الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الثامنة والأربعون:
الحروف التى تشبه "ليس" وهى "ما-لا- لات-إنْ
"
من الحروف نوع يشبه الفعل: "ليس" فى معناه، وهو: النفى1، وفى عمله؛ وهو: النسخ2 فيرفع الاسم وينصب الخبر3. وبهذه المشابهة في الأمرين بعد من أخوات: "ليس". مع أنها فعل وهوحرف، كما يعد من أخوات:"كان" لمشابهته إياها فى العمل فقط. وأشهر هذه الحروف أربعة: ما - لا - لات - إنْ".
وهذه الأربعة - كسائر النواسخ - لا يكون اسم واحد منها شبه جملة، لأن اسم الناسخ في الأصل مبتدأ، والمبتدأ لا يكون شبه جملة مطلقا - كما عرفنا4 -.
فأما الحرف الأول: "ما" فبعض العرب - كالحجازين - يُعْمله، وبَعْض آخر - كبنى تميم - يهمله5. وهويفيد عند الفريقين نفى المعنى فى الزمن الحالى عند الإطلاق6. تقول: ما الشجاع خوافاً، أوما الشجاع خواف؛
1 سبق "في ص 559" أن "ليس" فعل ماض ينفي معنى الخبر في الزمن الحالي عند الإطلاق، "أي: عند عدم وجود قرينة تبين نوع الزمن، أو التجرد منه" فإن وجدت لزم الأخذ بمدلوها
…
ومثلها الحروف "ما" و "إن" و "لات" و "لا" العاملة عمل: "ليس"، أما "لا" المهملة فيجيء تفصيل الكلام عليها في رقم 1 من هامش ص 601. فالحروف الأربعة تشبه "ليس" في أمر معنوي مشترك، وهو نفي المعنى في الزمن الحالي عند الإطلاق - وقد سبق في رقم 1 من هامش ص 53 بيان عن "ما" النافية للحال -
2 سبق شرح النسخ ومعناه عند بدء الكلام على النواسخ، ص 543.
3 يشترط، في أخبار هذه الحروف ما يشترط في أخبار النواسخ الأخرى - مما أشرنا له في ص 547 وهو وجوب أن يتمم الخبر المعنى بنفسه مباشرة مع الاسم، وقد يتممه في بعض الأحيان بلفظ آخر يتصل به نوع اتصال، وكذلك وجوب ألا يكون الخبر معلوما من اسم الناسخ وتوابعه. أما البيان التفصيلي ففي باب:"المبتدأ والخبر" - هامش ص 443.
4 في ص 544.
5 وسواء أكان عاملا أم مهملا فله الصدارة في جملته بشرط دلالته على النفي - راجع الصبان في باب ظن وأخواتها عند الكلام على الأدوات التي يقع بها التعليق، لصدارتها، وسيجيء البيان في جـ 2 ص 30، 61 -.
6 انظر ص 53 وهامشها رقم 1 حيث البيان الذي يوضح معنى "ما" النافية وأثرها في الزمن الحالي وغيره، وكلام صاحب المفصل في هذا.
بالإعمال أوالإهمال. ومثل هذا فى قول الشاعر:
وما الحسْنُ فى وجه الفتى شرفاً له
…
إذا لم يكنْ فى فعلِه والخلائق
وقول الآخر:
لَعَمرك ما الإسرافُ فىَّ طبيعةٌ
…
ولكنَّ طبعَ البخْل عِندِى كَالموت
لكن الذى يحسن الأخذ به فى عصرنا هوالإعمال، لأنه اللغة العالية، لغة القرآن، وأكثر العرب، ولا داعى للأخذ باللغة الأخرى؛ وهي صحيحة أيضا-1يجوز الأخذ بها منعاً للبلبلة، وتعدد الآراء من غير فائدة....
وتشتهر العاملة باسم: "ما الحجازية". ويشترط لإعمالها خمسة شروط مجتمعة2:
"ا" ألا تقع بعدها كلمة: "إنْ" الزائدة3؛ فيصح الإعمال فى مثل: ما الحق مغلوباً، ولا يصح فى مثل: ما إنْ الحق مغلوب4.
"ب" ألا ينتقض نفيها عن الخبر بسبب وقوع "إلا" بعدها5؛ فتعمل
1 وإنما أشرنا إليها هنا لينتفع بها المتخصص في فهم ما يصادفه من النصوص القديمة التي تطابقها.
2 هناك بعض شروط أخرى تركناها، إما لاندماجها في غيرها، - كاشتراط ألا يكون اسمها شبه. جملة وإما لأنها متكلفة غير مقبولة، فلا داعي للإعنات بها. من هذا اشتراطهم ألا يبدل من خبرها المنفي بدل "موجب" بسبب اصطحابه "إلا" نحو: ما العدو شيء إلا شيء لا يعبأ به. فكلمة "شيء" الأولى خبر المبتدأ والثانية بدل منها. مرفوع. وهو موجب، لوقوعه بعد إلا". ووقوع البدل موجبا يقتضي عندهم أن يكون المبدل منه موجبا ايضا. ثم يقولون، كيف يكون المبدل منه موجبا مع أنه خبر "ما" النافية التي تنفي معنى الخبر؟ فيقع التناقض الذي لا مفر منه إلا باشتراط ذلك الشرط الذي نرى إهماله، وعدم التعويل عليه، لأمرين: أولهما: أن دليلهم منقوض بدليل جدلي مثله، لا نريد أن نعرضه، منعا لإطالة المناقشة الجدلية بغير فائدة.
وثانيهما: - وهو الأهم أن بعض أئمة النحاة، كسيبويه، لم يشترطه لأن صورا كثيرا من الكلام الفصيح تخلو منه. وهذه هي جملة قاطعة، وفيها تسير. وبخاصة إذا أخذنا بقولهم: إنه يغتفر في الثواني مالا يغتفر في الأوائل "كما سيجيء في: جـ3 باب "البدل"، وغيره. وسنشير له في رقم 2 من هامش ص 598؟ ".
3 سبقت الإشارة لهذا في "ب" من ص 560.
4 إن كانت "إن" ليست زائدة وإنما هي لتأكيد النفي لم يبطل العمل، بشرط وجود فاصل لفظي بين الحرفين، أو قرينة أخرى تدل على أنها للتأكيد، طبقا للبيان الذي في رقم 1 من هامش ص 596 وقد سبق:"في ص 561" أنه لا يصح وقوع "إن" الزائدة، بعد "ما" النافية العاملة، ولا بعد "ليس" كما صرح بهذا الصبان، وصاحب الهمع في أول باب:"ما" الحجازية -.
5 أو وقوع "لكن"، أو:"بل" كما سيجيء، في ص 597، وخرج النقض بكلمة:"غير" فإنه لا يبطل عمل: "ما" نحو: ما الإساءة غير بلاء لصاحبها، "بنصب كلمة "غير".
فى مثل: ما الجومنحرفاً، ولا تعمل فى مثل: ما الجوإلا منحرف؛ وقول الشاعر:
إذا كانت النعْمَى تُكَدَّرُ بالأذَى
…
فما هى إلا مِحْنَةٌ وعذابُ
لأن الخبر مثبت هنا بسبب "إلا" التى أبطلت النفى عنه، ولا يضر نقضه عن المعمول؛ نحو: ما أنت متكلماً إلا بصواب.
"حـ" التزام الترتيب بين اسمها وخبرها الذى ليس شبه جملة، فلا يصح تقديم الخبر الذى ليس شبه جملة عل الاسم؛ ولهذا تَعْمَل فى مثل: ما المعدنُ حجراً، وتُهْمَل فى مثل: ما حجرٌ المعدنُ؛ لتقدم خبرها على اسمها. فإن كان الخبر شبه جملة جاز إعمالها وإهمالها عند تقدمه ومخالفته الترتيب؛ مثل: ما للسرور "دواماً". وقول الشاعر:
وما للمرء خيرٌ فى حياة
…
إذا ما عُدَّ من سَقَط المتاع2
بالإعمال أوالإهمال فى كل ذلك؛ فعند الإهمال يكون شبه الجملة فى محل نصب؛ خبر "ما"، وعند الإهمال يكون فى محل رفع؛ خبر المبتدأ3.
