المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

"‌ ‌لا" النافية للجنس ‌ ‌مدخل … المسألة السادسة والخمسون: "لا النافية للجنس" 1 نسوق بعض - النحو الوافي - جـ ١

[عباس حسن]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الأول

- ‌مقدمة

- ‌ الكلام وما يتألف منه

- ‌المسألة الثانية: الكلام على أقسام الكلمة الثلاثة:

- ‌المسألة الثالثة: أقسام التنوين، وأحكامه

- ‌المسألة الرابعة: الفعل وأقسامه، وعلامة كل قسم

- ‌المسألة الخامسة: الحرف

- ‌ الإعراب والبناء

- ‌المسألة الثامنة: الأسماء الستة

- ‌المسألة التاسعة: المثنى

- ‌المسألة العاشرة: جمع المذكر السالم

- ‌المسألة الحادية عشرة: الملحق بجمع المذكر السالم

- ‌المسألة الثانية عشرة: جمع المؤنث السالم

- ‌المسألة الثالثة عشرة: إعراب ما لا ينصرف

- ‌المسألة الرابعة عشرة: الأفعال الخمسة

- ‌المسألة الخامسة عشرة: المضارع المعتل الآخر

- ‌المسألة السادسة عشرة: الاسم المعرب المعتل الآخر

- ‌ النكرة والمعرفة

- ‌المسألة السابعة عشرة: النكرة والمعرفة

- ‌المسألة الثامنة عشرة: الضمير

- ‌المسألة التاسعة عشرة: الضمير المفرد، والضمير المركب

- ‌المسألة العشرون: حكم اتصال الضمير بعامله

- ‌المسألة الحادية والعشرون: نون الوقاية

- ‌المسألة الثانية والعشرون: العلم

- ‌المسألة الثالثة والعشرون: أقسام العلم

- ‌المسألة الرابعة والعشرون: اسم الإشارة

- ‌المسألة الخامسة والعشرون: كيفية استعمال أسماء الإشارة، وإعرابها

- ‌المسألة السادسة والعشرون: الموصول

- ‌المسألة السابعة والعشرون: صلة الموصول والرابط

- ‌المسألة الثامنة والعشرون: حذف العائد

- ‌المسألة التاسعة والعشرون: الموصولات الحرفية

- ‌المسألة الثلاثون: المعرف بأل

- ‌المسألة الحادية والثلاثون: "أل" الزائدة

- ‌المسألة الثانية والثلاثون: العلم بالغلَبة

- ‌ المبتدأ والخبر وما يتصل بهما

- ‌المسألة الرابعة والثلاثون: تطابق المبتدأ الوصف مع مرفوعه

- ‌المسألة الخامسة والثلاثون: أقسام الخبر

- ‌المسألة السادسة والثلاثون: المبتدأ المعرفة، والمبتدأ النكرة

- ‌المسألة السابعة والثلاثون: تأخير الخبر جوازًا ووجوباً

- ‌المسألة الثامنة والثلاثون: تقديم الخبر وجوباً

- ‌المسألة التاسع والثلاثون: حذف المبتدأ والخبر

- ‌المسألة الأربعون: تعداد الخبر، تعدد المبتدأ

- ‌المسألة الحادي والأربعون: مواضع اقترن الخبر بالفاء

- ‌نواسخ الابتداء "كان وأخواتها

- ‌مدخل

- ‌المسألة الثالثة والأربعون: حكم الناسخ ومعموليه من ناحية التقديم والتأخير

- ‌المسألة الرابعة والأربعون: زيادة "كان" وبعض أخواتها

- ‌المسألة الخامسة والأربعون: حذف "كان". وحذف معموليها، وهل يقع ذلك في غيرها

- ‌المسألة السادس والأربعون: حذف النون من مضارع "كان

- ‌المسألة السابعة والأربعون: نفى الأخبار فى هذا الباب

- ‌ الحروف التى تشبه "ليس" وهى "ما-لا- لات-إنْ

- ‌ أفعال المقاربة، وأفعال الشروع، وأفعال الرجاء

- ‌الحروف الناسخة "إن" وأخواتها

- ‌مدخل

- ‌المسألة الثانية والخمسون: فتح همزة: "إن"، وكسرها

- ‌لا" النافية للجنس

- ‌مدخل

- ‌المسألة السابعة والخمسون: اسم "لا" المتكررة مع المعطوف

- ‌المسألة الثامنة والخمسون: حكم نعت اسم "لا

- ‌المسألة التاسعة والخمسون: بعض أحكام أخرى

- ‌الفهرس:

الفصل: "‌ ‌لا" النافية للجنس ‌ ‌مدخل … المسألة السادسة والخمسون: "لا النافية للجنس" 1 نسوق بعض

"‌

‌لا" النافية للجنس

‌مدخل

المسألة السادسة والخمسون: "لا النافية للجنس" 1

نسوق بعض الأمثلة لإيضاح معناها:

حين نقول: لا كتابٌ فى الحقيبة؛ بإدخال: "لا" على جملة اسمية - فى أصلها -، ورفع كلمة:"كتاب" - التى للمفرد" يكون معنى التركيب مُحتَمِلا أمرين:

أحدهما: نفى وجود كتاب واحد فى الحقيبة، مع جواز وجود كتابين أوأكثر فيها.

