الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نواسخ الابتداء "كان وأخواتها
"
مدخل
…
المسألة الثانية والأربعون: نواسخ الابتداء "كان وأخواتها"
…
1
معنى الناسخ:
الجملة الاسمية فى مثل "الرياحين مُتْعة" - تتكون من اسمين مرفوعين، يسمى أولهما: المبتدأ، وله الصدارة فى جملته - غالباً -. ويسمى الثانى: خبراً كما هومعروف. ولكن قد يدخل عليهما ألفاظ معينة تغير اسمهما، وحركة إعرابهما، ومكان المبتدأ من الصدارة فى جملته، ومن هذه الألفاظ: كانَ، إنَّ
…
ظنَّ
…
ولكل واحدة أخوات1 مثل: كان العامل أُميناً، وقول الشاعر:
وإذا كانت النفوسً كباراً
…
وتَعِبتْ فى مرادها الأجسامُ
فيصير المبتدأ اسم "كان" مرفوعاً وليس له الصدارة الآن، ويصير خبر المبتدأ خبر كان منصوباً. ويسمى: خبرها" 2
…
ومثل؛ إنّ العاملَ أمينٌ؛ فيصير المبتدأ اسم "إن" منصوباً، وليس له الصدارة، ويصير خبره خبر "إن" مرفوعاً. ونقول: ظننت العامل أميناً فيصير المبتدأ والخبر مفعولين منصوبين للفعل: "ظننت" وليس للمبتدأ الصدارة. وتسمى الكلمات التى تدخل على المبتدأ والخبر فتغير اسمهما وحركة إعرابهما
"1و1" المراد بأخواتها: نظائرها من الكلمات التي تشابهها في العمل، وتخالفها في اللفظ والمعنى، سواء أكانت مع أختها من جنس واحد، فهما فعلان، مثل: كان _ أضحى - ظل.... أم كانتا من جنسين مختلفين. فإحداهما فعل، مثل:"كان" و "ليس" والأخرى حرف، مثل:"ما" الحجازية التي تعمل عليها.
2 التسمية بالاسم وبالخبر هي مجرد "اصطلاح نحوي" لا مناسبة له في الجملة، فمثل:"كان على غائبا"، تعرب كلمة:"على" اسم "كان"، مع أنه في الحقيقة اسم للذات المعينة، وليس اسما "لكان" ولا علما عليها، لأننا لا نسميها باسم جديد خاص.... ونعرب "غائبا" خبر "كان" مع أنه في الحقيقة والواقع خبر عن:"على"، وليس خبرا عن:"كان" لأنها ليست مبتدأ فنجيء لها بخبر. غير أن الاصطلاح النحوي جرى بما سبق. وقد يكون المراد: الاسم المصاحب لكان، الملابس لها، والمراد بالخبر: أنه خبر بحسب الأصل.
و"كان" الناسخة وأخواتها من الأفعال التي تعمل عملها لا ترفع فاعلا، ولا تنصب مفعولا به، ولا تحتاج لأحدهما ما دامت ناسخة. غير أن هذه الأفعال الناسخة تؤنث لتأنيث اسمها، بالشروط والطرق التي يؤنث بها الفعل التام لتأنيث فاعله. وقد ذكرناها في موضعها الخاص من جـ2 ص 65 م 66.
ومكان المبتدأ: "النواسخ"، أو: نواسخ الابتداء؛ لأنها تحدث نسخاً، أى: تغييراً على الوجه الذى شرحناه ولا مانع من دخولها على المبتدأ النكرة
…
فيصير اسماً لها؛ إذ لا يشترط فى اسمها أن يكون معرفة فى الأصل، ولكن يشترط في اسمها ألا يكون شبه جملة، لأن اسمها في أصله مبتدأ، والمبتدأ لا يكون شبه جملة3
…
1 لا تدخل النواسخ على المبتدأ إذا كان واحدا مما يأتي:
1-
المبتدأ الذي له الصدارة الدائمة في جملته بحيث لا يصح أن يتقدم عليه شيء: كأسماء الشرط، وأسماء الاستفهام، وكم الخبرية، والمبتدأ المقرون بلام الابتداء
…
ويستثنى من هذا النوع الذي له الصدارة في جملته - ضمير الشأن، فيجوز أن تدخل النواسخ عليه.
"وقد تقدم عليه الكلام في باب الضمير ص 250".
وكذلك يستثنى المبتدأ إذا كان اسم استفهام، أو مضافا لاسم استفهام، فيجوز أن تدخل عليه "ظن وأخواتها" مع استيفائها الفاعل، ومع تقديم اسم الاستفهام وجوبا على الناسخ، نحو: أيهم ظننت أفضل؟ وغلام أيهم ظننت أفضل؟ ولا تدخل هنا "كان"، ولا "وأن" ولا أخواتها، لأن الإسم في بابي:"كان وإخواتها" لا يتقدم على العامل، وأما الخبر فيجوز أن يتقدم في بابي:"كان وظن" وأخواتهما إذا كان اسم استفهام، أو مضافا إلى اسم استفهام، نحو: أين كنت وأين ظننت محمودا
…
بشرط ألا يمنع من التقدم مانع مما سيجيء عند الكلام على تقدم خبر "كان". أما خبر "إن" وأخواتها فلا يتقدم.
ب- المبتدأ الذي يجب حذفه، وخبره نعت مقط ع. وقد تقدم الكلام عليه، في ص 510.
جـ- كلمات معينة لم تقع إلا مبتدأ في ألأساليب الواردة التي لا يجوز تغيير هيئتها لأنها جرت مجرى الأمثال، والأمثال لا تتغير كالكلمات الملازمة للابتداء، في نحو: لله در الخطيب، ونحو:"أقل رجل يفعل ذلك"، "وقد سبق الكلام عليهما في باب المبتدأ ص 474 و 450" ونحو:"ما" التعجبية مثل "ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا" وهذا النوع يسمى: "الملازم للابتداء بنفسه""أي: بسبب مزية في نفسه امتاز بها: وهي، أن العرب خصته بالابتداء فلم تستعمله إلا مبتدأ" وكل هذا يسمى: "الاسم غير المتصرف في استعماله" لأنه مقصور على ضبط واحد، وطريقة واحدة في الاستعمال، لا يتجاوزها وليس من اللازم أن يكون مرفوعا فمن أنواعه ما هو مقصور على النصب أو غيره - كالمنصوب على المصدرية لداع، كنيابته عن فعل الأمر في مثل:"سقيا، ورعيا"، "وقد سبق الكلام عليهما في ص 515، فليس أصله المبتدأ الذي يصلح لدخول النواسخ عليه.
ومما يتصل بهذا: المبتدأ المقصور - في الغالب - على معنى واحد لا يستعمل في غيره، كالدعاء، أو القسم، أو غيرهما مع ملازمته صيغة واحدة لا تتغير صورتها، ومع ملازمته الإفراد فلا يكون مثنى، ولا جمعا، كقولهم في الدعاء:"طوبى للأمين" ولا يكون الخبر لكلمة: "طوبى" إلا الجار مع مجروره، "كما سبق في "أ" من ص 481" ومن أمثلته أيضا قول على رضي الله عنه:"طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس". ومثل كلمتي: "ويل، وسلام" في قولهم: "ويل للخائن. وسلام على المصلح"، واللفظان الأخيران يستعملان في غير الابتداء أحيانا. وقولهم في القسم: أيمن الله لألتزمن الإنصاف. ولهذا القسم بيان يتصل بتركيبه في رقم 2 من ص 519.
د- الملازم للابتداء بسبب غيره كالاسم الواقع بعد "لولا" الامتناعية، و "إذا" الفجائية
…
فإنهما لا يدخلان إلا على المبتدأ، مثل، لولا العلوم ما تقدمت الحضارة، ومثل: خرجت فإذا الأصدقاء.