"د" ألا يتقدم معمول الخبر على الاسم، بشرط أن يكون ذلك المعمول المتقدم غير شبه جملة؛ ففى مثل: ما العاقل مصاحباً الأحمق - لا يصح الإعمال مع تقدم كلمة: "الأحمق" على الاسم؛ لأنها معمول للخبر، وليست شبه جملة، فيجب الإهمال فتقول: ما، الأحمقَ - العاقل مصاحبٌ، فإن كان المعمول المتقدم شبه جملة جاز الإعمال والإهمال، نحو: ما فى الشرِّ أنت راغباً وما عندك فضلٌ ضائعاً، ويجوز
…
راغبٌ، وضائعٌ4.
1 ومثل هذا قول الآخر:
وما الناس إلا واحد كقبيلة
…
يعد، وألف لا يعد بواحد
2 سقط المتاع: هو المتاع المهمل المتروك، لعدم فائدته، "وفي هذا البيت وقعت "ما" بعد كلمة "إذا" فيتعين الحكم بزيادة "ما" - كما سبق في رقم 4 من هامش ص 70.
3 لا يظهر للإعمال أو الإهمال أثر مباشر في هذه الأمثلة وأشباهها، وإنما يظهر الأثر فيما يجيء بعدها من توابع، كالعطف مثلا، على الخبر- فعند الإعمال يكون التابع منصوبا كخبر "ما" المنصوب، وعند الإهمال بكون التابع مرفوعا كخبر المبتدأ.
4 السبب العام الموضح في "ب" من ص 576.
كذلك يمتنع تقديم معمول الخبر على الخبر، ومعمول الاسم على الاسم إذا كان المعمول في الصورتين غير شبه جملة، فلا إعمال في نحو: ما العاقل - الصواب - تارك، ولا في نحو: ما الشطط راكب "آمن" والأصل ما العاقل تارك الصواب. وما راكب الشطط آمن. فإن كان شبه جملة جاز تقديمه.
"هـ" ألا تتكرر "ما"، فلا عمل لها فى مثل:"ما""ما" الحُرُّ مقيم على الضيم؛ لأن كلمة: "ما" الأولى للنفى، وكلمة "ما" الثانية للنفى أيضاً؛ فهى قد نفت معنى الأولى، ونفى النفى إثبات1 فتبتعد "ما" الأولى عن النفى، وينقلب معنى الجملة إلى إثبات، وهوغير المراد2.
1 فإن تكررت وكانت لتأكيد النفي في الأولى، لا لإزالته، صح الأعمال- مع ضعفه، حي قيل بشذوذه- وذلك بأن تكون "ما" الثانية توكيدا لفظيا للأولى يقوي نفيها، ولا يزيله، مع ملاحظة أن هذا التوكيد اللفظي ضعيف أو شاذ، كما قلنا، لعدم وجود فاصل بين حرفي النفي، كما تقضي 2ضوابط التوكيد اللفظي - التي منها: أن توكيد الحروف التي ليست للجواب يقتضي تكرار الحرف الأول ومعه لفظ آخر يفصل بينه وبين الثاني الذي جاء للتوكيد - وسيأتي في جـ3 ص 515 م 116 هذا -، والذي يدل على أن الثانية تفيد نفيا جديدا يزيل الأول، أو أنها تفيد نفيا يؤكد الأول، إنما هو القرائن اللفظية - ومنها الفاصل اللفظي - أو المعنوية. ومع التكرار لا يصح بغير شذود أن توجد "ما" ما في الجملة الواحدة أكثر من مرتين، إحداهما: الأولى الثانية تكرارها لها.
2 وقد عرض ابن مالك لبعض ما سبق من الشروط، تاركا بعضا آخر، حيث يقول:
إعمال "ليس" أعملت: "ما" دون: "إن"
…
مع بقا النفي، وترتيب زكن
سجل في هذا البيت ثلاث شروط لإعمال: "ما" عمل ليس، وهي: ألا توجد بعدها "إن" الزائدة، وألا ينتقض النفي "بسبب تكرارها نافية، أو بوقوع حرف نفي آخر بعدها يزيل عن خبرها معنى النفي، او بدخول إلا - أو غيرها على الخبر مما يزيل عنه النفي"، وأن يبقي الترتيب بين اسمها وخبرها، فلا يتقدم الخبر على الاسم "وكلمة زكن معناها: علم" ثم يقول:
وسبق حرف جر أو ظرف كما
…
بي أنت معنيا، أجاز العلما
أي: أن العلماء أجازوا تقديم الخبر إذا كان حرف جر مع مجروره، ومثل له بقوله: مابي أنت معنيا ومثاله هذا إنما يصلح لتقديم شبه الجملة المعمول للخبر نفسه، لا لتقدم الخبر. لكن جواز تقديمه يؤذن بصحة تقديم الخبر شبه الجملة أيضا. أو كان ظرفا، مثل، ما عند العاجز حيلة، وذلك بناء على ما استنبطوه من كلام العرب.
حكم المعطوف على خبرها:
"ا" إن كان حرف العطف مما يقتضى أن يكون المعطوف موجَباً "أى: مثبتاً" مثل: "لَكِنْ" و"بل" - وجب رفع المعطوف1؛ مثل: ما الفضل مجهولا لكنْ معروف؛ وما الإحسان منكوراً بل مشكور؛ فيجب الرفع فى كلمتى: "معروف" و"مشكور" وأشباههما؛ محاكاة لنظائرهما فى الكلام الفصيح المأثور. وتعرب كلا منهما خبراً لمبتدأ محذوف؛ فكأن أصل الكلام. ما الفضل مجهولا لكن هومعروف. وما الإحسان منكوراً بل هومشكور. ويتعين فى هذه الحالة إعراب كل واحدة من "لكن" و"بل" حرف ابتداء، ولا يصح إعرابها حرف عطف، لما يترتب على ذلك من أن يكون المعطوف جملة على حسب التقدير السابق، ولا يصح أن يكون المعطوف بهما جملة.
1 تفصيل ذلك: أن "لكن" تكون حرف عطف بثلاثة شروط، "أن يسبقها نفي، أو نهي""وألا تكون مقترنة بالواو قبلها"، "وأن يكون معطوفها لا جملة:. ومثالها: ما أغضبت السباق، لكن المتأخر. فإذا كان ما قبلها منفيا - كالمثال السابق - تركته منفيا على حاله، وأقرت معناه المنفي، ولم تغيره، وأثبتت نقيضه لما بعدها، ففي العبارة السابقة انتفى الحكم بالإغضاب على السباق، ووقع الحكم بالإغضاب على المتأخر. وفي مثل: ما غابت فاطمة لكن زينب - انتفى الحكم بغياب فاطمة، وثبت الحكم بغياب زينب. وهكذا نرى الحكم المنفي قبل:"لكن"، يبقى منفيا على حاله، ويثبت نقيضه لما بعدها
…
و.... و.... فإن فقد شرط لم تصلح عاطفة، ووجب أن تكون حرف ابتداء محض، واستدراك، وأن تدخل على جملة جديدة لا على مفرد.
وأما "بل" فإنها تكون حرف عطف بعد النفي وغيرها ولا تعطف إلا المفردات الصحيح. فإذا كانت بعد النفي، أو نهي كأن شأنها شأن:"لكن" في أنها تترك ما قبلها على حاله، أي: تقر معناه المنفي ولا تغيره وتثبت نقيضه لما بعدها، نحو: ما أهنت نبيلا بل حقيرا، فقد انتفى حكم الإهالة عن النبيل وثبت حكم الإهانة للحقير. أما إن كانت بعد كلام موجب، أو بعد أمر، فإنها تفيد الإضارب أي: العدول عن الحكم السابق، ونقله إلى ما بعدها، وترك ما قبلها كالمسكوت عنه، بتركه غير محكوم عليه بشيء، نحو: غرد العصفور، بل البلبل. وفي الصفحة الآتية ما يزيد الأمر وضوحا.