والآخر: نفى وجود كتاب واحد، وما زاد على الواحد؛ فليس بها شئ من الكتب مطلقاً. فالتركيب مُحتمِل للأمرين، ولا دليل فيه يعين أحدهما، ويمنع الاحتمال.

وكذلك حين نقول: لا مصباحٌ مكسوراً، "بإدخال:"لا" على جملة اسمية - فى أصلها - ورفع كلمة: "مصباح" التى للمفرد" فإن التركيب يحتمل أمرين:

أحدهما: نفى وجود مصباح واحد مكسور، ولا مانع من وجود مصباحين مكسورين؛ أوأكثر.

والآخر: نفى وجود مصباح واحد مكسور وما زاد على الواحد أيضاً. فلا وجود لشئ من جنس المصابيح المكسورة. فالتركيب يحتمل نفى الواحد المكسور فقط، كما يحتمل نفى الواحد وما زاد عليه.

ومثل هذا يقال فى: لا سيارةٌ موجودةً، بإدخال "لا" على جملة اسمية الأصل، ورفع كلمة:"سيارة" - التى للمفردة" حيث يحتمل التركيب الأمرين: نفى وجود سيارة واحدة، دون نفى سيارتين وأكثر، ونفى وجود شىء من جنس السيارات مطلقاًن فلا وجود لواحدة منها؛ ولا لأكثر.

مما سبق نعلم: أن، "لا" فى تلك الأمثلة - وأشباهها - تدل على نفى

1 يلاحظ ما لا يصح أن يدخل عليه الناسخ، وقد سبق البيان في رقم 3 من هامش ص 544- وصرحنا في مواضع مختلفة أن اسم الناسخ "ومنه اسم "لا الجنسية" لا يكون شبه جملة مطلقا.

ص: 685

يُحتَمل وقوعُه على فرد واحد فقط، أوعلى فرد واحد وما زاد عليه. ولمّا كان النفى بها صالحاً لوقوعه على الفرد الواحد سماها النحاة:"لا" - التى لنفى الوَحْدة "أى: الواحد" وهى إحدى الحروف الناسخة1 التى تعمل عمل "كان" الناقصة.

فإذا أردنا أن تدل الأمثلة السابقة وأشباهها على النفى الصريح2 العام3 ودب أن نضبط تلك الألفاظ ضبطاً آخر؛ يؤدى إلى هذا الغرض؛ فنقول: لا كتابَ فى الحقيبة؛ - لا مصباحَ مكسورٌ - لا سيارةَ موجودةٌ، فضبط تلك الكلمات المفردة بهذا الضبط الجديد - وهوبناء الاسم على الفتح، ورفع الخبر، كما سيجئ - يجعل النفى فى كل جملة صريحاً فى غرض واحد؛ لا احتمال معه لغيره، كما يجعله عامًّا؛ ينصبُّ على كل فرد؛ فيقع على الواحد، وعلى الاثنين، وعلى الثلاثة، وما فوقها، ولا يسمح لفرد أوأكثر بالخروج من دائرته.

ومثل هذا يقال فى نحو: لا مهملاً عملَه فائزٌ - لا راغباً فى المجد مُقصّرٌ

ونحوهما مما يقع فيه الاسم منصوباً بعد: "لا" وليس مرفوعاً، والخبر هوالمرفوع - على الوجه الذى سنشرحه - فهى تنفى الحكم عن كل فرد من أفراد جنس الشئ الذى دخلت عليه نفيًا صريحًّا وعاماً؛ كما قلنا: وهذا مراد النحاة بقولهم فى معناها:

"إنها تدل على نفى الحكم عن جنس اسمها نصًّا"4. أو"إنها لاستغراق5 حكم النفى لجنس اسمها كله نصًّا." ويسمونها لذلك؛ "لا" - النافية للجنس"6. أى: التى قصد بها التنصيص على استغراق النفى لأفراد الجنس

1 سبق تفصيل الكلام عليها مع أخواتها "في ص 601" وقد اقتضى المقام هناك - في رقم 2 من هامش ص 602 الإشارة إلى "لا" النافية للجنس، دون التفصيل الذي مكانه هنا.

2 أي: القاطع في أمر واحد، لا مجال معه للاحتمال السالف بين أمرين.

3 الذي يشمل نفي المعنى عن الفرد الواحد، وعما زاد عليه.

4 أي: بغير احتمال الأكثر من معنى واحد.

5 يراد بالاستغراق: الشمول الكامل الذي يتناول كل فرد من أفراد الجنس، دون أن يترك أحدا ويسميها بعضهم:"لا التي للتبرئة"، لأنها تدل على تبرئة جنس اسمها كله من معنى الخبر. وبهذا الاسم ترد في بعض الكتب القديمة، وتختص به، لقوة دلالتها على النفي المؤكد أكثر من أدوات النفي الأخرى.

والنفي بها قد يكون مطلق الزمن، أي: لا يقع على زمن معين. وإنما يراد منه مجرد نفي النسبة بين معموليها وسلب المعنى بغير تقييد بزمن خاص. نحو: لا حيوان حجر- لا وفاء لغادر

وقد يراد بها نفي المعنى =

ص: 686

كله. تمييزاً لها من: "لا" التى لنفى الوَحْدَة؛ فليست نصًّا فى نفى الحكم عن أفراد الجنس كله؛ وإنما تحتملِ نفيه عن الواحد فقط، وعن الجنس1 كله؛ على ما عرفنا. ...... -

"ملاحظة": سبق2 بيان هام في حكم "لا" النافية المهملة "أي: التي لا عمل لها في الجملة الاسمية ولا في غيرها" فإنها من ناحية أثرها المعنوي في الجملة الاسمية تشبه "لا" العاملة"ليس" فالحرفان متشابهان في المعنى دون العمل، إذ أن أحدهما يعمل، والآخر لا يعمل.

