المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ الكلام وما يتألف منه - النحو الوافي - جـ ١

[عباس حسن]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الأول

- ‌مقدمة

- ‌ الكلام وما يتألف منه

- ‌المسألة الثانية: الكلام على أقسام الكلمة الثلاثة:

- ‌المسألة الثالثة: أقسام التنوين، وأحكامه

- ‌المسألة الرابعة: الفعل وأقسامه، وعلامة كل قسم

- ‌المسألة الخامسة: الحرف

- ‌ الإعراب والبناء

- ‌المسألة الثامنة: الأسماء الستة

- ‌المسألة التاسعة: المثنى

- ‌المسألة العاشرة: جمع المذكر السالم

- ‌المسألة الحادية عشرة: الملحق بجمع المذكر السالم

- ‌المسألة الثانية عشرة: جمع المؤنث السالم

- ‌المسألة الثالثة عشرة: إعراب ما لا ينصرف

- ‌المسألة الرابعة عشرة: الأفعال الخمسة

- ‌المسألة الخامسة عشرة: المضارع المعتل الآخر

- ‌المسألة السادسة عشرة: الاسم المعرب المعتل الآخر

- ‌ النكرة والمعرفة

- ‌المسألة السابعة عشرة: النكرة والمعرفة

- ‌المسألة الثامنة عشرة: الضمير

- ‌المسألة التاسعة عشرة: الضمير المفرد، والضمير المركب

- ‌المسألة العشرون: حكم اتصال الضمير بعامله

- ‌المسألة الحادية والعشرون: نون الوقاية

- ‌المسألة الثانية والعشرون: العلم

- ‌المسألة الثالثة والعشرون: أقسام العلم

- ‌المسألة الرابعة والعشرون: اسم الإشارة

- ‌المسألة الخامسة والعشرون: كيفية استعمال أسماء الإشارة، وإعرابها

- ‌المسألة السادسة والعشرون: الموصول

- ‌المسألة السابعة والعشرون: صلة الموصول والرابط

- ‌المسألة الثامنة والعشرون: حذف العائد

- ‌المسألة التاسعة والعشرون: الموصولات الحرفية

- ‌المسألة الثلاثون: المعرف بأل

- ‌المسألة الحادية والثلاثون: "أل" الزائدة

- ‌المسألة الثانية والثلاثون: العلم بالغلَبة

- ‌ المبتدأ والخبر وما يتصل بهما

- ‌المسألة الرابعة والثلاثون: تطابق المبتدأ الوصف مع مرفوعه

- ‌المسألة الخامسة والثلاثون: أقسام الخبر

- ‌المسألة السادسة والثلاثون: المبتدأ المعرفة، والمبتدأ النكرة

- ‌المسألة السابعة والثلاثون: تأخير الخبر جوازًا ووجوباً

- ‌المسألة الثامنة والثلاثون: تقديم الخبر وجوباً

- ‌المسألة التاسع والثلاثون: حذف المبتدأ والخبر

- ‌المسألة الأربعون: تعداد الخبر، تعدد المبتدأ

- ‌المسألة الحادي والأربعون: مواضع اقترن الخبر بالفاء

- ‌نواسخ الابتداء "كان وأخواتها

- ‌مدخل

- ‌المسألة الثالثة والأربعون: حكم الناسخ ومعموليه من ناحية التقديم والتأخير

- ‌المسألة الرابعة والأربعون: زيادة "كان" وبعض أخواتها

- ‌المسألة الخامسة والأربعون: حذف "كان". وحذف معموليها، وهل يقع ذلك في غيرها

- ‌المسألة السادس والأربعون: حذف النون من مضارع "كان

- ‌المسألة السابعة والأربعون: نفى الأخبار فى هذا الباب

- ‌ الحروف التى تشبه "ليس" وهى "ما-لا- لات-إنْ

- ‌ أفعال المقاربة، وأفعال الشروع، وأفعال الرجاء

- ‌الحروف الناسخة "إن" وأخواتها

- ‌مدخل

- ‌المسألة الثانية والخمسون: فتح همزة: "إن"، وكسرها

- ‌لا" النافية للجنس

- ‌مدخل

- ‌المسألة السابعة والخمسون: اسم "لا" المتكررة مع المعطوف

- ‌المسألة الثامنة والخمسون: حكم نعت اسم "لا

- ‌المسألة التاسعة والخمسون: بعض أحكام أخرى

- ‌الفهرس:

الفصل: ‌ الكلام وما يتألف منه

المسألة الأولى:‌

‌ الكلام وما يتألف منه

الكلمة، الكلام "أو: الجملة"، الكَلِم، القول:

ما المراد من هذه الألفاظ الاصطلاحية فى عُرف النحويين؟

الكلمة:

حروف الهجاء تسعة وعشرون حرفًا، "وهى: أ1، ب، ت، ث، ج

" وكل واحد منها رمز مجرد؛ لا يدل إلا على نفسه، ما دام مستقلًا لا يتصل بحرف آخر. فإذا اتصل بحرف أو أكثر، نشأ من هذا الاتصال ما يسمى: "الكلمة". فاتصال الفاء بالميم -مثلًا- يوجِد كلمة: "فَم"، واتصال العين بالياء فالنون، يوجد كلمة: "عين"، واتصال الميم بالنون فالزاي فاللام، يحدِث كلمة: "منزل"

وهكذا تنشأ الكلمات الثنائية، والثلاثية، والرباعية -وغيرها"2- من انضمام بعض حروف الهجاء إلى بعض"3.