2 هذا هو التعليل الصحيح لوجوب الرفع. أما ما زاد عليه من أنه خبر مبتدأ محذوف، وأنه لا يصح العطف و
…
و
…
مما قيل بع ذلك - فهو تحليل وتعليل منطقي، ابتكره النحاة: لايضاح الحكم السابق، وضبط حدوده، منعا للخطأ، وقد أحسنوا فيه، وإن لم يعرف العرب الأوائل شيئا عنه.
ولوجعلنا المعطوف بهما مفرداً ولم نلاحظ التقدير السابق لوجب أن يكون منصوباً ومنفيًّا، تبعاً للخبر المعطوف عليه؛ لأن المعطوف المفرد يشابه المعطوف عليه فى حركات الإعراب، وفى النفى، والإثبات، والعامل فيهما واحد، وهنا يقع التعارض بين المعطوف عليه والمعطوف؛ فالأول مفى "بما" ومعمول لها. والثانى معمول لها أيضاً وموجَب1؛ وقوعه بعد:"لكن" أو: "بل". المسبوقين بنفى. و"ما" لا تعمل فى الموجَب، ومن هنا يجئ التعارض أيضاً؛ وهويقضى بمنع العطف ولوكان عطف مفرد على مفرد2، ويقضى بالرفع. والأحسن أن يكون رفعه خبراً لمبتدأ محذوف.
ومما تقدم نعلم أن الكلام فى حالة: "ا" لا يشتمل على عطف مطلقاً؛ فلا عاطف، ولا معطوف عليه، ولا حرف عطف3.
"ب" أما إن كان العطف لا يقتضى أن يكون المعطوف موجَبًا وإنما يقتضى أن يشابه المعطوف عليه فى حركات إعرابه، ونفيه، وإثباته: كالواووالفاء
…
فإنه يجوز فى هذه الحالة نصب المعطوف ورفعه، مثل: ما أنت
1 للسبب الموضح في رقم 1 من هامش الصفحة السابقة.
2 إذا كان خبر "ما" مجرورا بالباء الزائدة مثل: ما النجم بمظلم، لكن مضيء -أو بل مضيء- وجب الرفع أيضا دون النصب والجر، لقول النحاة: لا يصح الجر هنا عطفا على لفظ الخبر المجرور بالباء الزائدة. ولا النصب، عطفا على محله. وحجتهم أن الباء "عملت" الجر في المعطوف عليه، فهي العاملة أيضا في المعطوف تبعا لذلك، لأنه يشابه المعطوف عليه في حركات الإعراب، فالعام فيهما واحد، والمعطوف هنا موجب كما سبق. والباء لا تدخل على الموجب، وإنما تزاد بعد النفي.
وهذا كلام مردود، لأنه نظري فقط، يحتاج إلى سماع يؤيده، فوق أنهم يفتقرون في الثواني ما لا يغتفرون في الأوائل. وسجل النحاة هذا في مواضع متعددة، "كالذي في الصبان، جـ2 باب: "الاستثناء" عند الكلام على تعذر البدل من اللفظ في الاستثناء التام غير الموجب. وكالذي في همع الهوامع جـ1 ص 215، وقد أشرنا لهذا في رقم 2 من هامش ص 594، ويجيء في جـ 2 ص 311 م 81".
والواجب أن يرجعوا للكلام العربي، ويعرضوا لحالته، ثم يستنبطوا منه الحكم الواقع. ولا نعرف أنهم فعلوا. ولهذا نجيز الجر والنصب، وإن كان الرفع هو الأقوى.
3 وقد كان التعبير في أول الأمر بحرف العطف والمعطوف عليه تعبيرا مجازيا، روعي فيه الأصل والصورة الظاهرية التي تشبه صورة العطف، وإن كان الواقع والحقيقة أنه لا أثر العطف هنا.
قاسياً وعنيفاً على الضعيف، أو:"عنيف" بنصب كلمة: "عنيفاً"؛ لأنها معطوفة على خبر "ما" المنصوب. وبرفعها لأنها معطوفة على خبر "ما" باعتبار أصله الأول قبل مجئ "ما"؛ فقد كان خبراً مرفوعاً للمبتدأ1. ويحسن الاقتصار على الأول؛ ليكون الأسلوب مُتَّسقًا مؤتلفًا2
…
وتلخيص ما تقدم فى: "اوب" هو: أن رفع المعطوف جائز مع كل عاطف وأما نصبه فمقصور على بعض حروف العَطف دون بعض آخر يقتضى إيجاب المعطوف مثل: لكن وبل2
…
1 وإلى ما سبق يشير ابن مالك بقوله:
ورفع معطوف بلكن، أو: ببل
…
من بعد منصوب بـ "ما" الزم حيث حل
ومعنى البيت واضح بعد تقديره على الوجه التالي: الزم رفع معطوف بلكن أو ببل من بعد منصوب "بما" حيث وجد ذلك المنصوب. والمراد بمنصوب "ما": خبرها. و "من بعد منصوب"، جاز ومجرور متعلقان بكلمة 611.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
"ا" إنما عرض النحاة للعطف على خبر "ما" دون العطف على أخبار غيرها من النواسخ الأخرى التى لا يشترط فيها عدم نقض النفى، لأن "ما" يشترط فى عملها ألا ينتقض نفى خبرها. فإن انتقض لم تعمل كما سبق. والحرفان ""لكن"، و"بل"" من حروف العطف، ينقض كل منهما النفى عن المعطوف بعده، ويجعله موجَباً، مع أن المعطوف عليه منفى. ولما كان المعطوف على خبر "ما" بمنزلة خبرها - وجب أن يكون ذلك المعطوف منفيًّا كالخبر المعطوف عليه؛ لكى تعمل فيه "ما" النصب. غير أن المعطوف هنا موجب لوقوعه بعد "لكن"، أو"بل" فالنفى منقوض عنه، وصار موجباً. ولهذا لم يصح نصبه، لأنه بمنزلة الخبر - كما قلنا - و"ما" لا تعمل فى الموجب.
وقياساً على ما سبق1 يجرى هذا الحكم على كل ناسخ آخر، "مثل: إنْ - لا، وسيجئ الكلام عليهما" مما يشترط فى إعماله ألا ينتقض النفى عن خبره فعند العطف على خبره ينطبق عليه الحكم السالف.
"ب" أنسب الآراء، أنه لا يجوز حذف "ما" الحجازية وحدها، أومع أحد معموليها، أومعهما. كما لا يجوز حذف معموليها ولا أحدهما.
"حـ" إذا دخلت همزة الاستفهام على "ما" الحجازية لم تغير شيئاً من أحكامها السابقة.
1 لم أر في الكتب المتداولة نصا على هذا القياس، ولكنه الذي يساير الأصل العام الذي عرضوه.
وأما الحرف الثاني-: "لا" فهو للنفى. وفريق من العرب -كالحجازين- يُعْمِله عمل: "ليس" ويجعل النفى به منصبًّا مثلها على الزمن الحالى عند عدم قرينة تدل على زمن غير الحال1. وفريق آخر -كالتميميين- يهْمِله. تقول: لا معروفٌ ضائعاً، أو: لا معروفٌ "ضائعٌ"، بالإعمال أوالإهمال. وله في الحالتين الصدارة في جملته....2
والمهم عند إعمالها هوفهم معناها، وإدراك أثرها المعنوى فى الجملة، ليحسن استخدامها على الوجه الصحيح1 وفيما يلي الإيضاح.