= في زمن معين حين تقوم قرينة كلامية أو غير كلامية تدل على نوع الزمن- ويكثر أن يكون الحال - كقوله تعالى: {لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ

} وكأن يسأل سائل: أفي المزرعة الآن أحد؟ فيجاب: لا أحد فيها: وقد يكون الزمن بالقرينة مستقبلا، كقوله تعالى عن يوم القيامة {لا بشرى يومئذ للمجرمين} أو ماضيا - كقول الشاعر:

تعز، فلا إلفين بالعيش متعا

ولكن لوراد المنون تتابع

وغير هذا من الأمثلة التي سيجيء بعض منها. فإن لم توجد قرينة فالغالب الحال.

1 لهذا يصح أن يقال مع "لا التي لنفي الوحدة" حين يكون اسمها مفردا: لا كتاب في الحقيقة، بل كتابان، أو: بل كتب فيها، فيكون القصد نفي المعنى عن الفرد الواحد دون ما عداه. ولا يصح أن يقال هذا مع "لا" النافية للجنس حين يكون اسمها مفردا.

وتسوقنا المناسبة إلى بيان أمر هام، وهو: أن المراد من النفي لا يختلف في نوعي "لا""النافية للجنس، والنافية للوحدة" إذا كان اسمهما مثنى أو جمعا: نحو: "لا صالحين خائنان، أو: لا صالحين خائنون، ونحو: لا صالحان خائنين، ولا صالحون خائنين". فالنفي في هذه الصور لا يختلف من جهة احتماله أن يكون واقعا في كل صورة على الجنس كله فردا فردا، وأن يكون واقعا على القيد الخاص بالاثنينية أو بالجمعية، فالفرق الصحيح بين المراد من النفي في نوعي:"لا" إنما يظهر في موضع واحد، هو الموضع الذي يكون فيه اسمها مفردا، لا مثنى ولا جمعا - فيكون النفي في "لا" النافية للجنس نصا لا يقبل احتمالا، وشاملا كل فرد حتما. ويكون في النافية للوحدة محتملا أمرين. أما عند تثنية اسميهما أو جمعه فالنفي لا يختلف باختلاف نوعهما، فيكون محتملا في كل منهما إما نفي الحكم عن الجنس كله، وإما نفي قيد التثنية فقط، أو قيد الجمع فقط كما قلنا، فمؤداه فيهما واحد عند تثنية الاسم أو جمعه، ولكنه مختلف عند إفراد الاسم.

وصفوة القول في هذا المقام. أن "لا" العامة بنوعيها لا يختلف المراد منها إذا كان اسمها مثنى أو جمعا، إذ يكون المراد نفي الحكم عن الجنس كله فردا فردا، أو نفي القيد الخاص بالتثنية أو بالجمع، دون غيرهما، أما إذا كان الاسم مفردا فالفرق بين النوعين يكون كبيرا، فالتي لنفي الجنس تنفي الحكم عن كل فرد من أفراده على سبيل التنصيص والشمول، التي لنفي الوحدة يدور الأمر فيها بين أمرين، نفي الحكم عن أفراد الجنس كله، ونفيه عن فرد واحد منه، فالنفي فيها محتمل الأمرين

وما سبق موافق رأي" الصبان" هنا، وهو واضح مفيد، مؤيد بما قاله "السعد" في "المطول" وقد ختم "الصبان" الكلام بقوله نصا:"احفظ هذا التحقق ولا تلتفت إلى ما وقع في كلام البعض وغيره مما يخالفه...." اهـ.

2 وفي رقم 1 من هامش ص 601 و 2 من هامش ص 602.

ص: 687

عملها وشروطه:

"لا" النافية للجنس حرف ناسخ من أخوات: "إنًَّ"1 ينصب الاسم2: ويرفع الخبر3. ولكنها لا تعمل هذا العمل إلا باجتماع شروط ستة:

أولهما: أن تكون نافية. فإن لم تكن نافية لم تعمل4 مطلقاً.

ثانيهما: أن يكون الحكم المنفى بها شاملا جنس اسمها كله، "أى: منصبًّا على كل فرد من أفراد ذلك الجنس". فإن لم يكن كذلك لم تعمل عمل "إنّ"5،: نحو: لا كتابٌ واحدٌ كافياً....، إذ أن كلمة: "واحد" قد دلت دلالة قاطعة على أن النفى ليس شاملا أفراد الجنس كله، وإنما هومقصور على فرد واحد.

ثالثهما: أن يكون المقصود بها نفى الحكم عن الجنس نصًّا - لا احتمالا - فإن لم يكن على سبيل التنصيص لم تعمل عمل "إنّ"5 كالأمثلة السالفة أول البحث.