2 كما سبق في رقم 4 من هامش ص 486 وفي رقم 11 من ص 488.
3 كما تقدم في رقم 6 من هامش ص 442 و "أ" من ص 447.
ومما سبق يتبين أن النواسخ بحسب التغيير1 الذى تحدثه ثلاثة أنواع: نوع يرفع اسمه وينصب خبره - فلا يرفع فاعلا، ولا ينصب مفعولا - مثل:"كان وأخواتها"، ونوع ينصب اسمه ويرفع خبره؛ مثل:"إن وأخواتها"، ونوع ينصب الاثنين ولا يستغنى عن الفاعل؛ مثل:"ظن وأخواتها". ولكل نوع أحواله وأحكامه المفصلة فى بابه الخاص. وكلامنا الآن على: "كان" وأخواتها من الأفعال الناسخة التي تعمل عملها2، وتسمى أيضاً: الأفعال الناقصة3.
وفيما يلي بيان أشهرها، وشروطه عمله، ومعنى كل فعل:
إنها ثلاثةَ عَشَرَ فعلا4؛ كان - ظل - بات - أصبح - أضحْى -
1 أما النواسخ بحسب صيبغتها وتكوينها اللفظي فثلاثة أنواع أيضا. "أفعال" مثل: كان وأكثر أخواتها، و "أسماء" وهي المشتقات من مصادر تلك الأفعال التي يمكن الاشتقاق منها، مثل مصادر كان، واصبح، وأمسى.... فيقال: يكون - كن - كائن.... وهكذا.
وحروف " مثل: "ما الحجازية" من أخوات كان.... ومثل "إن" وأخواتها.
2 ولها نظائر أخرى من الحرو ف تعمل عملها سيجيء الكلام عليها في 593.
3 سميت "ناقصة" لأن كل فعل منها يدل على "حدث ناقص""أي: معنى مجرد ناقص" لأن إسناده إلى مرفوعه لا يفيد الفائدة الأساسية المطلوبة من الجملة الفعلية إلا بعد مجيء الاسم المنصوب، فالاسم المنصوب هو الذي يتمم المعنى الأساسي المراد، ويحقق الفائدة الأصلية للجملة، وهذا يخالف الأفعال التامة، فإن المعنى الأساسي يتم بمرفوعها الفاعل، أو نائب الفاعل، "فكان" الناقصة مثلا تدل مع اسمها على حصوله ووجوده وجودا مطلقا "وهو: ضد العدم" وهذا معنى غير مراد، ولا مطلوب، فإذا جاء الخبر تعين المعنى المطلوب، وتحدد.
و"صار" مع اسمها تدل على مجرد تحوله، وانتقاله من حالته، من غير بيان لحالته الجديدة. ولا توضيح لما انتهى إليه أمره، والخبر هو الذي يبين ويوضح.
و"أصبح" مع اسمها تدل على مجرد دخوله في وقت الصباح، وليس هذا هو المقصود من الناقصة فإذا جاء الخبر كان كفيلا بتحقيق المراد. وهكذا....
وليس السبب في تسميتها "ناقصة" أنها تتجرد للزمان وحده، ولا تدل معه على حدث معنى" كما يقول بعض النحاة - وأشرنا إليه في رقم 2 من هامش ص 46 -، فهذا الرأي مدفوع بأدلة كثيرة جاوزت العشرة، وسجلتها المطولات "وقد أشار إلى بعضها بإيجاز محمود، ومنطق سليم: صاحب "حاشية الأمير على المغنى" في الباب الثالث المجلد الثاني، عند الكلام على تعلق الظرف والجار والمجرور بالفعل الناقص".
4 غير الأفعال التي بمعنى: "صار" وستذكر بعدها في ص 557، وغير "أفعال المقاربة" وما يتصل بها. ولها باب مستقل- في ص 614-، وغير أفعال أخرى قليلة الشهرة، لقلة استعمالها ناقصة في فصيح الأساليب، مثل أفتأ، بمعنى: فتيء
…
هذا والأفعال السبعة الأولى كاملة التصرف نسبيا- إذ يجيء من مصدرها أكثر المشتقات- "وليس" جامدة بالاتفاق، و "دام" جامدة على الأصح. والأربعة الباقية، ناقصة التصرف.
كما سيجيء في ص 567.
أمسى - صار - ليس - زال - برح - فتئ - انفك - دام. وكل هذه الأفعال تشترك فى أمور عامة، أهمها1:
أنها لا تعمل إلا بشرط أن يتأخر اسمها عنها2، وأن يكون خبرها غير إنشائي؛ فلا يصح: كان الضعيف عاونْهُ3. وأن يكون الاسم والخبر مذكورين معاً، ولا يَصح - مطلقاً - حذفهما معا، ولا حَذف أحدهما. إلا "ليس"، فيجوز حذف خبرها، وإلا "كان" فيجوز فى أسلوبها أنواع من الحذف. وسيجئ البيان عند الكلام عليهما4.
وألا يتقدم الخبر عليها إذا كان اسماً متضمناً معنى الاستفهام؛ وهى مسبوقة بأحد حرفى النفى: "ما" أو: "إن"؛ فلا يقال: أين ما يكون الصديق؟ ولا أين إنْ يكونُ الصديق؟ ولا أين ما زال العمل؟ لأنّ "ما" و"إنْ" النافيتين لهما الصدارة فى كل جملة يدخلان عليها؛ فلا يصح أن يسبقهما شىء من تلك الجملة، وإلا كان الأسلوب فاسداً5.
وأنها إذا كانت مسبوقة بما المصدرية وجب ألا يسبقها شيء من صلة "ما"، لأن "ما المصدرية بنوعيها" لا يسبقها شيء من صلتها - كما تقدم6 -.
وأن صيغتها حين تكون بلفظ الماضى، وخبرها جملة فعلية مضارعية - لا بد أن يماثلها زمن هذا المضارع؛ فينقلب ماضياً7 - عند عدم وجود مانع -؛
1 انظر ما نقلناه عن النحاة - في رقم 4 هامش ص 410 - من قولهم: لم يرد في الكلام الفصيح وقوع "أن المصدرية" بنوعيها "المخففة، والناصبة للمضارع" مع صلتها مبتدأ يستغنى عن الخبر بحال سدت مسده، ولا يعد "كان""وأن" الناسخين بغير فاصل من غيرهما.... وكذلك "ما" المصدرية - راجع البيان هناك -.
2 وسيأتي هذا عند الكلام على حكم معموليها من ناحية التقديم والتأخير - ص 569.
3 لا فرق في المنع بين الإنشاء الطلبي، مثل: كان والدك احترمه، وغير الطلبي مثل: كانت صحتي "يحفظها الله، أو: يكون مالي أدامه الله" على أن تكون الجملة الأخيرة في المثالين دعائية، فلا يصح اعتبار "كان" ناسخة في هذه الأمثلة وأشباهها مما وقع فيها الخبر جملة. إنشائية وللإنشاء بنوعيه إيضاح في رقم 2 من هامش ص 374.
4 في ص 558 و 580.
5 راجع منع هذا التقدم في ص 569 وفي رقم 3 من هامش ص 570.
6 في ص 407.
7 كما سبق هذا عند الكلام على أحوال المضارع من ناحية دلالته الزمنية - ص 61 - ومنه يعلم أنه لا يدخل في هذا الحكم الفعل المضارع الذي في خبر النواسخ الدالة على الحال فقط، كأفعال الشروع، أو الدالة على الاستقبال فقط، كأفعال الرجاء.
ففى مثل: أصبح العصفور يغرد - يكون زمن المضارع "يغرد" ماضياً، مع أن الفعل مضارع، ولكنه - هووكل الأفعال المضارعة - يتابع زمن الفعل الماضى الناسخ، بشرط عدم المانع الذى يعينه لغيره - كما أشرنا -.