"ا" لا رجلٌ غائباً - تشتمل هذه الجملة على كلمة: "لا" النافية وبعدها اسم مفرد مرفوع، وبعده اسم منصوب. فما الذى تفيده هذه الجملة؟ تفيد هذه الجملة التى يكون فيها اسم:"لا" مفرداً -أى: غير مثنى وغير مجموع- احتمال أمرين: نفى الخبر "وهو: الغياب" عن رجل واحد، ونفى الغياب عن جنس الرجل كله؛ فرداً فرداً؛ فلا غياب لواحد أوأكثر.
ولوقلنا: لا رجلان غائبيْن، ولا رجالٌ غائبِين - لكان الأمر محتملا نفى الغياب عن اثنين فقط، أوعن جماعة فقط، ومحتملا أيضاً نفى الغياب عن جنس الرجل كله؛ فرداً فرداً، أوعن جماعة فقط، ومحتملا أيضاً نفى الغياب عن جنس الرجل كله؛ فرداً فرداً؛ بحيث لا يخلوواحد من الحكم عليه بعدم الغياب.
"ب" لا طائرٌ موجوداً - تفيد هذه الجملة التى يكون فيها اسم "لا" مفردًا أى: غير مثنى وغير مجموع - ما أفادته التى قبلها من احتمال أمرين؛ نفى وجود طائر واحد، ونفى وجود جنس الطائر كله؛ فرداً فرداً؛ بحيث لا يخلوواحد من الحكم عليه بعدم الغياب.
"ب" لا طائرٌ موجوداً - تفيد هذه الجملة التى يكون فيها اسم "لا" مفرداً أى: غير مثنى وغير مجموع - ما أفادته التى قبلها من احتمال أمرين؛ نفى وجود طائر واحد، ونفى وجود جنس الطائر كله؛ فرداً فرداً؛ فلا وجود لطائر واحد، ولا أكثر. ولوقلنا: لا طائران موجودَيْن، ولا طيورٌ موجودةً - لكان النفى إمَّا واقعاً على طائرين فقط، وإما واقعاً على جماعة فقط، وإما على الجنس كله في الصورتين -
"1، 1" إذا كانت مثل "ليس" في معناها وعملها أفادت نفي المعنى عن الخبر في الزمن الحالي، إلا إن دلت قرينة على أن نفي معنى الخبر في زمن آخر - كما تقدم هنا، وفي رقم 1 من هامش ص 593 - وهذا إن كانت "لا عاملة عمل "ليس" فأما "لا" المهملة التي لا عمل لها في الجملة الاسمية -ولا في غيرها- فإنها من ناحية أثرها المعنوي في الجملة الاسمية - تشبه "لا" العاملة عمل "ليس" فهما في المعنى متشابهان، ولكنهما في الإعمال والإهمال مختلفان، فإحداهما تعمل والآخرى لا تعمل. "راجع الصبان أول باب: "لا" النافية للجنس".
فإن كانت "لا" المهملة داخلة على جملة فعلية فعلها ماض فإنها تنفي معناه في زمنه الخاص به وإن دخلت على مضارع فإنها -في الرأي الراجج- تخلص زمنه للمستقبل، وتنفي معناه في هذا الزمن المستقبل. والبيان في رقم 3 من هامش ص 59 "ويلاحظ أن المهملة يصح دخولها على الجملة الاسمية والفعلية".
2 طبقا للرأي الراجح - انظر رقم 2 من هامش ص 603.
واحداً واحداً؛ بحيث لا يخلوطائر من الحكم عليه بعدم الوجود.
مما سبق نعلم أن: "لا" النافية التى تعمل عمل: "كان" لا تدل على نفى الجنس كله فرد فرداً دلالة قاطعة لا تحتمل معها أمراً آخر؛ وإنما تدل - دائماً - على احتمال أمرين1، فإن كان اسمها مفرداً دلت على نفى الخبر عن فرد واحد، أوعلى نفيه عن كل فرد من الأفراد. وإن كان اسمها مثنى أوجمعاً دلت أيضاً على احتمال أمرين؛ إمَّا نفى الخبر عن المثنى فقط، أوعن الجمع فقط، وإمَّا نفيه عن كل فرد من أفراد الجنس. فدلالتها على نفى الخبر تحتمل هذا، وتحتمل ذاك فى كل حالة. وليست نصًّا2 فى أمر واحد.
ومن أجل أنها تحتمل نفى الخبر عن الفرد الواحد إذا كان اسمها مفرداً سميت: "لا" التى لنفى الواحد، أو:"لا" التى لنفى الوحْدة، أى: الواحد أيضاً.
والذين يُعملونها يشترطون لذلك شروطاً خمسة3.
أولها: أن يكون اسمها وخبرها نكرتين4؛ أو ما في حكم النكرة5 مثل: لا مالٌ باقياً مع التبذير. فإن كان أحدهما معرفة أوكلاهما - لم تعمل4.
1 ما لم توجد قرينة تمنع الاحتمال، وتعين أحدهما وحده.
2 إذا أردنا النص على أن النفي يقع على كل فرد من أفراد اسم "لا" أي: يقع على أفراد الجنس واحدا واحدا، من غير احتمال آخر - أتينا بالحرف الذي يدل على ذلك وهو:"لا" النافية للجنس، بشرط أن يكون اسمها مفردا، لا مثنى ولا جمعا، وهي من أخوات "إن" تنصب مثلها الاسم وترفع الخبر. "وسيجيء الكلام مفصلا عليها في بابها الخاص، آخر هذا الجزء، ص 683"، فإن لم يكن اسمها مفردا بأن كان مثنى أو جمعا كانت فيهما هي و "لا" العاملة عمل ليس - سواء، فيقع الاحتمال بين أن يكون الخبر منفيا عن الاثنين فقط، أو عن الجماعة فقط، وأن يكون منفيا عن كل فرد من أفراد الجنس. فالفرق بين نوعي "لا" العاملة إنما يتحقق حين يكون اسمها مفردا، "انظر هامش ص 685، حيث البيان".
3 مع ملاحظة ما لا يصلح أن يدخل عليه الناسخ، "وقد سبق في رقم 1 من هامش ص 543". ومنه: ألا يكون اسمها شبه جملة.
"4 و4" فلا يصح: لا السلاح مأمونا في يد الطائش. لا لاح المأمون في يد الطائش، لا السلاح المأمون إذا كان في يد الطائش.... فمثل هذه تراكيب غير صحيحة، بسبب إعمال "لا" مع فقدها شرطا من شروط الإعمال، إلا عند الكوفيين، فإنهم لا يشترطونه، وبمذهبهم قال المتنبي:
إذا الجود لم يرزق خلاصا من الأذي
…
فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا
5 يجوز أن يكون خبرها جملة فعلية أو شبه جملة، لأنهما يكونان في حكم النكرة - "كما سبق في رقم 1 من هامش ص 48 وفي 1 من هامش ص 213 وفي 2 من هامش ص 209..... - ".
ثانيهما: عدم الفصل بينها وبين اسمها وهذا يستلزم الترتيب بين معمونيها، فيجب تأخير الخبر، وكذلك تأخير معموله عن الاسم، كى لا يفصل بينها وبين اسمها فاصل؛ نحو: لا حصنٌ واقياً الظالمَ1. ولا يصح أن يسبقها شيء من جملتها2....
ثالثها: ألا ينتقض النفى بإلا؛ تقول؛ لا سعىٌ إلا مثمر، ولا يصح نصب الخبر3.
رابعها: عدم تكرارها؛ فلا تعمل فى مثل: لا، لا مسرع سَبَّاق. إذا كانت "لا" الثانية لإفادة نفى جديد4.
خامسها: ألا تكون نصًّا فى نفى الجنس5 - كما شرحنا - وإلا عملت عمل: "إنّ":
تلك هى الشروط الحتمية لعمل "لا" وهى نفسها شروط لعمل "ما" مع زيادة شرطين فى عمل "لا" وهما: أن يكون اسمها وخبرها نكرتين، وألا تكون نصًّا فى نفى الجنس6.