رابعها: ألا تتوسط بين عامل ومعموله "بأن تكون مسبوقة بعامل قبلها

1 ومن الفوارق بينهما صحة وقوع: "ما" الزائدة بعد: "إن" وأخواتها على الوجه السابق في بابهما، ولا يصح وقوعها بعد:"لا" وقد سبقت الإشارة لهذا في آخر رقم 5 من هامش ص 664 -

2 انظر الملاحظة المدونة في رقم 4 من هامش ص 410 وتختص بعدم وقوع "ما المصدرية" و"أن المصدرية" بنوعيها "المخففة والناصبة للمضارع" مع صلتهما مبتدأ بعد "لا" النافية للجنس غير المكررة -راجع البيان هناك-

3 سبق في أول هامش ص 444 ما يفيد أن خبرها كغيره من أخبار المبتدأ وأخبار النواسخ، قد يتمم المعنى بنفسه - كالأمثلة السالفة - وقد يتممه بنفسه مع تابعه حين لا تتحقق الفائدة به وحده كقول الشاعر:

ولا خير في رأي بغير روية

ولا خير في جهل تعاب به غدا

هذا، ويشترط في خبرها ما يشترط في كل أخبار النواسخ مما سبقت إليه الإشارة في ص 546 و 547 وفي المبتدأ والخبر، هامش ص 443.

4 كأن تكون اسما بمعنى، غير، نحو: فعلت الخير بلا تردد، أو: تكون الزائدة، فلا تعمل شيئا في الحالتين، ولا تختص بالدخول على الجمل الاسمية، ومن الأمثلة الزائدة قوله تعلى مخاطبا إبليس:

{مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ....} وقوله: {لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَاب} ومثل، "لا" الثانية في قوله تعالى:{وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَة....} أو تكون ناهية فتختص بجزم المضارع، مثل: لا تتردد في عمل الخير.

"5 و5" وعملت عمل ليس، نحو: لا قلم مكسورا، أو أهملت وتكررت، نحو: لا قلم مكسور، ولا كتاب ضائع. "واختيار هذه أو تلك خاضع لما يقتضيه المعنى المراد".

ص: 688

يحتاج لمعمول بعدها" كحرف الجر فى مثل: حضرت بلا تأخير1 وقول الشاعر:

مُتارَكةُ السَّفيه بلا جوابٍ

أشَدُّ على السَّفيه من الجواب

خامسها: أن يكون اسمها وخبرها نكرتين2 فإن لم يكونا كذلك لم تعمل: مطلقاً3 ولا تعد من أخوات "إنّ" ولا "ليس"؛ كالتى فى قول الشاعر:

1 تعرب "لا" اسما بمعنى "غير"، مجرورا بكسرة مقدرة على الألف. و "لا" مضاف و "تأخير" مضاف إليه مجرور، وهذا أوضح إعراب.

ويجوز أن تكون "لا" حرف نفي باقية على حرفيتها. وقد تخطاها حرف الجر "الباء" وعمل الجر مباشرة في كلمة: "تأخير" التي بعدها. و "لا" في هذه الصورة ليست زائدة.. بالرغم من أن العامل تخطاها، لأن الحكم بزيادتها يؤدي إلى فساد المعنى.

2 إلا في أمثلة مسموعة يجيء الكلام عليها في الزيادة والتفصيل "ص 695" ويدخل في حكم النكرة أمران:

1 شبة الجملة بوعيه. "الظرف والجار مع مجروره" وذلك على اعتبار شبه الجملة نفسه هو الخبر كما تقدم في ص 475 وما بعدها" أو على اعتبار أن متعلقه نكرة محذوفة، هي الخبر، كقولهم: لا قوة فوق الحق، ولا أمان مع الطغيان. وقولهم: لا راحة لحسود، ولا مروءة لكذوب، ولا خير في لذة تعقب ندما. وقول الشاعر:

لا خير في وعد إذا كان كاذبا

ولا خير في قول إذا لم يحن فعل

"ويلاحظ هنا في إعراب:"لا" ومعوليها ما يجيء في رقم 2 من هامش ص 691. وقول الآخر:

فلا مجد في الدنيا - لمن قل ماله

ولا مال -في الدنيا- لمن قل مجده

ب الجملة الفعلية "لأنها في معنى النكرة وبمنزلتها، "كما جاء في التصريح في هذا الباب، عند آخر الكلام على شروطها - كما في أبواب أخرى، والبيان في رقم 1 من هامش ص 213" وقد اشتملت الأساليب الفصحى على أمثلة للجملة الفعلية، نقلوا منها البيت السابق "في هامش ص 687" وهو:

تعز فلا إلفين بالعيش متعا

ولكن لوراد المنون تتابع

ومنها:

يحشر الناس لا بنين ولا آ

باء إلا وقد عنتهم شئون

فجملة"متعا" في البيت الأول في محل رفع خبر: "لا"، وكذلك جملة:"عنهم شئون" في البيت الثاني. والواو التي قبل هذه الجملة هي التي تزاد في خبر الناسخ. ما لم تأخذ بالرأي الذي يشترط في "لا" العاملة عمل "إن" ألا ينتقض نفيها بإلا. فإن أخذنا به - وهو الأشهر، كما سيجيء في آخر هامش الصفحة الآتية. كانت الواو للحال، والجملة بعدها حالية والخبر محذوف "وقد سبق في ص 550 وهامشها رقم 1 - وفي "أ" من ص 561 أن هذه الواو تدخل في خبر "كان" المنفية إذا سبقته "إلا" الناقضة للنفي، ومثله خر "ليس" المسبوق بالإعلى الوجه الذي أوضحناه هناك. وقيل تدخل في خبر غيرهما كالبيت السابق، وكقول أحد شعراء ديوان الحماسية: "فأمسى وهو عريان " وقولهم: "ما أحد إلا وله نفس إمارة". وقيل إن هذا مقصور على "كان وأخواتها" دون بقية النواسخ

وهناك التفصيل.