وأن أخبارها لا تكون جملة فعلية ماضوية، ما عدا "كان" فإنها تمتاز بصحة الإخبار عنها بالجملة الماضوية1.
بقي من شروط الخبر: أن يتمم المعنى بنفسه مباشرة مع الاسم - وهو الغالب - وقد يتممه في بعض الأحيان بمساعدة النعت، طبقا للبيان المفصل الذي سبق في باب:"المبتدأ والخبر" موضحا بالأمثلة....
ويشترط في الخبر أيضا ألا يكون معلوما من اسم الناسخ وتوابعه، كما في البيان السالف2.
أما فى غير الأمور المشتركة السالفة فلكل فعل ناسخ - وكل ما قد يكون لمصدره من مشتقات 3 - معناه الخاص مع معموليه4 وشروطه الخاصة التى سنعرضها فيما يلى:
1 راجع حاشية الألوسي على القطر ص 340 غير أن المراجع الأخرى تضطرب في هذا الحكم وتختلف اختلافا واسعا "تبدو صور منه في حاشية ياسين على التصريح، جـ1 أول هذا الباب، وفي الهمع جـ 1 ص 113....." وخير ما يستخلص من تلك الآراء هو:
1-
ما قاله الهمع، ونصه:"شرط ما تدخل عليه: "صار" وما بمعناهما، و "دام" و "زال" وأخواتها - زيادة على ما سبق - ألا يكون خبره فعلا ماضيا "يريد: جملة ماضوية " فلا يقال صار زيد علم، وكذا البواقي، لأنها تفهم الدوام على الفعل، واتصاله بزمن الإخبار، والماضي يفهم الانقطاع، فتدافعا، وهذا متفق عليه.... " أهـ.
ب- أما في غير تلك الأفعال فالصحيح جوازه مطلقا، وعليه البصريون، لكثرة وروده في القرآن، والكلام الفصيح كثرة تبيح القياس عليه - وقد عرض "الهمع" أمثلة متعددة من هذا الوارد
…
أما الكوفيون فيشترطون لصحته وجود "قد" قبله، ثم إ ن المفهوم من الحاشية التي على شرح التصريح، بعنوان "فائدة" - برغم تعدد الآراء فيها أن المستحسن غاية الاستحسان - وإن لم يبلغ حد الوجوب عند غير الكوفيين - هو اقتران الخبر بالحرف:"قد" إن كان الفعل الناسخ وفعل الخبر ماضيين معا، أو مضارعين معا. فمتى تماثل في نوعهما الفعلان - الفعل الناسخ والفعل الذي في خبره- فالمستحسن تصدير الخبر بالحرف، "قد" ويجوز عدم مجيئها. وتمتاز "كان" بجواز مجيء "قد" وعدم مجيئها في الحالات السالفة، وغيرها من سائر حالاتها الأخرى. كما تشهد بهذا النصوص العالية الفصيحة التي عرضها النحاة ويقوي مجيء "قد" في الخبر حجة الكوفيين التي ستذكر في رقم 2 من هامش ص 559 ثم انظر ما يتصل بالأخبار وبهذا في ص 254 لأهميته.
2 في هامش ص 443.
3 انظر ما يختص بجمود هذه الأفعال واشتقاقها في ص 567.
4 لأن الفعل وحده بدون معموله لا يحقق الغرض، لأنه يدل على مجرد معنى جزئي غير معين =
كان: نفهم معناها من مثل: كان الطفل جارياً؛ فهذه الجملة يراد منها إفادة السامع أن الطفل موصوف بشئ؛ هو: "الجرى"، وان الجرى فى زمن ماض؛ بدليل الفعل:"كان".
ولوقلنا: يكون الطفل جارياً - لكان المراد إفادة السامع أن الطفل موصوف بشئ؛ هو: "الجرى"، وأن الجرى فى زمن حالى أومستقبل، بدليل الفعل المضارع:"يكون".
ولوقلنا: كن جاريًا - لكان المراد إفادة السامع أن المخاطب موصوف بتوجه طلب معين إليه؛ هو؛ مباشرة الجرى، أى: مطالبته بالجرى فى المستقبل؛ بدليل فعل الأمر: "كُنْ".
مما سبق نفهم المراد من قول النحاة: "كان" مع معموليها تفيد مجرد اتصاف اسمها بمعنى خبرها اتصافاً مجرداً1 فى زمن يناسب صيغتها. فإن كانت صيغتها فعلاً ماضياً فالزمن ماض، بشرط ألاّ يوجد ما يجعله لغير الماضى المحض. وإن كانت صيغتها فعلاً مضارعاً خالصا2 فالزمن صالح للحال والاستقبال بشرط لا يوجد ما يجعله لغيرهما، وإن كانت صيغتها فعل أمر فالزمن مستقبل؛ إن لم يوجد ما يجعله لغيره -. وإن كانت الصيغة إحدى مشتقات مصدرها فالزمن على حسب ما يناسب هذا المشتق3.
حكمها: لا بد لإعمالها هي والمشتقات من تحقق الشروط العامة السالفة.
وقد تستعمل "كان" الناسخة بمعنى: "صار"4 فتأخذ أحكامها، وتعمل عملها بشروطه؛ مثل: جمد الماء فكان ثلجاً - احترق الخشب فكان تراباً5.
1 ولا محدد - في زمن خاص، ولا يدل على أكثر من هذا، كالصبح في: أصبح، والمساء في، أمسى والضحا: في أضحى.... ويكون الزمن ماضيا أو حالا أو مستقبلا على حسب نوع الفعل الناسخ. أما الفعل مع معموليه فيدل على اتصاف الاسم بمعنى الخبر في زمن معين، اتصافا ينشأ عنه أن تؤدي الجملة معناها المطلوب الأساسي كاملا واضحا.
1 اتصافا مجردا، أي: لا زيادة معه، لأنها لا تدل بصيغتها على نفي، أو دوام، أو تحول، وزمن خاص، - كالصباح والمساء، والضحا- ولا على غير ذلك مما تدل عليه أخواتها. حقا إنها تدل على الزمن الماضي أو غيره، ولكن دلالتها عليه مطلقة، ولا غير ذلك مما تدل عليه أخوتها. حقا إنها تدل على الزمن الماضي أو غيره، ولكن دلالتها عليه مطلقة، إذ لا تقييد فيها بالصباح، أو المساء، أو غيرهما.
2 أي: حقيقيا، بمعنى أنه غير مصحوب بما يجعل زمنه الماضي فقط، مثل:"لم" أو للمستقبل فقط، مثل:"سوف" أو للحال مثل: "ما النافية....
3 طبقا للأحكام الخاصة بكل مشتق، والمدونة في بابه.
4 سيجيء في ص 556 الكلام على "صار"، وشروطها، ومعناها الذي هو: التحول والانتقال من حالة إلى أخرى....
5 ومنه قوله تعالى {وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا، وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا} ، أي:"صارت" فيهما، لأن المعنى يقتضي هذا.
وقد تستعمل بمعنى: "بَقِىَ على حاله، واستمر شأنه من غير انقطاع ولا تَقَيُّدٍ بزمن معين"1 نحو: كان الله غفوراً رحيماً.
وقد تستعمل تامة2، وتكثر فى معنى: حصل وظهر "أىّ: وُجِد" فتكتفى بفاعلها؛ نحو: أشرقت الشمس فكان النورُ، وكان الدفء، وكان الأمن. أى: حصل وظهر، ومثل قول الشاعر يصف إحدى البقاع3:
وكانت، وليس4 الصبح فيها بأبيض
…
وأضحت5، وليس الليل فيها بأسود6
وما تقدم من الأحكام للفعل الماضى: "كان" يثبت لباقى أخواته المشتقات؛ كالمضارع، والأمر، واسم الفاعل. و. و..