وحذف خبرها كثير فى جيد الكلام؛ ومنه أن تقول للمريض؛ لا بأسٌ؛ أى: لا بأسٌ عليك. وفلان وديع لا شكٌّ. أى: لا شكٌّ فى ذلك، أوفى وداعته....
1 فلا يصح: "لا واقيا حصن الظالم" لتقديم الخبر. ولا يصح: لا - الظالم- حصن واقيا، لتقديم معموله وحده. ولا يصح: لا - واقيا الظالم - حصن، لتقديمهما معا. إلا إن كان معمول الخبر شبه جملة فيجوز تقديمه وحده، نحو: لا - في العمل حازم مهملا. ولا ساعة الجد عاقل متوانيا.
2 والصحيح أن "لا" بنوعيها العاملة والمهملة، هي من حروف النفي التي لها الصدارة. "راجع الصبان في باب:"ظن وأخواتها"، عند الكلام على أدوات التعليق التي لها الصدارة". وسيجيء البيان في جـ 2 ص 26 م 61.
3 ومن أثر هذا أنه إذا عطف على خبرها بالحرف، "لكن" أو:"بل" لم يجز العطف بالنصب ووجب رفع المعطوف، لما سبق بيانه في ص 597 وفي الزيادة ص 600.
4 فإن تكررت وكانت الثانية مفيدة لنفي جديد يزيل النفي السابق، وليس توكيدا للأولى - فإنها لا تعمل، لأن نفي النفي إثبات، فتبتعد عن معناها الأساسي في مثل:"لا لا مكافح مسرور. وإن كانت الثانية توكيدا للأولى - مع قلته وضعفه -، بسبب عدم الفاصل بينهما - جاز إعمالها: نحو: لا لا حاسد مستريحا. وقد عرفنا أن الذي يدل على أن الثانية للتوكيد أو لإفادة نفي جديد - هو: القرآن اللفظية أو المعنوية. ولا تتكر - في الأرجح- إلا مرة واحدة بحيث لا تشتمل الجملة منها على أكثر من اثنين "انظر رقم 1 من هامش ص 596 ففيه ما يتصل بهذا".
5 راجع "لا" النافية للجنس آخر هذا الجزء 683.
6 لم يذكر من شروط "لا" عدم وقوع: "إن" الزائدة بعدها كاشتراطه في "ما" لما هو معروف من عدم وقوع: "إن" الزائدة بد "لا".
"ملاحظة": لا يتغير شئ من الأحكام السالفة إذا دخلت همزة الاستفهام على "لا" سواء أكان الاستفهام باقياً على حقيقته، أم خرج إلى معنى آخر كالتوبيخ. ز أوالإنكار
…
، مثل: ألا إحسانٌ للفقير من هذا الرجل الغنى1 البخيل
…
أما الحرف الثالث: "إنْ" فهولنفى الزمن الحالى عند الإطلاق، وإعمالُه وإهمالُه سِيَّانِ2. ولكن الذين يُعملونه يشترطون الشروط الخاصة بإعمال "ما"3 النافية إلا الشرط الخاص بعدم وقوع "إنْ" الزائدة بعدها؛ إذ لا تقع "إنْ" الزائدة بعد "إنْ" النافية أيضاً؛ نحو: إنْ الذهبُ رخيصاً "بمعنى: ما الذهب رخيصاً" أو: إنْ الذهبُ رخيص. ففى المثال الأول تعرب "إنْ" حرف نفى ناسخ بمعنى: ما، وبعدها اسمها وخبرها. وفى المثال الثانى:"إنْ" حرف نفى مهمل، وبعده مبتدأ مرفوع، ثم خبره المرفوع4. ومن أمثلة عمالها، قول الشاعر:
إنْ المرْءُ بانقضاءِ حيَاتِه
…
ولكنْ بأن يُبْغَى عليه فيُخْذَلَا
وهى فى حالتى إعمالها وإهمالها لنفى الزمن الحالى، ما لم تقم قرينةٌ على غيره. - كما تقدم -.
وأما الحرف الرابع: "لات"5 فهولنفى الزمن الحالى عند
1 راجع الخضري جـ1 باب: "لا النافية" للجنس عند بيت ابن مالك.
وأعط "لا" مع همزة استفهام
…
ما تستحق دون الاستفهام
حيث صرح بأن دخول همزة الاستفهام على "لا" بنوعيها لا يغير من أحكامها، على الوجه الآتي في م 59 ص 704.
2 إذا كانت عاملة وجب دخولها على جملة اسمية - كالشأن في النواسخ كلها - ولا يصح أنه يكون اسمها شبه جملة. أما إذا كانت مهملة فيجوز دخولها على الاسمية والفعلية، فمن أمثلة المهملة الداخلة على الاسمية قوله تعالى:{إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُور} ومن أمثلة الداخلة على الفعلية قوله تعالى: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّن} وقوله: {إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} .
3 تقدمت شروطهما، في ص 594 - ويراعي في العطف على خبر "إن" ما سبق في العطف على خبر "ما""ص 597 والزيادة التي في ص 600".
4 ويجوز هنا ما يجوز في "ما" من صحة نقض النفي عن معمول الخبر، دون الخبر، نحو: ما أنت قارئا كتبا إلا النافعة.
5 يقول النحاة: إن أصلها "لا" ثم زيد عليها التاء لتأنيث اللفظ، كالتاء في "ربت" و "ثمت". غير أن التاء مع "لات" متحركة بالفتح دائما. وزيادتها تفيد مع تأنيث اللفظ توكيد النفي =
الإطلاق ويشترط لعملها1:
"ا" الشروط الخاصة بعمل "ما"2 إلا الشرط الخاص بعدم وقوع: "إنْ" الزائدة بعدها؛ إذ لا تقع "إنْ" الزائدة بعد: "لات".
"ب" ثلاثة شروط أخرى؛ هى: أن يكون اسمها وخبرها كلمتين دالتين على الزمان3، وأن يحذف أحدهما دائماً، والغالب أنه الاسم. وأن يكون المذكور منها نكرة؛ مثل: سهوتَ عن ميعادك، ولاتَ حينَ سهو. أى: ولاتَ الحينُ4 حينَ سهو. وإعرابها: "لا" نافية؛ تعمل عمل: "ليس". التاء للتأنيث اللفظى5 واسمها محذوف تقديره: الحينُ، أو: الوقت، أو: الزمن
…
"حينَ" خبرها، منصوب بالفتحة الظاهرة، مضاف. "السهو" مضاف إليه مجرور. ومثل: تسرعتَ فى الإجابة، ولاتَ حينَ تَسرُّع. أى: وليس الحينُ حينَ تسرُّعٍ، أوليس الوقت وقتَ تسرع. والإعراب كالسابق.
= وتقويته. هذا كلام النحاة ملخصا من آراء متعددة لا يستريح العقل لواحد منها، ولا إلى أن التاء زيدت على كلمة:"لا".... لأن العرب الأوائل نطقوا بكلتا الكلمتين "لا، ولات" مستقلة، لم يذكروا أن إحداهما أصل للأخرى، ولم يكن لهم علم بشيء مما اصطلح عليه النحاة بعدهم، وبنوا عليه أحكامهم، فن الخير ترك الآراء التشعبة، والاقتصار على اعتبار:"لات" كلمة واحدة مبنية على الفتح، معناها: النفي، وعملها هو عمل "كان" وليس في هذا ما يسيء إلى اللغة في تركيب كلماتها، ولا ضبط حروفها، ولا أداء معانيها على الوجه الصحيح المأثور الذي يجب الحرص عليه وحده أشد الحرص، ولا سيما إذا كان في إتباعه تيسير ومسايرة للعقل والواقع. وقد آن الوقت للتحرر من تلك الآراء الجدلية التي لا حاجة إليها اليوم.