وكل كلمة من هذه الكلمات التى نشأت بالطريقة السالفة تدل على معنى؛

1 الأرجح أن الحرف الأول من حروف الهجاء هو: "الهمزة" وليس الألف التي تحمل الهمزة فوقها، لتظهرها بارزة لا تختفي، ولا تختلط بغيرها، فشأن الألف في هذا كشأن الواو والياء اللتين تستقر فوقهما الهمزة في كتابة بعض الكلمات. أما الألف الأصلية، فمكانها في الترتيب الأبجدي بعد اللام مباشرة، حتى لقد اندمجت بسبب سكونها واستحالة النطق بها منفردة في اللام، وصارتا:"لا" مع أنهما حرفان، لا حرف واحد.

2 لا تزيد أحرف الاسم على سبعة، نحو:"استغفار" ولا أحرف الفعل على ستة، نحو:"استغفر" ولا أحرف الحرف على خمسة، نحو:"لكن" باعتبارها كلمة واحدة -على الأصح- مشددة النون، ثابتة الألف بعد اللام نطقًا. ومن النحاة من يجعل:"حيثما" كلمة واحدة، ويعدها من الحروف. ورأيه ضعيف مردود.

- انظر "جـ" ص 711-.

3 لهذا تسمى الحروف الهجائية: "بحروف المباني" لأن الكلمة تبنى وتتكون صيغتها منها، فهي أساس بنية الكلمة، وهي غير "حروف الربط" التي ستجيء في ص 66، ومنها:"حروف المعاني".

ص: 13

لكنه معنى جزئي؛ "أيْ: مفرد"؛ فكلمة: "فم" حين نسمعها، لا نفهم منها أكثر من أنها اسم شيء معين. أما حصول أمر من هذا الشيء، أو عدم حصوله

، أما تكوينه، أو وصفه، ببناء أو إعراب1..... أو دلالته على زمان أو مكان، أو معنى آخر -فلا نفهمه من كلمة:"فم" وحدها.

وكذلك الشأن فى كلمة: "عين"، و"منزل" وغيرهما من باقي الكلمات المفردة.

ولكن الأمر يتغير حين نقول: "الفم مفيد" -"العين نافعة"- "المنزل واسع النواحي"، فإن المعنى هنا يصير غير جزئي؛ "أي: غير مفرد"؛ لأن السامع يفهم منه فائدة وافية إلى حدّ كبير، بسبب تعدد الكلمات، وما يتبعه من تعدد المعاني الجزئية، وتماسكها، واتصال بعضها ببعض اتصالًا ينشأ عنه معنى مركب. فلا سبيل للوصول إلى المعنى المركب إلا من طريق واحد؛ هو: اجتماع المعاني الجزئية بعضها إلى بعض، بسبب اجتماع الألفاظ المفردة التي لكل لفظ منها معنى جزئي.

ومن المعنى المركب تحدث تلك الفائدة التي: "يستطيع المتكلم أن يسكت بعدها، ويستطيع السامع أن يكتفي بها". وهذه الفائدة -وأشباهها- وإن شئت فقل: هذا "المعنى المركب"، هو الذى يهتم به النحاة، ويسمونه بأسماء مختلفة، المراد منها واحد؛ فهو:"المعنى المركب، أو: "المعنى التام"، أو: "المعنى المفيد" أو: "المعنى الذى يحسن السكوت عليه"

يريدون: أن المتكلم يرى المعنى قد أدى الغرض المقصود فيَستحسن الصمت، أو: أن السامع يكتفي به؛ فلا يستزيد من الكلام. بخلاف المعنى الجزئي، فإن المتكلم لا يقتصر عليه فى كلامه؛ لعلمه أنه لا يعطي السامع الفائدة التي ينتظرها من الكلام. أو: لا يكتفي السامع بما فهمه من المعنى الجزئي، وإنما يطلب المزيد. فكلاهما إذا سمع كلمة منفردة مثل: باب، أو: ريَحان، أو: سماء، أو: سواها

لا يقنع بها.

1 يقول الخضري- ص 1 جـ 2 أول باب. الإضافة - ما نصه: "إن الكلمة قبل التركيب - أي قبل تركيبها مع غيرها. لا معربة ولا مبنية فوصف الحركة بكونها إعرابًا أو بناء متأخر عن وجود الكلمة وعن تركيبها" أهـ.

فلا يصحح الحكم عليها بالبناء أو الإعراب إلا بعد وضعها في جملة- كما سبق، وكما سيجيء في ص 75- وهناك كلمات أخرى لا توصف بإعراب ولا بناء كالتي ستجيء في "جـ" من ص 106 وتفصيل الكلام عليها في "جـ" 3 باب النعت م 114 ص 452.

ص: 14

لذلك لا يقال عن الكلمة الواحدة إنها تامة الفائدة، برغم أن لها معنى جزئيًّا لا تسمى "كلمةً" بدونه؛ لأن الفائدة التامة لا تكون بمعنى جزئى واحد.

مما تقدم نعلم أن الكلمة هى: "اللفظة الواحدة التى تتركب من بعض الحروف الهجائية، وتدل على معنى جزئي؛ أيْ: "مفرد"1. فإن لم تدل على معنى عربي وُضِعت لأدائه فليست كلمة، وإنما هي مجرد صوت.