هذا، وتضم الكاف من الفعل الماضى:"كان" عند اتصاله بضمائر الرفع المتحركة؛ كالتاء، ونون النسوة، طبقاً للبيان الذى سلف مفصلا7.
وبقى من أحكام "كان" أربعة أخرى سيجئ الكلام عليها مفصلاً فى موضعه من آخر هذا الباب؛ وهى: أنها تقع زائدة8، وأن الحذف يتناولها كما يتناول أحد معموليها9، أوهما معاً، وأن نون مضارعها قد تحذف10، وأن خبرها قد ينفى. وهذا الأخير يجئ الكلام عليه مع باقى الأخبار الأخرى المنفية11.
1 سبقت إشارة لهذا في آخر ص 55.
2 الفعل التام - كما سبق في رقم 545 - هو ما يكتفي بمرفوعه في إتمام المعنى الأساسي للجملة.
3 بأنها في الصبح مظلمة بظلام الليل، لغياب بعض الوجوه المشرقة المنيرة. فإذا ظهرت تلك الوجوه عند الضحا زال الظلام، وحل محله بياض النور. وشبيه بهذا قول القائل في المعنى نفسه:
أرى الصبح فيها منذ فارقت مظلما
…
فإن أبت صار الليل أبيض ناصعا
4 ليست هذه الواو من نوع "الواو" الداخلة في خبر الناسخ، والتي يجيء الكلام عليها في:"أ" من الصفحة التالية متضمنا شروطها....
5 أضحى هنا تامة، كما سيجيء في ص 555.
6 ومن الأمثلة أيضا قول حسان رضي الله عنه، يخاطب المشركين في مكة حين اعترضوا المسلمين القادمين من المدينة لزيارة الكعبة.
فإما تعرضوا عنا اعتمرنا
…
وكان الصبح وانكشف الغطاء
وإلا فاصبروا لجلاد يوم
…
يعز الله فيه من يشاء
7 في رقم 2 من هامش ص 165.
8 ص 579.
9 ص 580.
10 ص 588.
11 ص 590.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
"ا" إذا وجد نفى قبل "كان" الماضية والمضارعة وكان خبرها جملة مقترنة "بإلا" الاستثنائية الملغاة - جاز أن يقترن بالواو؛ كقول الشاعر:
ما كانَ من بَشَرٍ إلا ومِيتتُهُ
…
محْتومة؛ لكِنِْ الآجالُ تختلفُ
لأن النفى قد نقض هنا بـ "إلا". والنفى ونقضه شرطان - على الصحيح - لزيادة الواوفى الجملة الواقعة خبر: "كان" أومضارعها - كما تقدم-.
وهذه الواوتسمى "الواوالداخلة على خبر الناسخ" وتدخل أيضاً فى خبر "ليس بالشرط السالف كما سيجئ1. وقد سُمعت2 قليلا فى خبر غيرهما من النواسخ. ولا يصح القياس على هذا القليل.
وبرغم أن وجودها جائز فى غير القيل مما ذكرناه، فإن الخير - كما يرى كثير من النحاة - فى العدول عنها؛ حرصاً على الدقة فى التعبير، وبعداص عن اللبس الذى قد ينشأ بين هذه الواو والواوالأخرى التى للحال - أوغيره -، ولكل منهما معنى يخالف معنى النوع الأخر3. والبراعة تقتضى الإبانة التامة، وتجنب أسباب اللبس والاشتباه؛ نزولاً على حكم البلاغة.
1 في ص 561 وقد جاء في الصبان - جـ 2 باب: "لا النافية للجنس" عند بيت ابن مالك: "وركب المفرد فاتحا...." - ما نصه:
"قال الروداني: قولهم إن خبر الناسخ تدخله الواو....، غير مسلم على إطلاقه. وحاصل ما في "التسهيل والهمع" أن الخبر إن كان جملة بعد "إلا" لم يقترن بالواو، إلا بعد "ليس وكان" المنفية، دون غيرهما من النواسخ، وبغير "إلا" يقترن بالواو بعد "كان" وجميع أخواتها، لا بعد جميع النواسخ. هذا عند الأخفش وابن مالك. وغيرهما لا يجيز اقتران الخبر بالواو أصلا. وحملوا ما ورد من ذلك على أنه حال، والفعل تام لا ناقص، أو محذوف الخبر للضرورة" أهـ.
ومن أمثلة الواو في خبر "ليس" قول الشاعر:
ليس شيء إلا وفيه - إذا ما
…
قابلته عين البصير - اعتبار
وسيعاد البيت في ص 561 لمناسبة هناك.
2 راجع الصبان جـ1 في هذا الموضع آخر باب "كان" وفي جـ 2 منه، أول باب:"لا" النافية للجنس- وقد ذكرنا بعض الأمثلة المسموعة في رقم 2 من هامش من ص 687.
3 ولعل هذا كان السبب فيما ذهب إليه بعض النحاة الأقدمين من منع استعمال هذه الواو، وفي تأويل النصوص القديمة المشتملة عليها تأويلا يتجه مرة إلى اعتبار الواو للحال، والجملة بعدها في =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
"ب" من الأساليب الأدبية الشائعة: "كائناً ما كان"، و"كائناً من كان"؛ فى مثل: سأفعل ما يقضى به الواجب؛ كائناً ما كان. وسأحقق الغرض الكريم كائناً ما كان
…
أى: سأفعل ذلك مهما جدّ وكان ذلك الواجب؛ وذلك الغرض. ومثل: سأرد الظالم: "كائناً من كان" - سأكرم النابغ "كائناً من كان"
…
أى: سأفعل ذلك مهما كان الإنسان الظالم، أوالنابغ.
أما إعرابه فمتعدد الأوجه: وأيسر ما يقال وأنسبه هو: "كائناً" حال منصوب، واسمه1 ضمير مستتر تقديره:"هو" يعود على الشئ السابق، و"ما" أو"من" نكرة موصوفة مبنية على السكون فى محل نصب خبر "كائن". و"كان" فعل ماض تام، وفاعله ضمير مستتر يعود على "ما" أو"من" والجملة من الفعل والفاعل فى محل نصب صفة "ما" أو"من". والتقدير النحوىّ: سأفعل ذلك كائناً شيئاً كان. أو: كائناً إنساناً كان. أى: سأفعل ذلك كائناً أىّ شئ وجد أوأىّ إنسان وجد2.
ومن الأساليب المرددة فى كلام القدامى الفصحاء - برغم غرابتها اليوم - قولهم: "ربما اشتدت وَقْدة الشمس على المسافر فى الفلاة؛ فكان مما يُغَطِى رأسَه وذراعيه، وربما ثارت الرمال؛ فكان مما يَحْجُبُ عينيه ومنخريه
…
" يريدون: فكان ربما يُغَطى رأسه - وكان ربما يحجب عينيه ومنخريه، أى: يغطيهما
…
فكلمة: "مما" بمعنى: "ربما"3....
= محل نصب حال، وخبر الناسخ محذوف. ومرة إلى أنها زائدة شذوذا.... و.... و.... ونحن في غنى عن هذا كله بتركها، وعدم القياس على المسموع منها. "راجع ص 561 ورقم 2 من هامش ص 687".
1 لأنه اسم فاعل من "كان" الناقصة، فيعمل عملها.
2 تخيرنا ما سبق من بين الآراء المنثورة في المراجع المختلفة، ومنها الجزء الأول من "الأشموني، والتصريح"، في باب:"كان وأخواتها" عند الكلام على: "كان التامة" وما يشاركها من أخواتها.
