أمامها فيتوجه العقبة ويبتهل بالدعاء، ثم يأتي الوسطى فيفعل كذلك، ثم يأتي العليا وهي العقبة فيرميها " يعني إذا تم طواف
الإفاضة وجب عليه الرجوع إلى منى للمبيت والرمي، فالمبيت بمنى أيام التشريق واجب وتركه يوجب الهدي، إلا من رخص لهم وهو رعاة الإبل ومن ولي السقاية بمكة. قال في توضيح المناسك: يسقط المبيت عن الرعاة، فإذا رموا جمرة العقبة يوم النحر فلهم أن يذهبوا ويرخص لهم في تأخير رمي جمار اليوم الثاني، فيأتوا في الثالث فيرموا لليوم الثاني ثم للثالث ولا دم عليهم. قال ويسقط المبيت أيضا عمن ولي السقاية بمكة، فيرمي الجمار نهارا في كل يوم ثم يعود لمكة لأجل المبيت، ومن ترك المبيت بمنى ليلة كاملة أو جلها أو جميع الليالي لزمه الدم، ويشترط في المبيت بها أن يكون فوق جمرة العقبة وجمرة العقبة من منى كما في المجموع. فمن بات دونها جهة مكة لم يبيت بمنى اهـ.
وأما الرمي فله شروط الصحة وشرط الكمال، فشروط صحته عشرة، الأول أن يكون في اليوم الأول من أيام النحر بعد الفجر وفي اليوم الثاني والثالث والرابع بعد الزوال. الثاني أن يكون بحجر. الثالث أن يكون رميا. الرابع أن يكون بيده.
الخامس أن يكون على الجمرة وهي البناء وما تحته من موضع الحصا المجتمع أو السائل فيه. السادس الترتيب بين رمي الجمار الثلاث في اليوم الثاني والثالث والرابع من أيام النحر. السابع أن تكون الحصاة قدر حصى الخذف، واستحب مالك أن يكون أكبر منه قليلا. الثامن أن يكون الرمي لكل جمرة سبعا من المرات يقينا ولو بحصاة واحدة. التاسع أن لا ينوي بواحدة من المرات السبع نفسه وغيره وإلا لم تجز عن واحد منهما. العاشر عدم صرف الرمي بالنية لغير النسك اهـ وأما شروط الكمال وتسمى آداب الرمي فكثيرة، منها أن يكون بالأصابع لا بالقبضة، وباليد اليمنى لا باليسرى إلا إذا كان أعسر. ومنها تطهير الحصى إن كان متنجسا، وأن يلقطه بنفسه، وأن يكون غير مرمى به، ولو في عام مضى. ومنها أن يرمي الأولى والوسطى من جهة مسجد الخيف حال كونه مستقبلا طريق مكة، ، وأن يستقبل جمرة العقبة حال رميها ومنى عن يمينه وطريق مكة عن يساره، وأن ينصرف بعد رميها من ورائها. ومنها أن يكبر
مع كل حصاة في جميع الجمار، ويفوت المندوب بمفارقة الحصاة ليده قبل النطق به ولو قبل وصولها لمحلها.
ومنها أن يوالي بين رمي الحصيات في جميع الجمار، وأن يوالي بين رمي الجمار الثلاث في اليوم الثاني والثالث والرابع. ومنها أن يتقدم بعد رمي الجمرة الأولى
والوسطى في الثاني والثالث والرابع أمام الجمرة فيقف مستقبل القبلة ثم يدعو قدر قراءة سورة البقرة بإسراع، ولا يقف للدعاء عند جمرة العقبة لضيق موضعها.
ومنها أن يذهب إذا تحقق زوال الشمس من اليوم الثاني أو الثالث أو الرابع لرمي الجمار الثلاث قبل صلاة الظهر ماشيا متوضئا ، وأن يذهب في يوم النحر لرمي جمرة العقبة حين وصوله من المزدلفة إلي منى بعد طلوع الشمس على هيئته ماشيا أو راكبا ما لم يؤذ أحدا وإلا حط رحله وأتى إليها ماشيا ، قاله في الإيضاح اهـ.