الكلام "أو: الجملة":

هو: "ما تركب من كلمتين أو أكثر، وله معنى مفيد مستقل". مثل: أقبل ضيف. فاز طالب نبيه. لن يهمل عاقل واجبًا

2

فلا بد فى الكلام من أمرين معًا؛ هما: "التركيب"، و"الإفادة المستقلة" فلو قلنا:"أقبلَ" فقط، أو:"فاز" فقط، لم يكن هذا كلامًا؛ لأنه غير مركب. ولو قلنا: أقبلَ صباحًا

أو: فاز فى يوم الخميس

أو: لن

1 وهي واحد: "الكلم" وقد يراد منها: "الكلام"، طبقًا للملاحظة الآتية في ص 17 واللفظ هو: الصوت المشتمل على بعض الحروف الهجائية، تحقيقًا مثل: شمس قمر - كتاب....، أو تقديرًا كالضمير المستتر. "راجع الأشموني الحضري.

2 "أ"- إذا وقعت الجملة الخبرية صلة الموصول، أو نعتا، أو حالا، أو تابعة لشيء آخر -كجملة الشرط- لا جوابه، فإنها لا تسمى جملة خبرية؛ لأنها تسمى خبرية يحسب أصلها الأول الذي كانت مستقلة فيه. فإذا صارت صلة، أو تابعة لغيرها لم يصح تسميتها:"خبرية"، إذ لا يكون فيها حكم مستقل بالسلب أو الإيجاب، تنفرد به، ويقتصر عليها وحدها. بل هي لذلك لا تسمى:"كلاما" ولا "جملة"، فعدم تسميتها جملة خبرية من باب أولى

ومثلها الجملة الواقعة خبرًا،.... فلا تسمى واحدة من كل من سبق كلامًا ولا جملة، إذ ليس لها كيان معنوي مستقل.

- كما سيجيء عند الكلام على صلة الموصولة رقم. من هامش ص 374 وله إشارة في رقم 4 من هامش ص 466.

"ب"- وكذلك إذا خرجت الجملة عن أصلها الذي شرحناه فصارت علمًا على مسمى معين، فإنها في حالتها الجديدة لا تسمى جملة. ومن هذا بعض الأعلام الشائعة اليوم، مثل: فتح الله، زاد المجد، بهر النور، الحسن كامل،.... فكل واحدة من هذه الألفاظ كانت في أصلها جملة خبرية، ثم صارت بعد التسمية بها نوعًا من اللفظ المفرد لا يدل جزء اللفظ منها على جزء من المعنى الأول، فتحولت مفردة بالوضع

- راجع شرح المفصل جـ 1 ص 18 معنى: الكلم.

ص: 15

يهمل واجبه

، لم يكن هذا كلامًا أيضًا؛ لأنه -على رغم تركيبه- غير مفيدة فائدة يكتفى بها المتكلم أو السامع

وليس من اللازم فى التركيب المفيد أن تكون الكلمتان ظاهرتين فى النطق؛ بل يكفى أن تكون إحداهما ظاهرة، والأخرى مستترة؛ كأن تقول للضيف: تفضلْ. فهذا كلام مركب من كلمتين؛ إحداهما ظاهرة، وهى: تفضلْ1، والأخرى مستترة، وهى: أنت2. ومثل: "تفضل": "أسافرُ"

أو: "نشكر" أو: "تخرجُ"

وكثير غيرها مما يعد فى الواقع كلامًا، وإن كان ظاهره أنه مفرد.

هذا، ويقول النحاة: إن الجملة ثلاثة أنواع: "أ" الجملة الأصلية. وهي التي تقتصر على ركني الإسناد "أي: على المبتدأ مع خبره، أو ما يقوم مقام الخبر أو تقتصر على الفعل مع فاعله، أو ما ينوب عن الفعل""ب" الجملة الكبرى، وهي ما تتركب من مبتدأ خبره جملة اسمية أو فعلية، نحو: الزهور رائحته طيبة، أو: الزهر طبت رائحته. "حـ" الجملة الصغرى: وهي: الجملة الاسمية أو الفعلية إذا وقعت إحداهما خبرًا لمبتدأ.

الكَلِم:

هو: ما تركب من ثلاث كلمات فأكثر؛ سواء أكان لها معنى مفيد، أم لم يكن لها معنى مفيد. فالكلم المفيد مثل: النيل ثروة مصر -القطن محصول أساسي فى بلادنا. وغير المفيد مثل: إن تكثر الصناعات

القول:

هو كل لفظ نطق به الإنسان؛ سواء أكان لفظًا مفردًا أم مركبًا، وسواء أكان تركيبه مفيدًا أم غير مفيد. فهو ينطبق على:"الكلمة" كما ينطبق على: "الكلام" وعلى: "الكلم". فكل نوع من هذه الثلاثة يدخل فى نطاق: "القول" ويصح أن يسمى: "قولًا" على الصحيح، وقد سبقت الأمثلة. كما ينطبق أيضًا على كل تركيب آخر يشتمل على كلمتين لا تتم بهما الفائدة؛ مثل:

1 فعل أمر.

2 فاعله. ولما كانت الكلام هنا مفيدًا ولا يظهر منه في النطق إلا الفعل، والفعل، لا بد له. من فاعل -وجب التسليم بأن الكلمة الثانية مستترة.