1 مع ملاحظة ما لا يصح أن يدخل عليه الناسخ- وقد سبق بيانه في رقم 1 من هامش ص 544 ورددنا أن اسم الناسخ - مهما اختلفت أنواع النواسخ - لا يكون شبه جملة.
2 وقد سبقت، في ص 594- ويراعي في العطف على خبرها ما سبق في العطف على خبر "ما""ص 595 وفي الزيادة ص 600".
3 مثل كلمة: "حين" - وهي أكثر الكلمات الزمنية التي استعملها العرب معمولة للحرف: "لات" ومثل: "ساعة" و "أوان" و "وقت" وغيرها مما يدل على الزمن.
4 قالوا: كلمة: "الحين" هنا معرفة "مع أن: "لات" لا تعمل إلا في النكرات" لأن المنفي في المثال هو "حين" معين، معروف، وهو الذي سها فيه المخاطب، فالتقدير: لات حين سهوك حين سهو: أي: ليس زمن سهوك زمن سهو: بمعنى: أن زمن سهوك لا يصح ولا يصلح أن يكون زمن سهو. فاشتراط التنكير في معموليها معا - كما ينص عليه أكثر النحاة - إنما يتحقق في التركيب اللفظي الذي يشتمل على المعمولين مذكورين فيه صراحة، أما في التقدير فلا يشترط ذلك "كما في تقدير المثال السابق".
وخير من هذا كله أن يكون الشرط هو: تنكير ما يذكر صريحا من معمولين، وهذه عبارة بعض النحاة الأقدمين، وتريحنا من الجدل الذي لا داعي له، ومن تحقق الشرط في التركيب اللفظي، دون التقديري، وأمثاله هذا....
5 أو: لات - كلها - حرف نفي مبني على الفتح لا محل له، وهذا أحسن
…
اعتمادا على ما تقدم في رقم 5 من هامش الصفحة السابقة.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
"ا" وردت "لات" فى بعض الكلام العربى القديم مهملة لا عمل بها؛ فهى متجردة للنفى المحض. ومنه قول الشاعر:
تَرَكَ الناسُ لنا أكنافَهم
…
وتولَّوا، لاتَ لمْ يُغْنِ الفرارُ
فهى هنا حرف نفى محض1، مؤكد بحرف نفى آخر من معناه، هو:"لم" وهذا الاستعمال مقصور على السماع لا يجوز اليوم محاكاته. وإنما عرضناه لنفهم نظائره فى الكلام القديم حين تمر بنا، ومنه قول القائل:
لَهْفى عليك لِلهفةٍ من خائفٍ
…
يَبغى جوارَك حينَ لاتَ مجيرُ
فهى حرف نَفى مهمل2. "ومجير" فاعل لفعل محذوف أومبتدأ خبره محذوف.
"ب" حكم العطف على خبر: "لات" نفسه كحكم العطف على خبر "ما". وقد تقدم "فى ص 540 و543" فيتعين الرفع إن كان حرف العطف يقتضى إيجاب ما بعده، "مثل: لكنْ وبل"، تقول: سئمت ولات حينَ سآمة، بل حينُ صبر، أولكن حينُ صبر. فإن كان حرف العطف لا يقتضى إيجاب ما بعده "كالواو" جاز النصب والرفع، تقول: رغبت فى الراحة أياماً، ولات حين راحة، وحينَ استجمام، بنصب كلمة "حين" المعطوفة أورفعها.
"حـ" من أسماء الإشارة: "هَنَّا" وهى فى أصلها ظرف مكان كما عرفنا فى باب أسماء الإشارة3. وقد وقعت فى الكلام العربى القديم بعد كلمة: "لات" كقول القائل: "حَنَّتْ نَوَارُ ولات هَنَّا حنَّت4"
…
وخير ما يقال فى إعرابها: إن: "لات" حرف نَفى مهمل "أى: لا عمل له" و"هنا" اسم إشارة للمكان، منصوب على الظرفية، خبر مقدم "حنت" حن: فعل ماض، قبله "أنْ" مقدرة. والتاء للتأنيث، والفاعل مستتر تقديره: هى. والمصدر المؤول من الفعل والفاعل و"أنْ" المقدرة قبل "نت" فى محل رفع مبتدأ مؤخر. وخبره اسم الإشارة الظرف المتقدم: "هنَّا". وهذا أسلوب يحسن الوقوف فيه عند السماع، والبعد عن محاكاته.
1 لدخولها على جملة فعلية. فليس اسم ولا خبر.
2 لأن معموليها ليسا دالين على الزمان.
3 ص 338.
4 عرضنا لهذا الشاهد وإتمام البيت في ص 338 وذكرنا هنا بعض الآراء، ومنها الرأي القائل إن:"هنا" قد تكون ظرف زمان.
المسألة التاسعة والأربعون: زيادة "باء الجر" فى خبر هذه الأحرف
تقدم أن "باء" الجر تزاد فى مواضع1، منها: أخبار الأفعال الناسخة إذا كانت تلك الأخبار منفية؛ "فلا تزاد فى أخبار "ما زال" وأخواتها الثلاثة؛ لأن أخبارها موجبَة" وأن الغرض من تلك الزيادة هوتأكيد النفى وتقويته، كما عرفنا.
ومن تلك المواضع: خبر "ليس"2؛ ويكثر فيه زيادة الباء؛ نحو: ليس الحازم بمتواكل. فالباء زائدة، "ومتواكل" مجرورة بها فى محل نصب خبر "ليس". ومنها:"ما" العاملة والمهملة، فيكثر فى خبرها المنفى زيادة الباء؛ نحو: ما العربى ببخيل، وما العربى بهياب الشدائد. وأصل الكلام ما العربى بخيلا. ما العربى هياباً، فالباء حرف جر زائد، وما بعدها مجرور فى محل نصب خبر:"ما" إن كانت عاملة، أوفى محل رفع خبر المبتدأ، إن كانت:"ما" مهملة3. ومن الأمثلة، قوله تعالى: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} ، وقول الشاعر:
أقْصِرْ - فؤادى - فما الذكرَى بنافعَة
…
ولا بشافعةٍ فى رَدّ ما كانا
وقد تزاد أحياناً بعد خبر: "لا" العاملة4، نحو: لا جاهٌ بخالد. ولا سلطانٌ
1 في ص 590 وما بعدها، إيضاح مناسب لبعض مواضع زيادة الباء، وسبب الزيادة، وأنها قد تزاد في الاسم إذا توسط الخبر بينه وبين الناسخ.
2 في ص 591 بشرط ألا تكون أداة استثناء، وألا ينتقض النفي "بإلا". فإن كانت أداة استثناء فهي بمعنى:"إلا" فلا يزاد في خبرها الباء. ومثلها "لا يكون" أداة الاستثناء - كما سبق في رقم 3 من هامش ص 560 -.
3 بشرط ألا يكون إهمالها بسبب نقض النفي في خبرها، فإن كان بسببه لم تدخل عليه الباء الزائدة، لأن الكلام يصير مع نقض النفي موجبا، فلا يصح زيادة الباء في مثل: ما أنت إلا ناصح.
وهناك شرط أخر لزيادة: "الباء" في خبر "ما"، هو: أن يكون الخبر من الألفاظ التي تقبل الإيجاب والتي لا يقتصر استعمالها على المعاني المنفية، فلا تزاد "الباء" في كلمة: أحد، وعريب وديار، في نحو: ما مثلك أحد.... فلا بد لزيادة الباء في خبر "ما" من تحقيق الشرطين السابقين. "انظر ص 590 و 591" وهامشهما".
هذا والذي يدل على أن زيادة "الباء" هي في خبر العاملة أو المهملة ما يكون للخبر من توابع، فإن ضبط التابع بغير الجريدل على نوع الخبر. وأنه خبر للعاملة أو للمهملة.