3 تصدى لهذا الأسلوب عالم معاصر من تونس - هو: الأستاذ محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله وكان عضوا مرسلا بالمجمع اللغوي بالقاهرة- وخصه ببحث في الجزء التاسع من مجلة المجمع "ص 116" عرض في الجلسة "الحادية عشرة" من جلسات مؤتمر المجمع في دورته "الثامنة عشرة"، ووافق عليه المجمع والمؤتمر، وقرر أن ذلك أسلوب لغوي يراد منه الكثرة، وقد يدل على القلة أحيانا. والبحث نفيس وملخصه مع الإيجاز =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= هو: أن بعض المركبات استعملت استعمال كلمة مفردة، كالذي ورد في "صحيح البخاري" عن ابن عباس ونصه:"كان رسول الله يعالج التنزيل شدة إذا نزل عليه الوحي، وكان مما يحرك لسانه وشفتيه...." وقد أهمل ابن الأثير في كتابه: "النهاية" معنى قوله: "مما يحرك لسانه وشفتيه" وفسره عياض في كتابه: "المشارق" بأن معناه: "كثيرا ما يحرك به لسانه وشفتيه" وبعد أن فسره روى عن أحد الأئمة من شراح الحديث ما يأتي: "في مثل هذا كأنه يقول: هذا من شأنه ودأبه، فجعل" ما" كناية عن ذلك، ثم أدغم "النون" أهـ. وقال آخر: "إن معنى: "مما" هنا هو: "ربما" وهذا من معنى ما تقدم، لأن "ربما" تأتي للتكثير أيضا، وفي "مسلم"، في حديث:"النجوم أمنة السماء: "وكان كثيرا مما يرفع رأسه إلى السماء" ثم قال: تكون "مما" هنا بمعنى: "ربما التي للتكثير، وقد تكون فيها زائدة" أهـ مسلم ثم قال الباحث المعاصر: ما نلخصه في المسائل الآتية:
1-
شواهد هذا الاستعمال كثيرة في الحديث والشعر، منها - غير ما تقدم قول رافع في "البخاري" في باب "الحرث والزرع": "كنا نكري الأرض بالناحية، منها مسمى لسيد الأرض، قال فمما يصاب ذلك وتسلم الأرض، ومما تصاب الأرض ويسلم ذلك
…
": ومنها قول ابن عباس الوارد في "صحيح مسلم" في كتاب: تعبير الرؤيا "إن رسول الله كان مما يقول لأصحابه: "من رأي منكم رؤيا فليقصها أعبر هاله" ومنها قول البراء بن عازب: "كنا إذا صلينا خلف رسول الله مما نحب أن نكون عن يمينه. " ومنها قول أبي حية النميري:
وإنا لمما نضرب الكبش ضربة
…
على رأسه تلقي اللسان من الفم
ثم قال الباحث: تعرض لهذا اللفظ "السيرافي" في شرح كتاب سيبويه. بما نصه عند قول سيبويه: "اعلم أنهم مما يحذفون الكلم وإن كان أصله في الكلام غير ذلك
…
" اهـ. وهنا قال السيرافي: "أراد: ربما يحذفون.... وهو يستعمل هذه الكلمة كثيرا في كتابه. والعرب تقول: أنت مما تفعل كذا.... أي: ربما تفعل. وتقول العرب أيضا: "أنت مما أن تفعل. أي: أنت من الأمر أن تفعل، فتكون "ما" بمنزلة الأمر - أي: الشيء - و "أن تفعل" بمنزلة الفعل، أي: مصدر تقديره "فعل"، أي: بمنزلة هذا اللفظ - ويكون "أن تفعل"، في موضع رفع بالابتداء، وخبره: "مما" وتقديره: أنت فعلك كذا وكذا من الأمر الذي تفعله" أهـ كلام السيرافي كما نقله الباحث.
2 من السيرافي أخذ ابن هاشم في كتابة: "المغني" عند الكلام على معاني: "من"، فقال عن العاشر من معانيها:"مرادفة "ربما" وذلك إذا اتصلت "بما" كما في قول الشاعر أبي حية النميري:
وإنا لمما نضرب الكبش ضربة
…
على رأسه تلقي اللسان من الفم
قال السيرافي وفريق غيره من النحاة، وخرجوا عليه قول سيبويه:"واعلم أنهم مما يحذفون الكلم...." والظاهر أن "من" فيهما ابتدائية، و "ما" مصدرية، وأنهم جعلوا كأنهم خلقوا من الضرب مثل خلق الإنسان من عجل" اهـ.
ثم قال الباحث:
في كلامه هذا احتمال مخالفتهم في أن جعلوها بمنزلة: "ربما، " لأن: "ربما" لا تعيين للتكثير، واحتمال أنه فسر كلامهم بحمله على إرادة التكثير كما فسر آخرون.
وقد أشار ابن هشام- كبعض من سبقوه - إلى كيفية الحذف التي اعتورت هذا التركيب، وأبقت =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= فيه معنى التكثير، أو معنى "ربما، "، أو غير ذلك، كما هو واضح من كلامهم حيث يظهر ترددهم في منشأ معنى التكثير، أمنشؤه الحرف "من" كما يرى ابن هشام، أم الحرف "ما" كما يرى غيره؟
3-
ويقول الباحث: ينبغي التنبيه إلى أن هذا التركيب إذا استعمل هذا الاستعمال يجيء في موضع خبر المبتدأ ويجيء في موضع خبر "كان" وفي موضع الحال، فمن ظن اختصاص ذلك بخبر "كان" فقد وهم. كما ينبغي التنبه إلى أن أصل استعماله في هذا المعنى ألا يصرح معه بلفظ الكثرة، فما وقع فيه لفظ:"كثيرة" فهو جار مجري التفسير من الراوي، أو مجرى التأكيد من القائل، لخفاء دلالة التركيب على التكثير، ومثاله قول سمرة بن جندب: "كان رسول الله مما يكثر أن يقول لأصحابه هل رأي أحد منكم رؤيا
…
؟ " وقول أبي موسى: "وكان رسول الله كثيرا مما يرفع رأسه إلى السماء".
والتنبه كذلك إلى أن قول السيرافي: "وتقول العرب أيضا "أنت مما أن تفعل...." غريب، لا يعرف شاهده من فصيح الكلام، فضلا عن كون الحرف "أن" فيه غير واقع موقعا، مع ما فيه من اجتماع ثلاثة أحرف متوالية من أحرف المعاني، وهي: "من" و "ما" و "أن" سواء أجعلت "ما" مصدرية أم زائدة وإلى هنا انتهى كلام الباحث، بعد الاستغناء عن بضع كلمات منه.
هذا ويوضح ما سبق أيضا قول سيبويه جـ1 ص 476" إن "من الجارة إذا كفت بالحرف "ما" الزائدة قد تكون بمعنى: "ربما" واستشهد بالبيت السالف.
وجاء في آخر الجزء الرابع من القاموس - باب الألف اللينة- عند الكلام على: "ما" وأنواعها، واستعمالاتها.... النص التالي:"إذا أرادوا المبالغة في الإخبار عن أحد بالإكثار من فعل، كالكتابة قالوا: "إن زيدا مما أن يكتب" أي: إنه مخلوق من أمر، ذلك الأمر هو الكتابة "أهـ.
وقد أشرنا بإيجاز - للأسلوب السابق في جـ2، باب "حروف الجر"، م 90 ص 431 عند الكلام على:"من".
ظل: تفيد مع معموليها اتصاف اسمها بمعنى خبرها طول النهار غالبا -، فى زمن ماض، أو حاضر، أو مستقبل، بحيث يناسب دلالة الصيغة المذكورة في الجملة1 نحو:
ظل الجو معتدلا يظل الجو معتدلا..... و.......