ص: 16

إن مصر

، أو: قد حضر

أو: هل أنت. أو: كتاب عليّ1

فكل تركيب من هذه التراكيب لا يصح أن يسمى: "كلمة"؛ لأنه ليس لفظًا مفردًا، ولا يصح أن يسمى:"كلامًا"؛ لأنه ليس مفيدًا. ولا: "كلمًا"؛ لأنه ليس مؤلفًا من ثلاث كلمات؛ وإنما يسمى: "قوْلاً".

"ملاحظة": ويقول أهل اللغة: إن "الكلمة" واحد: "الكلم". ولكنها قد تستعمل أحيانًا2 بمعنى: "الكلام"؛ فتقول: حضرتُ حفل تكريم الأوائل؛ فسمعت "كلمة" رائعة لرئيس الحفل، و"كلمة" أخرى لأحد الحاضرين، و"كلمة" ثالثة من أحد الأوائل يشكر المحتفلِين. ومثل: اسمعْ مني "كلمة" غالية؛ وهى:

أحْسِنْ إلى الناس تَستعبدْ قلوبهمُ

فطالما استعبدَ الإنسانَ إحسانُ

فالمراد بالكلمة فى كل ما سبق هو: "الكلام"، وهو استعمال فصيح، يشيع على ألسنة الأدباء وغيرهم.

وللكلمة ثلاثة أقسام، اسم. وفعل، وحرف3.

1 وهذا هو: المركب الإضافي. ومثله: المركب الوصفي، نحو: "رجل شجاع

"، والمزجي، نحو سيبويه. ويلحق به العددي، نحو: خمسة عشر.

2 مجازا.

3 سيجيء تفصيل الكلام على الثلاثة في ص 26 - أما اسم الفعل الذي اعتبره بعض النحاة قسما رابعا، فالتحقيق أنه داخل في قسم:"الاسم" كما سيجيء في بابه الخاص جـ 4 م 141.

وقد لخص ابن مالك في ألفيته ما سبق بقوله:

كلامنا لفظ مفيد كاستقم

واسم، و "فعل" ثم حرف: الكلم

واحده: "كلمة" و "القول" عم

وكلمة بها كلام قد يؤم

يريد: أن "الكلام" عند النحاة هو: اللفظ المفيد "ولا يكون مفيدا إلا إذا كان مركبا، كاستقم""والكلم" ثلاثة أقسام، اسم، وفعل، وحرف، وواحده:"كلمة". و "القول" يشمل بمعناه كل الأقسام، "فكلمة: عم، وأصلها: عم" فعل ماض. والكلمة قد يؤم بها الكلام، أي: يقصد إطلاقها على الكلام بمعناه الذي سبق.

أما اللفظ فقد سبق تعريفه في رقم 1 من هامش ص 15.

ص: 17

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

زيادة وتفصيل:

تعود النحاة -بعد الكلام على الأنواع الأربعة السابقة- أن يوازنوا بينها موازنة أساسها: "علم المنطق" ويطيلوا فيها الجدل المرهق، مع أن الموضوع فى غنى عن الموازنة؛ لبعد صلتها "بالنحو". وبالرغم من هذا سنلخص كلامهم

"وقد يكون الخير فى الاستغناء عنه".

"أ" يقولون: إن موازنة الأنواع السابقة بعضها ببعض؛ لمعرفة أوسعها شمولًا، وأكثرها أفرادًا، تدل على أن:"القول" هو الأوسع والأكثر؛ لأنه ينطبق عليها جميعًا، وعلى كل فرد من أفرادها. أما غيره فلا ينطبق إلا على أفراده الخاصة به، دون أفراد نوع آخر؛ فكل ما يصدق عليه أنه:"كلمة" أو: "كلام" أو: "كلم" -يصْدُق عليه أنه: "قول"، ويُعَدّ من أفراد:"القول"، ولا عكس.

هذا إلى أن القول يشمل نوعًا آخر غير تلك الأنواع، وينطبق وحده على أفراد ذلك النوع؛ وهو: كل تركيب اشتمل على كلمتين من غير إفادة تامة منهما؛ مثل: "إنْ حضر"

"ليس حامد"، "ليت مصر"

، "سيارةُ رجل"

فمثل هذا لا يصح أن يسمى: "كلمة، ولا "كلامًا"، ولا "كَلما" ومن هنا يقول النحاة: إن القول أعم من كل نوع من الأنواع الثلاثة عمومًا مطلقًا، وأن كل نوع أخص منه خصوصًا مطلقاً

يريدون بالعموم: أن "القول" يشمل من الأنواع أكثر من غيره. ويريدون "بالإطلاق": أن ذلك الشمول عام فى كل الأحوال، بغير تقييد بحالة معينة؛ فكلما وُجد نوع وجد أن "القول"؛ يشمله وينطبق على كل فرد من أفراده -دائمًا-

وأما أن كل نوع أخص -وأن ذلك الخصوص مطلق- فلأن كل نوع من الثلاثة لا يشمل عددًا من الأفراد المختلفة بقدر ما يشمله "القول" ولا ما يزيد عليه. وأن هذا شأنه فى كل الأحوال بغير تقييد، كما يتضح مما يأتي:

كتب: كلمة، ويصح أن تسمى:"قولًا" وكذلك كل كلمة أخرى.