3 لأن التعريف فيه تحديد وتعيين، وهذا يناقض أنها لنفي الجنس كله بغير تحديد ولا تعيين.

ص: 689

لا القومُ قومى، ولا الأعْوان أعْوانى

إذا وَنا1 يوم تحصيل العُلا وانِى

سادسها: عدم وجود فاصل بينها وبين اسمها. فإن وجد فاصل اهْملَتْ "أى: لم تعمل شيئاً" وتكررت؛ نحو: لا فى النبوغ حَظ لكسلان، ولا نصيبٌ2. وهذا الشرط يستلزم الترتيب بين معموليها3 فلا يجوز أن يتقدم الخبر - ولوكان شبه جملة - على الاسم. فإن تقدم مثل: لا لهازلِ هيبةٌ ولا توقير - لم تعمل مطلقاً.

وكذلك لا يجوز تقدم معمول الخبر على الاسم؛ ففى مثل: لا جندىَّ تاركٌ ميدانَه

لا تعمل حين نقول، لا ميدانَه جندىٌّ تاركٌ.

فإذا استوفت شروطها وجب إعمالها4: "إن اقتضى المعنى ذلك؛ سواء أكانت واحدة، أم متكررة - على التفصيل الذى سنعرفه".

1 تباطأ وأهمل. فإن لم يكن اسمها نكرة أهملت ووجب تكرارها، نحو: لا على مقصر،، ولا حامد. ومثل: لا البخل محمود، ولا الإسراف مقبول، وإن لم يكن خبرها نكرة وجب إهمالها، والغالب تكرارها أيضا. نحو: لا إنسان هذا ولا حيوان.

2 ومع تكرارها وعدم إعمالها - بسبب وجود فاصل- يظل معناها هو نفي الجنس كله نصا، بشرط وجود النكرتين بعد هذا الفاصل، فعدم إعمالها في هذه الحالة لا يخرجها عن أنها من الناحية المعنوية لنفي الجنس كله. بشرط دخولها على النكرتين بعد الفاصل.

3 لأن تقديم الخبر أو معموله على الاسم يؤدي إلى الفصل بين "لا" واسمها وهو ممنوع. ومن باب أولى لا يصح تقديم الخبر أو معموله عليها، لأن ما يقع في حيز النفي "أي: في مجاله ودائرته" لا يجوز أن يتقدم على أداة النفي، فلها الصدارة حتما. لكن هل يجوز أن يتقدم معمول الخبر على الخبر وحده؟ يجيب بعض النحاة: نعم.

4 الشروط الستة منها أربعة في "لا" مباشرة، هي:"كونها للنفي - لجنس - للتنصيص - عدم توسطها بين عامل ومعموله" واحد في معموليها، هو:"تنكيرهما معا" واحد في اسمها هو: اتصاله بها مباشرة وهذا يستلزم تأخير خبرها عن اسمها".

وزاد بعضهم شرطا فيها، هو: ألا ينتقض نفيها بإلا - طبقا للأشهر - كما سبق في "ب" من هامش الصفحة السابقة -.

ص: 690

حكم اسم "لا" المفردة؛ "أى: المنفردة التى لم تتكرر". لهذا الاسم حالتان:

الأولى: أن يكون مضافاً1 أوشبيهاً بالمضاف2. وحكمه وجوب إعرابه، مع نصبه بالفتحة، أوبما ينوب عنها. فمن أمثلة المضاف:

لا قولَ زُورٍ نافعٌ............................

كلمة: "قول" اسم "لا"، منصوبة بالفتحة، لأنها اسم مفرد: ومضاف.

لا أنصارَ خيرٍ متنافورن...................

كلمة: "أنصار" اسم "لا"، منصوبة بالفتحة لأنها جمع تكسير، ومضاف.

لا ذا أدبٍ نمامٌ.............................

كلمة: "ذا" اسم "لا"، منصوبة بالألف نيابة عن الفتحة؛ لأنها من الأسماء الستة، مضافة.

لا نصيحتىْ إخلاصٍ أنفعُ من نُصح الوالدين

كلمة: "نصيحتى

" اسم "لا"، منصوبة بالياء نيابة عن الفتحة، لأنها، مثنى مضاف؟

لا خائِنى وطنٍ سالمون................

كلمة: "خائنى

" اسم "لا" منصوبة بالياء نيابة عن الفتحة، لأنها جمع مذكر؛ مضاف.

لا مهملاتِ عملٍ مُكرماتٌ...............

كلمة: "مهملات" اسم "لا"، منصوبة بالكسرة نيابة عن الفتحة: لأنها جمع مؤنث سالم مضاف.

1 إما لنكرة، وإما لمعرفة بشرط ألا يكتسب منها التعريف، بسبب توغله في الإبهام، ككلمة:"مثل" - نحو: لا مثل محمود مؤدب -

و "غير" وسواهما مما لا يكتسب التعريف غالبا "كما أوضحنا في رقم 5 من هامش الجدول الذي في ص 80، وكذا في رقم 1 من هامش ص 422" لأن: "لا" لا تعمل في معرفة.