وتسعمل كثيراً بمعنى: "صار" عند وجود قرينة؛ فتعمل بشروطها2؛ نحوقوله تعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا} ، أى: صار3. وقد تستعمل تامة فى نحو: ظل الحر؛ بمعنى: دام وطال
…
شروط عملها: لا يشترط لها وللمشتقات أخواتها سوى الشروط العامة التى سلفت.
أصبح: تفيد مع معموليها اتصاف اسمها بمعنى خبرها صباحاً، فى زمن يناسب صيغتها. مثل أصبح1 الساهر مُتعباً. وتستعمل كثيراً بمعنى:"صار" فتعمل بشروطها2؛ مثل: أصبح النِّفطُ دِعامة الصناعة؛ وإنما كانت بمعنى: "صار" فى هذا المثال وأشباهه لأن المراد ليس مقصوراً على وقت الصبح. وإنما المراد التحول من حالة قديمة إلى أخرى جديدة ليست خاصة بالصباح.
وقد تستعمل - بكثرة - تامة فى نحو: أيها السارى4 قد أصبحت. أى: دخلت فى وقت الصباح5.
وشروط عملها هى الشروط العامة؛ فهى مثل: "ظل".
"1 و1" شرحنا معنى: "مناسبة الزمن للصيغة" في ص 548 ورقم 1 من هامشها.
2 وهي في ص 556.
3 لأنه وجهه لم يكن مسودا قبل البشري، وإنما تحول من لونه الأصلي إلى السواد بعد ولادة البنت.
4 المسافر ليلا.
5 وقد وردت زائدة هي و "أمسى" في كلام عربي قديم نصه: "الدنيا ما أصبح أبردها، وما أمسى أدفأها". والمراد: ما أبردها، وما أدفاها. وهذا لا يقاس عليه - كما سيجيء في رقم 2 من هامش الصفحة الآتية، وفي ص 581- وإنما نذكره لنفهمه، ونفهم نظيره مما قد يمر بنا في أثناء قراءة النصوص القديمة المقصورة على السماع.
أضحى: تفيد مع معموليها اتصاف اسمها بمعنى خبرها وقت الضحا، فى زمن يناسب صيغتها
…
مثل: أضحى الزارع نكبًّا على زراعته. وتستعمل كثيراً بمعنى: "صار" فَتعمل بشروطها فى مثل: أضحى الميدان الصناعى مطلوباً. وإنما كانت بمعنى: "صار" لأن المعنى ليس على التقيد بوقت الضحا أوغيره - وإنما على التحول والانتقال من حالى إلى أخرى. وقد تستعمل تامة في مثل: أضحى النائم، أي: دخل في وقت الضحا1.
شروط عملها: هى الشروط العامة التى سبقت؛ فهى وبقية المشتقات تشبه مثل: "ظل". في الاكتفاء بالشروط التامة.
أمسى: تفيد مع معموليها اتصاف اسمها بمعنى خبرها، مسَاءً فى زمن يناسب صيغتها؛ مثل: أمسى المجاهد قريراً. وتكون كثيراً بمعنى: "صار" فتعمل بشروطها؛ مثل: اقتحم العلم الفضاء المجهول: فأمسى معلوماً؛ أى: صار معلوماً؛ لأن المراد ليس التقيد بوقت المساء، وإنما المراد التحول والانتقال. وتستعمل تامة فى مثل: أمسى الحارس. أى: دخل فى وقت المساء2.
شروط عملها وعمل المشتقات من مصدرها: هى الشروط العامة السالفة. كظل.
بات: تفيد مع معموليها اتصاف اسمها بمعنى خبرها طول الليل؛ فى زمن يناسب صيغتها؛ مثل: "بات القادم نائماً، وقول الشاعر:
أبيتُ نجِيًّا للهموم كأنَّما
…
خلالَ فِراشى جمرةٌ تتوهَّجُ
وتكون تامة، فى مثل: بات الطائر؛ بمعنى: نزل ليقضى الليل فى بعض الأمكنة.
شروط عملها وعمل المشتقات هي الشروط العامة.
1 وفي مثل البيت الذي سبق - "ص 549" - وفيه "كان"، و "أضحى" تامتان - وهو:
وكانت وليس الصبح فيها بأبيض
…
وأضحت وليس الليل فيها بأسود
2 قلنا في رقم 5 من هامش الصفحة السالفة عند الكلام على "أصبح": إنها هي و "أمسى" تزادان كما في العبارة القديمة، "الدنيا ما أصبح أبردها، وما أمسى أدفأها"، وقلنا: إن هذا لا يقاس عليه.... كما سيجيء في ص 581.
صار: تفيد مع معموليها تَحَوُّلَ اسمها، وَتَغيُّرهُ من حالى إلى حالة أخرى ينطبق عليها معنى الخبر؛ مثل: صارت الشجرة باباً. أى: تحولت الشجرة "وهى اسم: صار" من حالتها الأولى إلى حالة جديدة، سميت فيها باسم جديد، هو:"باب""وهو؛ الخبر"، ومثل: صار الماء بخاراً؛ فقد تحول الماء "وهو: اسم: صار"، من حالته الأولى إلى حالة جديدة يسمى فيها:"بخاراً" وهوالخبر.
وتستعمل تامة في مثل: صار الأمر إليك، بمعنى، ثبت واستقر لك1 وفي مثل: إلى الله تصير الأمور، أي تتجه: وتخضع له وحده.
شروط عملها: يشترط فيها وفى الأفعال التى بمعناها2، وفي المشتقات من مصدرها.
"1" الشروط العامة السالفة.
"2" ألا يكون خبرها جملة فعلية فعلها ماض، فلا يصح صار الجالس وقف، ولا صار المتكلم سكت3.
1 أي: من أول الأمر من غير أن يكون هذا تحولا عن حالة سابقة.
2 الأفعال التي بمعناها سبق بعضها، وبعض أخر سيجيء، وكلاهما مدون في الصفحة التالية.
3 لأن خبر "صار" لا بد أن يكون معناه متصلا وممتدا إلى وقت الكلام، فإذا قلنا: صار الماء بخارا، وصار السباح يقفز. فلا بد أن يكون البخار والقفز موجودين عند النطق بهذا الكلام. فلو كان الخبر جملة ماضوية لدل على انقطاع المعنى قبل النطق بهذا الكلام، فيفسد المراد.
"أنظر ما يتصل بهذا في رقم 1 من هامش ص 547".
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
ويشترك مع صار فى المعنى، والعمل، والشروط، أفعال أخرى - غير التى سبقت1 - أشهرها أحدَ عشرَ، كل منها يصح أن تحل "صار" محله، واستعماله قياسىّ مثلها: وهي
1-
آض، مثل: آضَ الطفل غلاماً. وآض الغلام شابًّا: بمعنى: "صار" فيهما.
2-
رجع، مثل: قوله عليه السلام: "لا تَرْجِعوا بعدى كفارا يَضْربُ بعضكم رقابَ بعض".
3-
عاد، مثل:
عاد البلد الزراعى صناعيًّا.
4-
استحال، مثل: استحال الخشب فحماً.
5-
قعد، مثل: قعدتْ المرأةُ مكافحةً فى الميادين المختلفة.
6-
حار، مثل:
وما المرْءُ إلا كالشِّهاب وضوْئِهِ
…
يَخُورُ رَماداً بَعْد إذْ هوساطعُ
7-
ارتد، مثل قوله تعالى:{أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا} .
8-
تَحَول، مثل: تحول القطن نسيجاً، وتحولَ النسيح ثوباً رائعاً.
9-
غَدَا: مثل غَدَا العملُ الحرّ مرموماً. وقول الشاعر:
إذا غَدَا ملِكٌ بالَّلهومشتغلاً
…
فاحكمْ على مُلكه بالويْل والحَرَبِ2
10-
رَاح: مثل: رَاحَ المرءُ مقدَّراً بما يحسنه.