كتب عليّ: كلام، ويصح أن يسمى:"قولًا. " وكذلك كل جملة

ص: 18

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

مفيدة مستقلة بمعناها، مكونة من كلمتين. -أوأكثر كما سيجيء،

قد كتب صباحًا: كلم، ويصح أن يسمى:"قولا. " وكذلك كل تركيب يشتمل على ثلاث كلمات فأكثر، من غير أن يفيد.

كتب عليّ صباحًا: كَلِم أيضًا. ويصح أن يسمى: "كلامًا، أو: قولًا". وكذلك كل تركيب يشتمل على ثلاث كلمات فأكثر مع الإفادة المستقلة.

كتاب علي: يسمى: "قولا" فقط

وكذلك كل تركيب يشتمل على كلمتين فقط من غير إفادة.

فالقول منطبق على كل نوع، وصادق على كل فرد من أفراد ذلك النوع ومن غيره.

وقد يوضح هذا كلمة أخرى مثل:؛ "معدن"؛ فإن " المعدن" أنواع كثيرة؛ منها الذهب، والفضة والنحاس

فكلمة؛ "معدن" أعم من كل كلمة من تلك الكلمات عمومًا مطلقًا، وكل نوع أخص منه خصوصًا مطلقًا؛ لأن كلمة "معدن" بالنسبة للذهب -مثلًا- تشمله، وتشمل نوعًا أوأكثر غيره -كالفضة-. أما الذهب فمقصور على نوعه الخاص، فالمعدن عام؛ لأنه يشمل نوعين أو أكثر. والذهب خاص؛ لأنه لا يشمل إلا نوعًا واحدًا. و"المعدن" عام عمومًا مطلقًا؛ لأنه ينطبق دائمًا على كل فرد من أفراد نوعيه أو أنواعه وذلك فى كل حالات.

"ب" ثم تأتى الموازنة بين "الكلم" و"الكلام" فتدل على أمرين:

أحدهما: أن "الكلم" و"الكلام" يشتركان معًا فى بعض الأنواع التى يصدق على كل منها أنه: "كلم" وأنه: "كلام"؛ فيصح أن نسميه بهذا أو ذاك؛ كالعبارات التى تتكون من ثلاث كلمات مفيدة؛ فإنها نوع صالح لأن يسمى: "كلامًا" أو: "كلمًا". وكالعبارات التى تتكون من أربع كلمات مفيدة؛ فإنها نوع صالح لأن يسمى: "كلامًا" أو: "كلمًا" وهكذا كل جملة اشتملت على أكثر من ذلك مع الإفادة المستقلة.

ثانيهما: أن كلا منهما قد يشتمل على أنواع لا يشتمل عليها الآخر،

ص: 19

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

فيصير أعم من نظيره أنواعًا، وأوسع أفرادًا؛ مثال ذلك: أن "الكلم" وحده يصدق على كل تركيب يحوي ثلاث كلمات أو أكثر، سواء أكانت مفيدة، مثل:"أنت خير مرشد" أم غير مفيدة، مثل:"لما حضر فى يوم الخميس" فهو من هذه الناحية أعم وأشمل من الكلام؛ لأن الكلام لا ينطبق إلا على المفيد، فيكون -بسبب هذا- أقل أنواعًا وأفرادًا؛ فهو أخص.

لكن "الكلام" -من جهة أخرى- ينطبق على نوع لا ينطبق عليه "الكلم" كالنوع الذى يتركب من كلمتين مفيدتين؛ مثل: "أنت عالم" وهذا يجعل الكلام أعم. وأشمل من نظيره، ويجعل الكلم أخص.

فخلاصة الموازنة بين الاثنين: أنهما يشتركان حينًا فى نوع "أى: فى عدد من الأفراد"، ثم يختص كل واحد منهما بعد ذلك بنوع آخر ينفرد به دون نظيره؛ فيصير به أعم وأشمل. فكل منهما أعم وأشمل حينًا، وأخص وأضيق حينًا آخر. ويعبر العلماء عن هذا بقولهم:"إن بينهما العموم من وجه، والخصوص من وجه. " أو: " بينهما العموم والخصوص الوجهي".

يريدون من هذا: أنهما يجتمعان حينًا فى بعض الحالات، وينفرد كل منهما فى الوقت نفسه ببعض حالات أخرى يكون فيها أعم من نظيره، ونظيره أعم منه أيضًا؛ فكلاهما أعم وأخص معًا. وإن شئت فقل: إن بينهما العموم من وجه والخصوص من وجه "أي؛ الوجهي" فيجتمعان فى مثل قد غاب على

وينفرد الكلام بمثل: حضر محمود

وينفرد الكلم بمثل: إنْ جاء رجل

فالكلم أعم من جهة المعنى؛ لأنه يشمل المفيد وغير المفيد، وأخص من جهة اللفظ؛ لعدم اشتماله على اللفظ المركب من كلمتين.

و"الكلام" أعم من جهة اللفظ؛ لأنه يشمل المركب من كلمتين فأكثر. وأخص من جهة المعنى؛ لأنه لا يطلق على غير المفيد.

"حـ" أما موازنة الكلمة بغيرها فتدل على أنها أخص الأنواع جميعًا1.

شيء آخر يعرض له النحاة بمناسبة: "كلِم". يقولون:

إننا حين نسمع كلمة: رجال، أو: كتب، أو: أقلام، أو: غيرها

1 وقد سبق -في ص 18- أن "القول" أعم الأنواع جميعًا.

ص: 20

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

من جموع التكسير نفهم أمرين:

أولهما: أن هذه الكلمة تدل على جماعة لا تقل عن ثلاثة، وقد تزيد.