2 هو الذي يجيء بعده شيء يكمل معناه. بشرط أن يكون ذلك الشيء التالي: إما مرفوعا باسم "لا"، نحو: لا مرتفعا شأن خامل، وإما منصوبا به، نحو: لا متعهدا أموره مقصر "ويلحق بهذا النوع: الأسماء المعطوف عليها، وليست علما، نحو لا سبعة وأربعين غائبون، وتمييز العقود وغيرها. نحو: لا عشرين رجلا متكاسلون" وإما جارا ومجرورا متعلقين به، نحو: لا متواكلا في عمله محمود. فإن كان مجرورا بالإضافة فإنه يكون من المضاف لا من الشبيه بالمضاف، كما عرفنا -

والشبيه بالمضاف يجب أن يكون معربا ومنونا. إلا أن وجد مانع من التنوين. وأجاز فريق من غير البصريين عدم تنوينه، محتجا بقوله تعالى:{وَلا جِدَالَ فِي الْحَج} ، لأن المعنى عنده:"ولا جدال في الحج مقبول" فالجار والمجرور من متممات اسم "لا" والخبر محذوف لا تعلق للجار والمجرور به. وكذلك قوله عليه السلام: "لا مانع لما أعطيت، ولا معطى لما منعت" لأن المعنى عنده على حذف الخبر، والجار والمجرور من متممات اسم "لا" فهما متعلقان به، لا بالخبر- وقد أجيب عن هذين وأمثالهما بأن الخبر المحذوف، موضعه قبل الجار والمجرور، والأصل:"ولا جدال حاصل في الحج" ولا مانع مانع لما أعطيت، فالجار والمجرور متمم للخير المحذوف، متعلقان به وهذا تكلف مردود، لتكراره وتقييد موضعه في فصيح الكلام، وبالرغم منه يحسن التزام التنوين - لأنه الأكثر والأشهر الذي تتوحد عنده الألسنة -.

ولا يدخل شيء من التوابع الأربعة "كالنعت ما عدا صورة العطف السابقة...." في الأشياء التي تكمل المعنى، وتجعل الاسم بسببها شبيها بالمضاف: لأن الاسم غير عامل فيها - انظر رقم 2 من هامش. ص 703 -.

ص: 691

ومن أمثلة الشبيه بالمضاف:

لا مرتفعاً قدرهُ مغمورٌ

... كلمة "مرتفعاً" اسم "لا" منصوبة بالفتحة

لا بائعاً دينَه بدنياه رابحٌ

... كلمة "بائعاً" اسم "لا" منصوبة بالفتحة

لا خمسةً وعشرين غائبون

... كلمة "خمسة" اسم "لا" منصوبة بالفتحة

لا ساعياً وراء الرزق محرومٌ

... كلمة "ساعياً" اسم "لا" منصوبة بالفتحة

لا قاعداً عن الجهاد معذور

... كلمة "قاعداً" اسم "لا" منصوبة بالفتحة

لا سائقَيْنٍ طيارةً غافلان

... كلمة "سائقين" اسم "لا" منصوبة بالياء لأنها مثنى

لا حارسِينَ بالليل نائمون

... كلمة "حارسين" اسم "لا" منصوبة لأنها جمع مذكر

لا راغباتٍ فى الشهرة مُسْتَريحاتٌ

كلمة "راغبات" اسم "لا" منصوبة بالكسرة؛ لأنها جمع مؤنث سالم

ومن الأمثلة السالفة يتضح الإعراب مع النصب بالفتحة مباشرة فى المفرد1 وفى جمع التكسير، "ومثله: اسم الجمع2، كقوم، ورَهْط3. إذا كانا من الحالة الأولى المذكورة"، وبما ينوب عن الفتحة وهو: الألف، فى الأسماء الستة، والياء فى المثنى وجمع المذكر السالم، والكسرة فى جمع المؤنث السالم.

الثانية: أن يكون مفرداً "ويراد بالمفرد هنا: ما ليس مضافاً ولا شبيهاً بالمضاف، ولوكان مثنى، أومجموعاً" وحكمه: وجوب بنائه على الفتح4 أوما ينوب عن الفتح5 فيبنى على الفتح مباشرة إن كان مفرداً أوجمع تكسير

1 وهو الذي ليس بمثنى ولا جمع.

2 سبق - في رقم 2 من هامش ص 148 - بيان موجز عن "اسم الجمع"، وقلنا: إن البيان الوافي موضعه جـ4 ص 510 م 73 باب جمع التكسير.

3 جماعة.

4 وهناك حالة يبنى فيها على الضم، ستجيء في "ب" من الزيادة - ص 695 - ويعللون سبب البناء على الفتح بأنه تركيب "لا" مع اسمها، بحيث صارا كالكلمة الواحدة، فأشبها الأعداد المركبة كـ "خمسة عشر.... وغيرها". لكن السبب الحق هو استعمال العرب.

ومن المعلوم أنه حين بنائه على الفتح لا يدخله التنوين. وأنه يكون دائما في محل نصب: فلفظه مبني على الفتح أو ما ينوب عن الفتحة. ومحله النصب دائما. ولهذا يراعى المحل - أحيانا - في التوابع - كما سيجيء. في ص 694 وفي:"أ" من ص 702.