11-
جاء، فى مثل: ما جاءت حاجَتَك؟ فقد ورد هذا الأسلوب فى الأساليب الصحيحة المأثورة بنصب كلمة: "حاجة"، ومعناه: ما صارت حاجتك.؟ والمراد: أىُّ حاجة صارت حاجتك؟ وإنّما نُصِبتْ كلمة "حاجة" لأنها خبر "جاء" التى بمعنى: صار، واسمها ضمير يعود على "ما"
1 الإفعال التي سبقت، والتي تشارك "صار" في المعنى والعمل وشروطه.... هي "كان، ص 548" و "ظل - أصبح - أضحى - أمسى -.... في ص 554 و 555".
2 الخراب والنهب
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الاستفهامية التى تعرب مبتدأ مبنية على السكون فى محل رفع، والجملة من "جاء ومعموليها" فى محل رفع خبرها1.
1 يصح القياس على هذا الأسلوب، فيقال: ما جاء ت سفارتك ومفاوضتك....؟ من غير التقيد بكلمة: "حاجة" فيصح إحلال كلمة أخرى محلها على حسب المعنى. كما يجوز ضبط كلمة: "حاجة" ونظائرها بالرفع، فتكون اسم:"جاء"، و "ما" الاستفهامية خبرها، مقدما، في محل نصب. والمعنى: أي شيء صارت إليه حاجتك.
ليس: تفيد مع معموليها نفى اتصاف اسمها بمعنى خبرها فى الزمن الحالىّ نحو: ليس القطار مقبلاً. فالمراد نفى القدوم عن القطار الآن1. ولا تكون للنفى فى الزمن الحالى إلا عند الإطلاق، أى: عند عدم وجود قرينة تدل على أن النفى واقع فى الزمن الماضى، أوفى المستقبل: فإن وجدت قرينة تدل على أنه واقع فى أحدهما وجب الأخذ بها؛ نحو: ليس الغريب مسافراً أمس، أو: ليس سافر2 الغريب، أو: وزعت الحقول ليس حقلا3 أو: وجود الفعل الماضي4 بعدها، أوقبلها - دليل على أنه النفى للماضى
…
أما فى نحو: ليس الغر مسافراً غداً، أوقوله تعالى في عذاب الكافرين يوم القيامة:{أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ} ، فيكون النفى متجهماً للمستقبل؛ لوجود قرينة لفظية فى المثال؛ وهى كلمة:"غد"،
1 الحال، أو الآن، أو: الحاضر: هو زمن الكلام. وبالرغم من أنها لنفي الحال كثيرا - وقد تكون لنفي الزمن الماضي، أو المستقبل بقرينة- فإنها عند الإعراب تعرب فعلا ماضيا في كل أحوالها، وكذلك لو كانت للنفي المجرد من الزمن ومن العمل.
2 هذا الأسلوب صحيح، ولكنه غير شائع في الكلام القديم، فلا داعي لمحاكاته. والفعل والفعل في محل نصب خبر "ليس" واسمها ضمير الشأن، مستتر فيها، طبقا لرأي بعض النحاة، ومنهم ابن مالك وقد سبق عند الكلام على ضمير الشأن، "ص 250" وقلنا هناك "في رقم 2 من هامش ص 254" أن الأحسن في هذا الأسلوب ونظائره "مما يقع فيه فعل بعد "ليس" مباشرة بغير فاصل...." أن تكون هي حرف نفي مهمل، أي: لا يمل، فليس له اسم ولا خبر. وهذا الإعراب أيسر وأنسب، لأن وقوع الفعل معمولا تاليا مباشرة لعامله الفعل الذي هو من نوعه، قليل جدا في الكلام الصحيح- ولهذا الحكم صلة بما سبق في رقم 1 من هامش ص 547 - وإهمالها في هذه الصورة يوافق لغة تميم التي تهملها في كل الأحوال، وبلغتهم:"ليس الطيب إلا المسك" ولكن لا يحسن اليوم الأخذ برأي تميم، إلا في هذه الصورة التي أشرنا إليها.
ويقول القرطبي في ص 72 من مقدمة تفسيره، في باب:"الرد على من طعن في القرآن"، ما نصه:"إن العرب لم تقل ليس قمت: فأما لست قمت بالتاء فشاذ، قبيح، خبيث، رديء لأن "ليس" لا تجحد "أي: لا تنفي" الفعل الماضي، ولم يوجد مثل هذا إلا في قولهم: "أليس قد خلق الله مثلهم" وهو لغة شاذة...." " أهـ.
واشترط الكوفيون للقياس على هذا الأسلوب دخول "قد" على خبر "ليس" مجاراة للمثال المسموع، ولأن قد " تقربه من الحال.
3 ليس في هذا المثال فعل من أفعال الاستثناء كما سيجيء في بابه، جـ 2 م 83 ص 328.
4 ويفهم من هذا صحة وقوع الفعل الماضي في خبرها" ولكنه قليل قبيح - كما سلف في رقم 2 والمستحسن أن يكون هذا الماضي مقرونا بالحرف" قد" ليقربه من الحال طبقا لرأي الكوفيين الذين يشترطون هذا في الماضي خبر "ليس" "كما سبق هنا، وفي رقم - ب - من هامش ص 547".
أما الاعتراض بأن "ليس" لنفي الزمن الحالي فيلزم من الإخبار عنها بالماضي تناقض...." فقد أجاب عنه النحاة: بأنها تكون لنفي الحال في الجملة غير المقيدة بزمان "أما المقيدة به فنفيها على حسب القيد. هذا إلى أن "قد" تقربه من الحال كما عرفنا.
الدالة عليه ولوجود قرينة عقلية فى الآية تدل عليه أيضاً، هى: أن يوم القيامة لم يأت حتى الآن.
وقد يكون المراد منها نفى الحكم نفياً مجرداً من الزمن؛ كقول العرب: ليس لكذوب مروءة، ولا لحسود راحة، ولا لسيء الخلق سُؤْدُد.، وقولهم:"ليس منا من عق أباه1".
شروط عملها؛ وأحكامها:
"1" هى الشروط العامة.
"2" لا تستعمل تامة.
"3" لا يجوز تقدم خبرها عليها فى الرأى الأرجح2.
"4" يجوز حذف خبرها، إذا كان نكرة عامة؛ نحو: ليس أحد. أى: ليس أحد موجوداً، أونحوذلك
…
ويجوز جره بالباء الزائدة، بشرط ألا تكون أداة استثناء3؛ وبشرط ألا ينتقض النفى بإلا؛ نحو: ليس الغضب بمحمود العاقبة. وقول الشاعر:
وليس بِمُغْنٍ فى المودة شافعٌ
…
إذا لم يكنْ بين الضلوعِ شفيعُ
فإن نقض النفى بإلا لم يصح جر الخبر بالباء الزائدة؛ فلا يجوز ليس الغِثَى إلا بغِنَى النفس4
…
"5" لا يصح وقوع "إنْ" الزائدة بعدها5
…
6-
يجوز أن يتصل بآخرها الكاف التي هي حرف محض للخطاب 6: مثل: لستك محمدا مهملا. وقد سبق البيان المتصل بهذا7.
وبقي من أحكام ليس حكم يتعلق بخبرها المنفي. وسيجي الكلام عليه مع بقية الأخبار المنفية 8.....
1 عصاه وترك الإحسان إليه.
2 راجع مواضع تقدم الخبر هنا، في ص 569.
3 لأنها لو كانت أداة استثناء لكانت بمعنى: "إلا" والمقترن "بإلا" لا يزاد في أوله "الباء" - كما سيجيء في رقم 2 من هامش 607 - ومثلها: "لا يكون" الاستثنائية. أما الكلام على هذين الفعلين باعتبارهما من أفعال الاستثناء فمكانه باب: الاستثناء" ح2 ظ م 83 ص 276.