ثانيهما: أن لهذا الجمع مفردًا نعرفه من اللغة؛ هو: رجل، كتاب، قلم

وكذلك حين نسمع لفظ: "كَلِم" نفهم أمرين:

أولهما: أنه يدل على جماعة من الكلمات، لا تقل عن ثلاث، وقد تزيد؛ "لأن "الكَلِم" فى الأصل يتركب من ثلاث كلمات أو أكثر؛ فهو من هذه الجهة يشبه الجمع فى الدلالة العددية؛ فكلاهما يدل على ثلاث أو أكثر".

ثانيهما: أن "للكلم" مفردًا نعرفه ونصل إليه بزيادة تاء للتأنيث فى آخره؛ فيصير بزيادتها -وموافقة اللغة- دالا على الواحد، بعد أن كان دالًا على الجمع، فتكون:"كلمة" هى مفردة: "الكلم"؛ مع أنهما متشابهان فى الحروف، وفى ضبطها، ولا يختلفان فى شيء؛ إلا فى زيادة التاء فى آخر:"الكلمة" -بموافقة اللغة-. وهو بسبب هذا يختلف عن الجموع؛ فليس بين الجموع ما ينقلب مفردًا وينقص معناه من الجمع إلى الواحد من أجل اتصال تاء التأنيث بآخره. ولذلك لا يسمونه جمعًا، وإنما يسمونه:"اسم جنس1 جمعيًّا"2. ويقولون فى تعريفه:

"إنه لفظ معناه معنى الجمع، وإذا زيدت على آخره تاء التأنيث -غالبًا- صار مفردًا".

أو هو: "ما يُفْرَق بينه وبين واحده بزيادة تاء التأنيث -غالبًا- فى آخره".

ومن أمثلته: تفاح وتفاحة -عنب وعنبة- تمر وتمرة

1 سيجيء تفصيل الكلام على النكرة، واسم الجنس، وعلم الجنس، وعلم الشخص، في مكانه الخاص من باب: العلم" ص 288، هنا، وفي باب: "النكرة والمعرفة "ص 206م 17" وسنعرف أن النكرة "أي: اسم الجنس" إن قصد بها معين فهي النكر المقصودة، وإلا فهي النكرة غير المقصودة. ولكل منهما أحكامه الخاصة، ولا سيما عند ندائه "كما سيجيء في باب النداء، أول جـ4".

2 صفة لكلمة اسم، حتمًا؛ لأن الاسم هو الذي يدل على الجمعية، فلا يكون اسم الجنس الجمعي إلا دالًا على الجمع، ولا يكون دالًا على المفرد، ولا على المثنى، وبالرغم من أن اسم الجنس الجمعي يدل على ما يدل عليه الجمع فإنه يجوز تثنيته وجمعه في أغلب أحواله عند فريق من النحاة، غير سيبويه ومن معه -كما جاء في الهمع، باب جمع التكسير، فالمراد من وصفه بالجمعي: تأكيد أنه لا يراد به واحد ولا اثنان، وإنما يراد به ثلاثة على الأقل كما يراد بالجمع عند النحاة. وبسبب هذه الدلالة العددية قد يطلق عليه في اللغة -لا في النحو- أنه جمع "راجع الصبان، باب، جمع التكسير، عند بيت ابن مالك: "من غير ما مضى ومن خماسي" حيث الكلام على مفرد، "فرزدق" "ثم انظر ص 23 ورقم 3 من هامش ص 24".

ص: 21

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

-شجر وشجرة- وهذا هوالنوع الغالب، كما أشرنا.

وهناك نوع يُفرَق بينه وبين مفرده بالياء المشددة، مثل: عرب وعربيّ، جُنْد وجندي، رُوم ورومي، تُرْك وترْكيّ.

وقد يُفْرَق بينه وبين واحده بالتاء فى جمعه، لا فى مفرده؛ مثل كَمْأة، وكمْء"2.

1 هذا النوع الذي يفرق بينه وبين واحدة بالتاء المربوطة إذا وصف -وكذلك إن أخبر عنه، أو عاد عليه ضمير، أو إشارة

- جاز في صفته: إما الإفراد مع التذكير على اعتبار اللفظ، لأنه جنس، أو: مع التأنيث على تأويل معنى الجماعة، نحو قوله تعالى:{أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِر} ، {أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} وإما جمع الصفة جمع تكسير أو جمع مؤنث سالِمًا، نحو قوله تعالى:{السَّحَابَ الثِّقَال} وقوله: {وَالنَّخْل بَاسِقَاتٍ} ومثل: الصفة الخير، والإشارة إليه

والضمير العائد عليه -كما أسلفنا.

وفي كل ما سبق خلاف أشار إليه الصبان، في باب العدد وقد تخيرنا أقوى الأوجه.

ويؤيد ما تخيرناه ما جاء في: المصباح المنير، مادة:"النخل" ونصه الحرفي:

"النخل: اسم جمع "كذا يقول" الواحدة: "نخلة"، وكل جمع بينه وبين واحدة الهاء "يريد: تاء التأنيث المربوطة" قال ابن السكيت: فأهل الحجاز يؤنثون أكثره، فيقولون: هي التمر، وهي البر، وهي النخل، وهي البقر.... وأهل نجد وتميم يذكرون، فيقولون: نخل كريم، وكريمة، وكرائم، وفي التنزيل: {نَخْلٍ مُنْقَعِر} ، {نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} وأما النخيل -بالياء- فمؤنثة. قال أبو حاتم: لا اختلاف في ذلك" اهـ.