4 سواء أكانت عاملة عمل "ليس" أم عامةل عمل "إن".
بدائم. وأصل الكلام: لا جاهٌ خالداً، ولا سلطانٌ دائما. "والإعراب كالسابق"
…
وقد تقدم أنها تزاد فى خبر المضارع من "كان"، بشرط أن يكون منفيًّا بحرف النفى:"لم"؛ نحو: كلمتنى فلم أكنْ بمشغول عنك، ولم أكنْ بمنصرف عن حديثك. أى: لم أكن مشغولا عنك، ولم أكن منصرفاً عن حديثك. فالباء حرف جر زائد، وما بعدها مجرور بها فى محل نصب: خبر "أكن". وأنها قد تزاد أيضاً فى المفعول الثانى من مفعولى: "ظن وأخواتها"، نحو: ما ظننت المؤمن بجبان.
أما زيادتها فى بقية الأفعال والحروف الناسخة، أوفى خبر المبتدأ، أوفى غير ما سبق - فمقصور على السماع.
1 في رقم 2 من هامش ص 592.
2 ما عدا "لا يكون" الاستثنائية لأن الباء لا تزاد في خبرها، ولأنها لا بد أن تكون للغائب وقبلها:"لا" النافية.
3 يقول ابن مالك في كل ما سبق من زيادة الباء ومن الكلام على: "لا - ولات" ما يأتي باختصار: "وقد الكلام على زيادة الباء قبل أن يتكلم على - ولات"، وكان الواجب التأخير عنهما".
وبعد: "ما" و "ليس" جر "البا" الخبر
…
وبعد: "لا" ونفي: "كان" قد يجر
أي: جرت "الباء" الخبر بعد: "ما": "ليس". ثم قال: وقد يجر الخبر بعد "لا" التي هي من أخوات "ليس" وبعد: "كان" المنفية، لأن نفيها ينصب على خبرها "بشرط أنها غير الاستثنائية" كما شرحنا - ثم قال:
في النكرات أعملت كليس: "لا"
…
وقد تلي: "لات" و "إن" ذا العملا
أي: أعملت،:"ولا" في النكرات عمل "ليس" فترفع الاسم وتنصب الخبر، بشرط أن يكونا نكرتين معا. ثم قال: وقد تتولى "لات" و "إن" هذا العمل فيرفع كل منهما الاسم، ينصب الخبر، ولم يذكر شروطا ثم عاد فقال:
ومما للات في سوى حين عمل
…
وحذف ذي الرفع فشا. والعكس قل
يريد: أن "لات" لا تعمل في سوى "الحين" أي: الزمن، فلا بد أن يكون اسمها وخبرها لفظين دالين على الزمن، ولا بد من حذف أحدهما. كما عرفنا. ولكن حذف الاسم صاحب الرفع هو الفاشي، أي: الشائع، والعكس قليل، وهو حذف الخبر، وبقاء الاسم.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
يتردد فى مواطن مختلفة من كتب النحوما يسمى؛ "العطف على التوهم"؛ وهونوع يجب الفرار من محاكاته1 - قدر الاستطاعة - ولتوضيحه نسوق المثالين التاليين: "ا""ليس المؤمن متأخراً عن إغاثة الملهوف". فكلمة: "متأخراً" خبر "ليس"، وهومنصوب. ويجوز - كما عرفنا2 - أن تزاد باء الجر فى أول الخبر؛ فنقول:"ليس المؤمن بمتأخر عن إغاثة الملهوف"؛ فتكون كلمة: "متأخر" فى الظاهر مجرورة بالباء الزائدة، لكنها فى التقدير فى محل نصب، لأنها خبر "ليس".
فإذا عطفنا على الخبر المجرور بالباء الزائدة كلمة أخرى، بأن قلنا: ليس المؤمت بمتأخر وقاعد عن إغاثة الملهوف - فإنه يجوز فى المعطوف - وهوكلمة: "قاعد" مثلا - الجر تبعاً للمعطوف عليه المجرور فى اللفظ، كما يجوز نصبه، تبعاً للمعطوف عليه المنصوب محلا، لأنه خبر "ليس". فالمعطوف فى المثال السابق يجوز نصبه تبعاً لمحل الخبر، كما يجوز جره تبعاً للفظ الخبر المجرور بالباء الزائدة المذكورة فى الجملة، والتى يجوز زيادتها فى مثل هذا الخبر.
لكن إذا خلا الخبر منها فكيف نضبط المعطوف عليه؟ أيجوز النصب والجر مع عدم وجودها كما كانا جائزين عند وجودها؟ يقول أكثر النحاة: نعم. ففى المثال السابق يصح أن نقول: ليس المؤمن متأخراً وقاعداً عن إغاثة الملهوف. أو: ليس المؤمن متأخراً وقاعدٍ
…
بنصب كلمة: "قاعد" أوجرها؛ فالنصب لأنها معطوفة على الخبر المنصوب مباشرة؛ ولا عيب فى هذا. والجر لأنها معطوفة على خبر منصوب فى التقدير؛ على تخيل وتوهم أنه مجرور بالباء الزائدة؛ فكأن المتكلم قد تخيل وجود الباء الزائدة مع أنها غير موجودة بالفعل. وتوهم أنها ظاهرة فى أول الخبر؛ - ولذا يسمونه: "العطف على التوهم" - مع أن
1 سيجيء نوع منه - "في جـ4 باب النواصب ص 337 م 149، عند الكلام على فاء السبيبة، وكذلك في باب: "العطف" جـ3 ص 636 م 122"- يقتضيه وضوح الكلام، واستقامة معناه، مع تقدير "أن" المضمرة وجوبا.
2 في ص 605.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مع أن توهمه غير صحيح. ومن العجب أن يتوهم ويتخيل ما لا وجود له، ويبنى عليه آثاراً. وهذا أمر يجب الفرار منه - كما قلنا -؛ لما فيه من البعد، والعدول عن الطريقة المستقيمة الواضحة إلى أخرى ملتوية، لا خير فيها. فإن قهرتنا بعض الأساليب القديمة على الالتجاء إليه وجب أن نقتصر عليه فى الوارد، ونحصر أمره فى المسموع من تلك الأساليب، دون أن نتوسع فيها بالمحاكاة والقياس، إذ لا ضرورة تلجئنا إلى محاكاته. وهذا الرأى السديد لبعض النحاة الأقدمين1 تستريح النفس إليه وحده، ولا فرق فيه بين العطف على خبر "ليس" أو"ما" أوغيرهما من الأخبار التى تزاد فى أولها الباء جوازاً2
…
مثال آخر:
ما المحسن مناناً بإحسانه. كلمة: "مناناً" - خبر "ما" منصوبة، ويجوز أن تزاد "باء" الجر فى خبر:"ما" الحجازية على الوجه المشروح فى زيادتها - فيقال: ما المحسن بمنان بإحسانه. فتكون كلمة: "منان" مجرورة فى الظاهر بالباء الزائدة، ومنصوبة المحل، لأنها خبر "ما"؛ فإذا عطفنا على هذا الخبر المجرور كلمة أخرى3، جاز فى المعطوف إما الجر تبعاً للخبر المجرور لفظه، وإما النصب أيضاً تبعاً للخبر المنصوب محله؛ فيقال ما لامحسن بمنان وذاكر إحسانه أو:"ذاكراً" إحسانه؛ بجر كلمة: "ذاكراً"، أونصبها.
1 وقد تردد في مراجع وأبواب مختلفة، منها شرح الأشموني، آخر باب:"حروف الجر"، ومنها كتاب:"تنزيل الآيات"، شرح شواهد الكشاف، ص 16 عند بيت الشاعر:
مشائيم، ليسوا مصلحين عشيرة
…
ولا ناعب إلا يبين غرابها
حيث عطف: "ناعب" بالجر على: "مصلحين: يتوهم إن المعطوف عليه مجرور بالباء، وأن التقدير بمصلحين. وأيضا ورد هذا البيت ومعه آخر في "الكامل للمبرد" جـ 1 ص 279 للاستشهاد بكل منهما على الحكم السالف.