وأشار رحمه الله لبعض ما تقدم من شروط صحة الرمي بقوله: " والترتيب شرط فإن نكس أعاد ما نكس " يعنى أن ترتيب الجمار الثلاث شرط في صحة الرمي ، فلا يصح رمي الجمرة الثانية حتى يكمل ومي الجمرة الأولى ، ولا يصح رمى الثالثة حتى يكمل رمى الثانية ، فلزم الابتداء بالجمرة الأولى التي تلي مسجد مني ، ثم يرمي الوسطى ، ثم يرمى جمرة العقبة ، وإن نكس أعاد ما نكس بأن ابتدأ بالعقبة أو الوسطي في اليوم الثاني أو الثالث أو الرابع. قال الدردير: وصحته بترتيبهن لا إن نكس بأن قدم العقبة أو الوسطى أو ترك بعضا ولو سهوا. قال خليل في المختصر: وبترتبهن وأعاد ما حضر بعد المنسية وما بعدها في يومها فقط ، وندب تتابعه. قال في توضيح المناسك: مثال ذلك لو نسي الجمرة الأولى من ثاني النحر، ثم رمى ثالث النحر بتمامه، ثم رمى رابع النحر بتمامه، ثم ذكر فإنه يرمي الجمرة المنسية وما بعدها وجوبا، وهي الجمرة الوسطى، ثم جمرة العقبة لأنه رمى باطلا لعدم الترتيب، ثم يرمي اليوم الرابع بتمامه استحبابا وهو مراده بقوله: ما حضر وقته وإنما أعاد الرابع لأجل استدراك فضيلة الترتيب؛ لأن الترتيب بين المنسي وما حضر وقته واجب
مع الذكر لا مع النسيان فلذا استحب إعادته، بخلاف ترتيب المنسيات في اليوم الواحد فإنه واجب ولو مع النسيان. وأما اليوم الثالث فإن رميه صحيح وقد خرج وقته. ومثاله في الصلاة لو نسي الصبح وصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم ذكر فإنه يصلي الصبح والمغرب والعشاء لبقاء وقتهما ولا يعيد الظهر والعصر لخروج وقتهما اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ولا يرمي بما قد رمي به، ومن ترك المبيت ولو ليلة أو الرمي ولو حصاة لزمه الدم " قد تقدم البيان لهذا في جملة ما ذكرناه ولا حاجة في تكراره. قال رحمه الله تعالى: " ولو فضل في يده حصاة لا يدري من أيهن، يرمي في كل جمرة حصاة على الترتيب "(1) يعني كما قال خليل: وإن لم يدر
موضع حصاة اعتد بست من الأولى. وقال الصاوي: حاصله أنه إذا رمى الجمار الثلاث ثم تيقن أنه ترك حصاة واحدة منها ولم يدر من أيها تركها، أو شك في ترك حصاة ولم يدر من أيها فإنه يعتد بست من الجمرة الأولى لاحتمال كونها منها فيكملها بحصاة، ثم يرمي الثانية والثالثة بسبع سبع، ولا دم عليه إن كمل الأولى وفعل الثانية والثالثة في يومه، فإن رمى الجمار الثلاث في يومين وحصل الشك في ترك حصاة ولم يدر من أي الجمار، وهل هي من اليوم الأول أو الثاني فإنه يعتد بست من الأولى في كلا اليومين ويكمل عليها ويعيد ما بعدها، ويلزمه دم التأخير رمي اليوم الأول لوقت القضاء اهـ وفي جواهر الإكليل فإن تحقق إتمام سبع الأولى وشك في الثانية منها ورماها بحصاة ورمى الثالثة بسبع وإن شك في الثالثة رماها بحصاة فقط اهـ.
(1) ظاهر المتن أنه يرمي في كل جمرة حصاة ويصح الرمي وهذا لا يتفق مع ما نقله الشارح عن خليل، والصاوي.