لكن يتضح من أمثلة هذا النص أن أهل نجد وتميم لا يقتصرون على التذكير، وإنما يؤنثون أيضًا. ويلاحظ أنه جعل "النخل" اسم جمع. فكيف يتفق أنه اسم جمع مع قوله السابق إن "الواحدة نخلة"؟ فهل يريد: اسم جنس جمعي؟

ومما يؤيد ما تخيرناه أيضًا ما جاء في كتاب: "بصائر ذوي التمييز"- تأليف: الفيروزآبادي، صاحب:"القاموس المحيط" - في البصرة 51 ص 277 ونصه عند الكلام على كلمة: "بنيان": "البنيان: واحد لا جمع له. وقال بعضهم: جمع واحدته: "بنيانه" على حد: "نخلة ونخل". وهذا النحو من الجمع يصح تذكيره وتأنيثه" أهـ. ومن التذكير قوله تعالى: {السَّمَاء مُنْفَطِرٌ بِهِ} على اعتبار أن "السماء" اسم جنس جمعي، مفرده: سماءة.

وهناك مواضع أخرى للاختلاف، تجيء في رقم 6 من ص 265 "حيث الكلام على الصورة السادسة من صور مطابقة الضميرة لمرجعه، وعدم مطابقته، ثم رقم 4 من هامش ص 321 ثم ص 457 وما بعدها.

هذا، ولا يفرق في اسم الجنس الجمعي بين مذكره ومؤنثه الحقيقيين بالتاء المربوطة، فلا يقال:

- في الغالب - حمامة أو بطة، للمؤنثة المفردة، وحمام، وبط، للمذكر المفرد، منعا للالتباس، وإنما يؤنثونه بالصفة فيقال: حمامة أنثى، وحمامة ذكر، وبطة أنثى، وبطة ذكر، ولهذا الحكم تكملة - تجيء في باب "التأنيث" جـ 4 م 169.

أما تأنيث عامله فكان الكلام عليه باب "الفاعل جـ2 ص 74 طبعة 3 وما بعدها، م 66 ثم "ا" ص 82 من الزيادة والتفصيل، بعد تلك الصفحات".

2 اسم نبات صحراوي.

ص: 22

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

ولهم فى اسم الجنس الجمعيّ -من ناحية أنه جمع تكسير، أوأنه قسم مستقل بنفسه- آراء متضاربة ومجادلات عنيفة؛ لا خير فيها، وإنما الخير فى الأخذ بالرأى القائل: إنه جمع تكسير1. وهو رأي فيه سداد، وتيسير، ولن يترتب على الأخذ به مخالفة أصل من أصول اللغة، أو خروج على قاعدة من قواعدها، وأحكامها السليمة.

هذا من جهة الجمع أوعدمه. بقي الكلام فى المراد من: "اسم الجنس" والمعنى الدقيق له. وفيما يلي إشارة موجزة إليهما2:

إن كلمة مثل كلمة: "حديد" تدل على معنى خاص؛ هو: تلك المادة المعروفة، وذلك العنصر المفهوم لنا. فمن أين جاء لنا فهمه؟ وكيف وصل العقل إلى انتزاع المعنى وإقراره فى باطنه؟

رأينا قطعة من الحديد أول مرة، ثم قطعة أخرى بعد ذلك، ثم ثالثة، فرابعة، فخامسة،

ولم نكن نعرف الحديد، ولا اسمه، ثم استعملنا تلك القطَع فى شئوننا، وعرفنا بالاستعمال المتكرر بعض خواصها الأساسية؛ وإذا رأينا بعد ذلك قطعًا من صنفها فإننا نعرفها، ولا تكون غريبة على عقولنا، ونشعر بحاجة إلى اسم نسمي به هذا الصنف

فإذا رأينا بعد ذلك قطعة من جنس آخر "أي: من صنف آخر" كالذهب، ولم نكن استعملناه فى شئوننا -وعرفنا بالاستعمال بعض خواصها الذاتية؛ فلا شك أننا سنحتاج إلى اسم يميز هذا الجنس من سابقه، بحيث إذا سمعنا الاسم ندرك منه المراد، ونتصور معناه تصورًا عقليًّا من غير حاجة إلى رؤية تلك القطَع والنماذج؛ فوضَعْنا للجنس الأول اسمًا هو:"الحديد"، ووضعنا للجنس الثانى اسما يخالفه هو:"الذهب". فالحديد اسم لذلك الجنس "الصنف المعروف"، وكذلك "الذهب"، وغيرهما من أسماء الأجناس

وصرنا بعد ذلك حين نسمع كلمة: "الذهب" أو"الحديد" ندرك المراد منها إدراكًا عقليًّا بحتًا، فيقفز إلى ذهننا مباشرة مدلولها الخاص، من غير ربط -فى الغالب3- بينها وبين شىء آخر من عنصرها، ومادتها، أومن غيرهما. وهذا الفهم العقلي المحض هوما يعبر

1 راجع الأشموني، وهامش التصريح، وشرح الشذور عند الكلام على المسألة المذكورة. في باب:"الكلام"

2 أما التفصيل، وبسط الإيضاح فمكانهما ص 288 من باب العلم، "في النكرة والمعرفة".