2 والكلام على هذا النوع من الجر يذكرنا نوعا آخر من الجر يجب التشدد في إهماله، وفي ترك استعماله، والاقتصار فيه على المسموع وحده، لوضوح فساده وإفساده، هو:"الجر بالمجاورة". وسيجيء تفصيل الكلام عليه "في جـ2 ص 401 م 89" باب: حروف الجر " وفي جـ 3 ص 8م 93 باب الإضافة".
3 وكان حرف العطف غير: "لكن" و "بل"
…
"راجع ص 597 السابقة....".
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإذا لم تكن "باء" الجر الزائدة مذكورة فى أول الخبر فكيف نضبط المعطوف؟ يقول أكثر النحاة: إن العسطف عند عدم وجود باء الجر الزائدة فى الخبر كالعطف مع وجودها، فيجوز النصب فى المعطوف تبعاً للنصب اللفظى فى الخبر المعطوف عليه؛ كما يجوز الجر فى المعطوف تبعاً لتوهمهم الجر فى الخبر المعطوف عليه، وافتراضهم أن ذلك الخبر مجرور بالباء الزائدة؛ مع أنها غير موجودة، فى الكلام.
وهوتوهم لا يصح الالتفات إليه اليوم، ولا الأخذ بما يرتبونه عليه
…
لما أوضحناه. ويتساوى فى هذا خبر "ليس" وخبر "ما" وغيرهما من الأخبار التى يجوز فى أولها زيادة باء الجر.
"ب" إذا وقع بعد خبر "ليس" وخبر "ما" - مشتق معطوف، فكيف نضبطه؟ لهذا صور يعنينا منها ما1 يأتي:
أولا: أن يكون المشتق المعطوف على خبرها وصفاً2 عاملا وبعده اسم مرفوع، سبىّ3 له، نحو:"ليس المستعمر أميناً، ولا صادقاً وعدُه" أو: "ما المستعمر أميناً ولا صادقاً وعدُه". فيجوز فى الوصف المعطوف وهوكلمة: "صادق" ما يجوز فيه لوكان غير رافع اسماً بعده؛ وعلى هذا يصح فى كلمة: "صادق" النصب بعطفها على الخبر المنصوب مباشرة وهوكلمة: "أميناً" كما يصح فيها الجر عطفاً على الخبر المجرور على حسب توهم النحاة أن الخبر مجرور بباء زائدة غير ظاهرة فى اللفظ
…
وهوتوهم وتخيل سبق رفضه فى: "ا" أما الاسم السبى المرفوع بعد الوصف المعطوف فيعرب فى الحالة السالفة فاعلا له "وقد يعرب أحياناً نائب فاعل فى جملة أخرى إذا كان الوصف الرافع له اسم مفعول". وفى المثال السابق بصورتيه يلتزم الوصف الإفراد فلا يثنى ولا يجمع - فى رأى أكثر النحاة -.
ويصح أن يكون الوصف مرفوعاً مبتدأ - لا معطوفاً - وأن يكون السبى4 بعده
1 مع ملاحظة الصور التي سبقت في ص 597.
2 أي اسما مشتقا.
3 و3" السبي هنا: ما له صلة وارتباط بالوصف، كقرابة، أو صداقة، أو عمل، أو شيء متصل به. ويربط بينهما الضمير ونحوه مما يعود على ذلك الوصف.
4 والعطف في المثال السابق بصورتيه عطف مفرد على مفرد.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مرفوعاً به يغنى عن الخبر "سواء أكان المرفوع فاعلا أونائب فاعل"، وفى هذه الصورة يلتزم الوصف الإفراد أيضاً. ويكون الوصف مع مرفوعه معطوفاً على الجملة قبله1.
ويصح أن يكون السبي مبتدأ متأخراً والوصف خبراً مرفوعاً متقدماً - لا معطوفاً وفى هذه الحالة يتطابقان؛ إفراداً وتثنية وجمعاً، وتذكيراً، وتأنيثاً؛ نحو: ليس علىّ مهملا ولا مقصرٌ أخوه - ليس على مهملا ولا مقصران أخواه - ليس على مهملا ولا مقصرون إخوانه2
…
- وكذلك لوكان الناسخ "ما" بدلا من "ليس".
ثانياً: أن يكون المعطوف وصفاً أيضاً وقبله: "ليس" ومعمولاها ولكن بعده اسم أجنبى3. فيعطف الأجنبى على اسمها، ويرفع مثله. ويعطف الوصف على خبرها، وينصب مثله، تقول ليس محمود حاضراً، ولا غائباً4 حامد، فكلمة:"حامد" معطوفة على الاسم: "محمود" مرفوعة مثله. وكلمة "غائباً" معطوفة على الخبر "حاضر" منصوبة مثله.
فإن كان خبر "ليس" مجروراً بالباء الزائدة جاز أيضاً جر الوصف؛ تقول: ليس محمود بحاضر، ولا غائب حامد؛ بجر كلمة:"غائب" لأنها معطوفة على الخبر المجرور لفظه بالياء الزائدة؛ ويجوز فى الحالتين السالفتين رفع الأجنبي
1 والعطف على هذا الإعراب عطف جملة على جملة.
2 ويتعين العطف في هذه الصورة، وأن يكون عطف جملة على جملة.
3 أي: ليس سببيا. وقد سبق شرح السببي "في رقم 3 ص 611".
4 في هذا المثال معطوفان، ومعطوفان عليهما، وحرف عطف واحد، هو: الواو، وهذا المثال يصلح أن يكون إما عطف جملة على جملة - أي: ليس محمود حاضر وليس حامد غائبا. وإما: عطف مفردين بالواو على نظيرين لهما سابقين، فتكون كلمة:"غائبا" معطوفة بالواو على كلمة: "حاضرا" وكذلك كلمة: "حامد" معطوفة بالواو أيضا على كلمة، "محمود"، ومن اختصاص الواو أن تعطف معطوفين بالصورة السابقة. لكن من أي أنواع العطف هذا؟ أعطف مفرد على مفرد أم جملة على جملة؟ قولان، سنوضح أمرهما والصواب منهما في باب العطف - جـ3 - والمناسب هنا أن العطف عطف جملة على جملة....
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
على أنه مبتدأ، خبره الوصف المتقدم؛ فيتطابقان. وتكون الجملة الثانية معطوفة على الأولى.
ثالثاً: أن يكون المعطوف وصفاً قبله "ما" ومعمولاها؛ وبعده اسم أجنبى؛ فيجب رفع الوصف الواقع بعد خبرها؛ سواء أكان خبرها منصوباً، أم مجروراً بالباء الزائدة؛ نحو: ما محمود حاضراً ولا غائبٌ حامدٌ1. أو: ما محمود بحاضر ولا غائبٌ حامدٌ1. أو: ما محمود بحاضر ولا غائب حامد.
1 السبب الحقيقي هو أن أساليب العرب الفصحاء جرت على هذا. لكن النحاة يذكرون السبب النحوي أن خبر: "ما" لا يتقدم على اسمها. فكذلك خبر ما عطف على اسمها. لأن كلمة "حامد" معطوفة على: "محمود" التي هي اسم "ما" فكأن كلمة: "حامد" بمنزلة اسم: "ما" بسبب أنها معطوفة على الاسم، وكلمة "غائب" معطوفة على كلمة:"حاضر" التي هي خبر "ما"، فكأنها بمنزلة خبر "ما" بسبب ذلك العطف. وقد تقدم ما هو بمنزلة الخبر على الاسم فلا تعمل فيه:"ما".، لفقد الترتيب. فالأحسن في إعراب الوصف في هذه الحالة الحالة أن يكون خبرا مقدما والمرفوع بعده مبتدأ، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها، فالعطف عطف جمل.