5 ولا تنوب الألف هنا عن الفتحة، لأن الألف تنوب عنها في نصب الأسماء الستة، حين تكون مضافة، والإضافة - في الأغلب - تتعارض مع حالة البناء التي نحن بصددها. ولهذا اضطربت آراء النحاة أمام الأسلوب الفصيح الوارد عن العرب من قولهم:"لا أبالك".... حيث وقع اسم "لا" منصوبا بالألف مع أنه مفرد "أي: غير مضاف"، فقالوا في تأويله: إن "أبا" مضاف للكاف، =

ص: 692

أواسم جمع؛ مثل: لا عالمَ متكبرٌ1 - لا علماءَ متكبرون - لا قومَ للسفيه.

ويبنى على الياء نيابة عن الفتة إن كان مثنى أوجمع مذكر سالماً؛ نحو: لا صديقَيْن متنافران - لا حاسدِينَ متعاونون.

ويبنى على الكسرة نيابة على الفتحة إن كان جمع مؤنث سالماً، نحو: لا والداتٍ قاسياتٌ.

وبالوجهين روى قول الشاعر:

إن الشباب الذي مجد عواقبه

فيه نلذ، ولا لذات للشيب

ببناء كلمة: "لذات" على الفتح، أو على الكسر.

= منصوب بالألف بغير تنوين، لأنه مضاف، واللام زائدة. والخبر محذوف. والتقدير: لا أباك موجود. ومع أنه مضاف - ليس معرفة، لأن إضافته غير محضة، فهي كالإضافة في قولنا:"غيرك"، و "مثلك".... ونحوهما مما لا يفيد المضاف تعريفا. وذلك القائل لم يقصد نفي أب معين، وإنما يقصد نفيه ومن يشبه، إذ هو - غالبا - دعاء بعدم الناصر، والإضافة غير المحضة ليس مقصورة على إضافة الوصف العامل إلى معمول، فلم تعمل "لا" في المعرفة. وإنما زيدت اللام بين المضاف والمضاف إليه دفعا لكراهية إدخال:"لا" على المضاف إليه الذي يشبه في صورته الظاهرية المعرفة، دون حقيقته المرادة.

وهناك آراء أخرى تقتضي الفائدة الإلمام بها "وقد ذكرناها تفصيلا عند الكلام على هذا الأسلوب ومعناه في ص 115" وكل رأي يواجه باعتراض. وانتهى الأمر إلى أن الأفضل اعتبار كلمة: "أبا" اسم "لا" مبنية على فتح مقدر على الألف "كما جاء في الخضري في أول باب "لا"، جريا على لغة العصر التي تلزم الألف فيها آخر الأسماء الستة. وعلى أساسها لا تكون كلمة "أبا" في الأسلوب السالف معربة. أما الخبر فالجار والمجرور بعدها.

ومن الأساليب المسموعة - بكثرة - أيضا قولهم: "لا غلمي لك""بالتثنية" و "لا خادمي لك""بالجمع" على اعتبار أن نون المثنى ونون الجمع قد حذفت كلتاهما للإضافة- كما سبق في ص 156 - وأن المثنى والجمع منصوبان، لأنهما مضافان. فكيف يعدان من نوع المضاف مع وجود اللام فاصلة بين المضاف والمضاف إليه، وهذا لا يجوز في رأي المعترضين؟

وقد أجيب بأن النون لم تحذف للإضافة، وإنما حذفت للتخفيف، فالكلمتان مبنيتان على الياء، لا معربتان، والجار والمجرور بعدهما خبر. وقيل: إن الكلمتين شبيهتان بالمضاف بسبب اتصال "لك" بهما. والنون محذوفة للتخفيف. وخبرهما محذوف.... إلى غير ذلك من الإجابات. ومن الواجب ألا نحاكي هذا الأسلوب برغم أن بعض النحاة يبيحه، "كما سيأتي في باب الإضافة، جـ 3 ص 10- م 93". لأن الأخذ به - ولا سيما اليوم - يبعد اللغة عن أخص خصائصهما، وهو: الإبانة، والوضوح، والفرار من اللبس.

1 ومن أمثلة المفرد:

ولا خير في حسن الجسوم وطولها

إذا لم يزن حسن الجسوم عقول

ص: 693

ومع أنه مبنى فى الحالات السالفة، هوفى محل نصب دائماً. أى: مبنى لفظاً منصوب محلا1.

1 طبقا للبيان السابق في رقم 4 من هامش ص 692.

2 وبهذه المناسبة نشير إلى ما نسمعه اليوم من بعض الواهمين المتسرعين الذين يطلبون الأخذ برأي قديم ضعيف ملخصه، وضع اسم "لا" بأنواعه الثلاثة "لا المفرد، والمضاف، والشبيه بالمضاف" تحت حكم واحد، هو:"الإعراب والنصب" وأن يقال في إعراب الاسم المفرد: "إنه منصوب بغير تنوين" ويزعمون - خاطئين - أن في هذا تيسيرا واقتصارا على حكم واحد شامل بدل حكمين مختلفين. فكيف غاب عن بالهم ما في هذا الرأي من الخطل والفساد؟

ذلك أن اللغة في مصطلحاتها المشهورة، لا تعرف اسما معربا بغير تنوين، إلا الممنووع من الصرف للأسباب المعروفة، أو لداع آخر، كالإضافة، أو البناء أو بعض صور النداء.... فالأخذ بذلك الرأي يوجد في اصطلاحات اللغة قسما جديدا لا تعرفه من الأسماء المعربة الممنوعة من التنوين. على أن هذا القسم الجديد يحتاج - كما يقولون - إلى التصريح بأنه:"معرب منص ب بغير تنوين". وهذا حكم خاص به يختلف عن حكم النوعين الآخرين - فأين - غذا الاختصار والاقتصار على حكم واحد كما يتوهمون؟ وكيف خفى عليهم أن النصب هنا بغير تنوين معناه: "البناء على الفتح"، أو أن الكلمة ممنوعة من الصرف.... كما أشرنا -؟

وشيء آخر هام لم يفطنوا له، هو أن بناء الاسم المفرد على الفتح في محل نصب يقتضي أن يراعى محله حتما في بعض التوابع، فيؤثر فيها - كما عرفنا هنا، وكما سيجيء في ص 697 فتصير منصوبة منونة عند عدم المانع - تبعا لمحله فقط. وقد غاب عنهم هذا.