3 لأن اسم الجنس الآحادي الذي سيجيء الكلام عليه يرتبط بصورة فرد من أفراده.

ص: 23

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

عنه: بأنه "إدراك الماهية المجردة" أي: "إدراك حقيقة الشيء الذهنية، وصورته المرسومة فى العقل وحده". يريدون بذلك: المعنى الذى يفهم من الكلمة فهمًا عقليًّا مجردًا -فى الغالب- أى: بعيدًا عن عالم الحسّ، وعن تخيل النماذج والصور المختلفة المصنوعة منه، أو غير المصنوعة، والتى تساعد فى إيضاح المراد منه"1.

ومثل كلمة: الـ"حديد" غيرها من أسماء الأجناس -كما أسلفنا- ومنها: فضة، رجل، خشب. طائر

ثم إن هذا الجنس "أو: الماهية المجردة، والحقيقة الذهنية البحتة" ثلاثة أنواع، لكل منها اسم:

الأول: اسم الجنس الجمعي2، وقد سبق3.

الثانى: اسم الجنس الإفرادي؛ وهو الذى يصدق على القليل والكثير من الماهية "أي: من الحقيقة الذهنية" من غير اعتبار للقلة أوالكثرة. "مثل: هواء، ضوء، دم، ماء" فكل واحد من هذه وأشباهها يسمى بهذا الاسم؛ سواء أكان قليلًا أم كثيرًا.

والثالث: اسم الجنس الآحادي؛ وهو: الذى يدل على الماهية "أي الحقيقة الذهنية" ممثلة فى فرد غير معين من أفرادها، ولا يمكن تصورها فى العقل إلا

1 انظر رقم 1 من هامش صفحتي 206 و 288.

2 قد أوضحنا المراد من كلمة: "اسم" ومن كلمة: "جنس" وأشرنا- في رقم 2 من هامش ص 21 - إلى أن كلمة "جمعي" هي صفة: لـ "أسم" حتما، وليست صفة: لـ "جنس".

3 وقد يقال: إن اسم الجنس - مطلقا - يدل: "على الماهية المجردة، "أي: الحقيقة الذهنية البحتة"، طبقا للرأي المختار، وهذه الماهية المجردة " أو الحقيقة الذهنية البحتة" كتلة واحدة متماسكة قد يكون لها أجزاء تتكون منها ومن انضمام بعضها إلى بعض، ولكن لا يمكن أن يكون لها أفراد مستقلة متعددة، بحيث يستقل كل فرد منها بنفسه كاملة. ويتميز بذاته المركبة من أجزاء خاصة به، وذرات يقوم عليها كيانه التام الذي ينفرد به. فكيف يتفق هذا مع اسم الجنس الجمعي الذي يدل على أفراد - لا على أجزاء وذرات - لا تقل عن ثلاثة. وقد تزيد كما عرفنا في رقم 2 من هامش ص 21 ففي هذه الدلالة العددية الحتمية منافاة واضحة للدلالة الأصلية التي يقوم عليها اسم الجنس، وتعارض جلي بين الأصل وأنواعه.

أجاب الرضى: بأن اسم الجنس موضوع في أصله للماهية من حيث هي ثم استعمل في الجمع، فهو اسم "جنس وضعا"، جمعي "استعمالا" ثم قال الصبان: والأولى أن يقال: إنه غلب استعماله في ثلاثة أفراد فأكثر حتى صار حقيقة عرفية في ذلك.

ص: 24

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

بتخيل ذلك الفرد غير المعهود، واستحضار صورة له فى الذهن؛ مثل: أسامة للأسَدَ1.

ملاحظة: يُردد النحاة وغيرهم من المشتغلين بالعلوم والفنون المختلفة كلمة: "القاعدة" ويذكرونها فى المناسبات المختلفة، فما تعريفها؟

قالوا: "القاعدة -وجمعها: قواعد- هي فى اللغة: الأساس. وفي الاصطلاح: حُكم كُلّيّ ينطبق على جميع أجزائه وأفراده؛ لتعرف أحكامها منه".

وعلى الرغم من شيوع هذا التعريف فى مراجعهم ومطولاتهم -عارضَ بعض النحاة فى كلمة: "حكم" مفضلاً عليها كلمة "قضية" كليّة بحجة أن القاعدة فى مثل قولنا: "كل فاعل مرفوع" تشمل "المحكوم به"، و"المحكوم عليه"، و"الحكم"، فلا بدّ أن تشمل أمورًا ثلاثة، ولا تقتصر على "الحكم".

وقد دفع الاعتراض: بأن الاقتصار على "الحكم" فى ذلك التعريف الشائع، مقبول؛ لأنه نوع من المجاز، إذ فيه إطلاق الجزء -وهوالحُكم- على القضية الكليّة التى هى اسم يجمع المحكوم به، والمحكوم عليه، والحكم2.

1 انظر رقم 1 من هامش ص 206، وص 288، وما بعدها.

2 راجع في كل ما سبق عن "القاعدة" شرح التصريح وحاشية ياسين عليه، جـ1 باب: الضمير: أول الفصل الخاص باتصال الضمير. وجاء في "المصباح المنير" في مادة: "قعد" ما نصه:

"القاعدة في الاصطلاح بمعنى: الضابط، وهي الأمر الكلي المنطبق على جميع جزئياته"، وهذا التعريف أحسن، لخلوه من الاعتراضات الموجهة للآخر....

ص: 25