ص: 694

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

زيادة وتفصيل:

"ا" سبق1 أن من شروط إعمال "لا": تنكير معموليها. وقد وردت أمثلة فصيحة وقعت فيها عاملة مع أن اسمها معرفة. من ذلك قوله عليه السلام، إذا هلك كِسْرِى فلا كسرَى بعده، وإذا هَلَك قَيْصَرُ فلا قيصرَ بعده. ومن ذلك قولهم قضية" ولا أبا حسن2 لها. وقولهم: لا أمية3 في البلاد وقولهم: لا هيثم 4 الليلة للمطىّ. وقولهم: يُبْكَى على زيد ولا زيدَ مثلُه

وغير هذا من الأمثلة المسموعة. وقد تناولها النحاة بالتأويل5 كي يخضعوها لشرط التنكير. وهوتأويل لا داعى لتكلفه مع ورود تلك الأمثلة الصريحة، الدالة على أن فريقاً من العرب لا يلتزم التنكير. فعلينا أن نتقبل تلك النصوص بحالها الظاهر دون محاكاتها، ونقتصر فى استعمالنا على اللغة الشائعة المشهورة التى تشترط الشروط التى عرفناها؛ توحيداً لأداة التفاهم، ومنعًا للتشعيب بين المتخاطبين بلغة واحدة.

ب- قلنا إن حكم اسم "لا" المفرد هوالبناء على الفتحة، أوما ينوب عن الفتحة. وقد يصح بناؤه على الضمة العارضة فى حالة واحدة6، هى أن يكون الاسم كلمة:"غير" - ونظيراتها - فتكون كلمة: "غير" مبنية على الضمة الطارئة

1 في ص 689.

2 هي كنية: على بن أبي طالب، والد الحسن والحسين. وهذه عبارة نثرية من كلام عمر بن الخطاب، صارت مثلا في الأمر العسير يتطلب من يحله.

3 علم على الرجل الذي تنسب إليه الدولة الأموية.

4 اسم لص، أو اسم سائق إبل.

5 من ذلك قولهم: "إن المراد من المعرفة هنا - نكرة، فالمراد من: "قيصر، وأبا حسن، وأمية، وهيثم، وزيد - شخص، أي شخص، مسمى بهذا الاسم. فحين تقول: لا كسرى أو: لا قيصر بعده، تريد: لا مسمى بهذا الاسم، وحين نقول "لا أبا حسن لها: أي: لا مسمى بهذا الاسم لها، أو لا فيصل لها، وهكذا..... فالكلمة معرفة في الظاهر، ولكنها نكرة تأويلا. وهذا مسوغ لعمل "لا" عندهم. ومن تأويلاتهم: أن المعرفة كان قبلها مضاف محذوف ملحوظ، وهو نكرة. ثم أقيم المضاف إليه مقامه، فيقدرون في لا كسرى.... أو: لا قيصر بعده.... لا مثل كسرى، ولا مثل قيصر.... ولا مثل أبي حسن.... ولما حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه صار الكلام: لا كسرى، لا قيصر، لا أبا حسن.... وعلى كل تأويل اعتراض، أو أكث سجلته المطولات.

والحق أن مثل هذا التأويلات افتعال لا خير فيه، لعدم مسايرته الحقيقة الناطقة، بأن بعض العرب قد يعمل:"لا" مع تعريف اسمها.

6 وهي التي سبقت الإشارة إليها في رقم 4 من هامش ص 692.

ص: 695

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

فى محل نصب، بشرط أن تكون مضافة مسبوقة بكلمة:"لا - أو: ليس" - وبشرط أن يكون المضاف إليه محذوفاً قد نُوى معناه على الوجه المفصَّل فى مكانه من باب الإضافة نحو: قطعت ثلاثة أميال لا غيرُ - أوليس غيرُ - أى: لا غيرُها، أوليس غيرُها مقطوعاً.

والنحاة يقولون فى إعراب هذا: إنه مبنى على فتح مقدر، منع من ظهوره الضم العارض للبناء أيضاً - فى محل نصب. وفى هذا تكلف وتطويل يدعوهم إليه رغبتهم فى إخضاع هذا النوع الحكم المفرد بحيث يكون الحكم "وهوالبناء على الفتح فى محل نصب" عاماً مطردًا. لكن لا داعى لهذا التكلف، إذ لا مانع من أن يقال: إنه مبنى على الضمّ - مباشرة - فى محل نصب.

"كما فى الصبان والخضرى، عند كلامها على أحكام: "غير" فى باب الإضافة وستجئ فى الموضع الذى أشرنا إليه"1.

1 جـ 3 ص 131 م 95.

ص: 696