4 انظر رقم 4 من هامش ص 448 حيث الكلام على الناسخ الذي يحتاج إلى منصوب فيستغنى عنه بمرفوع. "ومن أمثلة هذا الناسخ: ليس".
5 راجع الصبان، والهمع - أول باب "ما" الحجازية.
6 وهو حرف متصرف على حسب المخاطب، إفرادا وتثنية وجمعا، مع التذكير أو التأنيث في كل ذلك.
7 في رقم 3 من ص 240.
8 في ص 590.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
"أ" أشرنا فيما سبق1 إلى أنه يجوز فى خبر "ليس" ما جاز فى خبر "كان" الماضية والمضارعة المسبوقة بالنفى، من اقترانه بالواوحين يكون جملة موجبة2، بسبب اقترانها بكلمة:"إلا"؛ كقول الشاعر:
لَيْس شَىْءٌ إلاّ وَفيهِ إذَا
…
قَابَلَتْهُ عيْنُ البَصيرِ اعبتارُ
وتسمى هذه الواو: "الواوالداخلة على خبر الناسخ" كما - عرفنا.
ونقول هنا ما قلناه فى "كان": من أن الأحسن العدول عن زيادتها، برغم أن وجودها جائز؛ حرصاً على دقة التعبير، وبعداً عن اللبس الذى قد ينشأ بين هذه الواووالأخرى التى للحال أولغيره
…
فلكل واحدة موضع تستعمل فيه ومعنى تؤديهن وتركها يريحنا مما قال بعض النحاة الأقدمين من تأويل للنصوص المشتملة عليها، وتكلف لا داعى له.
"ب" لا تقع "إن" الزائدة بعد "ليس"3 - كما أشرنا فى الصفحة السالفة - فلا يصح أن يقال: ليس إنْ الكذوب محترماً، مع أنه يجوز زيادتها بعد "ما" النافية المهملة التى معناها معنى "ليس"، مثل: ما إنْ الضعف محمود، أما وقوعها بعد "ما" الحجازية فيبطل عملها4.
"حـ" قد يقع بعد خبر "ليس" و"ما" معطوف مشتق، له أحكام مختلفة تجئ فى "ب" من ص 611.
1 في ص 550 وهامشها رقم 1 ويجيء في رقم 2 من هامش ص 689.
2 لأن "ليس" تفيد النفي، والاستثناء ينقض النفي.
3 صرح بهذا الصبان وصاحب "الهمع" في أول باب: "ما" الحجازية - كما أشرنا في رقم 5 من الصفحة السابقة.
4 كما سيجيء في "أ" من ص 594.
زال: تدل بذاتها على النفى، وعدم وجوج الشئ؛ من غير أن تحتاج فى هذه الدلالة للفظ آخر؛ فإذا وجد قبلها نفى أوشبهه "وهوالنهى والدعاء" انقلبت معناها للإثبات1؛ مثل: ما زال العدوناقماً. أى: بقى واستمر ناقماً. وفى هذه الحالة تفيد مع معموليها اتصاف اسمها بمعنى الخبر اتصافاً مستمرًّا لا ينقطع، أومستمرًّا إلى وقت الكلام، ثم ينقطع بعده بوقت طويل أوقصير؛ كل ذلك على حسب المعنى. فمثال المستمر الدائم: ما زال الله رحيماً بعباده - ما زال الفير كبير الأذنين. ومثال الثانى: لا يزال الحارس واقفاً. لا يزال الخطيب متكلماً.
ومثالها مع النهى: لا تزَلْ2 بعيداً عن الطغيان. ومع الدعاء "وأدواته هنا: "لا"، أو: "لن"" لا زال الخير منهمراً عليك فى قابل أيامك - لا يزال التوفيق رائدك فى كل ما تقدم عليه - لن تزال عناية الله تحرسك فيما يصادفك التوفيق رائدك فى كل ما تقدم عليه - لن تزال عناية الله تحرسك فيما يصادفك من مكايد
…
، بشرط أن يكون القصد من كل ذلك الدعاء للمخاطب
…
ولا تستعمل زال المسبوقة بالنفي أو شبهه تامة3
…
ويشبهها فى الدلالة على النفى بذاتها، وصيغتها، وفى اشتراط أداة نفى قبلها، أوشبهه للعمل - أخوات لها فى هذا، هى:"فتئ - برح - انفك وسيأتى الكلام على الثلاثة"4.
1 لأن نفي النفي إثبات. والنهي والدعاء يتضمنان في المعنى نفيا، لأن المطلوب بهما ترك شيء، وهذا الترك نفي.
2 في هذا المثال وأشباهه تكون: "لا" ناهية مع تضمنها معنى النفي - كما سبق في رقم 1 - وهي لا تدخل إلا على المضارع دائما، فإذا كان المضارع بعدها فعلا ناسخا من مضارع هذه الأربعة "زال - فتيء - برح - أنفك" كان متضمنا للنفي مع تضمنها للنهي، فيصير المعنى في المثال: أنهاك عن عدم البعد عن الطغيان. أي: أنهاك عن الطغيان. ومثلها "لن" التي للدعاء فإنها خاصة بالمضارع. بخلاف "لا" الدعائية، فإنها تدخل على الماضي والمضارع.
3 انظر رقم 1 من هامش ص 568 حيث الكلام على مبتدأ ناسخ "مثل: زائل" لا يحتاج إلى خبر إن كان هذا المبتدأ وصفا ناسخا يعمل، لأن اسم الناسخ يغني عن خبر المبتدأ....
4 ومثلها: "وإن كان قليل الاستعمال""ونسي"، و "رام" التي مضارعها "يريم" وكلاهما بمعنى "زال" الناسخة. ومن شواهد استعمالها:
لا يني الحب شيمة الحب ما دام،
…
فلا تحسبنه ذا ارعواء
وقوله:
إذا رمت ممن لا يريم متيما
…
سلوا فقد أبعدت من رومك المرمى
شروط إعمالها: وإعمال المشتقات من مصدرها
1-
يشترط فيها الشروط العامة.
2-
أن يسبقها نفى1 أونهى أودعاء؛ كالأمثلة التى سبقت. ولى فرق فى النفى بين أن يكون ظاهراً؛ مثل: لا زال الغِنى ثمرة الجدّ، وأن يكون مقدراً لا يظهر فى الكلام، ولكن المعنى يكشف عنه، والسياق يرشد إليه؛ مثل: تالله يزال الشحيح محروماً متعة الحياة حتى يموت. أى: تالله لا يزال. وحذف النفى قياسى بشرط أن يكون بالحرف: "لا" وأن يكون الفعل مضارعاً فى جواب قسم2.
3-
ألا يكون خبرها جملة فعلية ماضوية؛ فلا يصح: ما زال المسافر
1 سواء أكان النفي بالحرف، مثل:"ما" أم بفعل موضوع للنفي، مثل:"ليس"، تقول: ليس ينفك العزيز مكرما وقول الشاعر:
قضى الله يا أسماء أن لست زائلا
…
أحبك حتى يغمض العين مغمض
أو بفعل طاريء عليه النفي، مثل:"قلما"، في نحو:"قلما يبرح الأنبياء دعاة الهدى". فكلمة: "قلما" هنا تركت معنى التقليل، صارت بمعنى "ما" النافية، لوجود قرينة تدل على ذلك، هي: أن الأنبياء لا تبرح الدعوة للهدى مطلقا، إذ لا يصح أن يقال: إنها قد تترك دعوة الله بعض الأحيان.
أو بفعل يتضمن معنى النفي ويستلزمه، كالفعل، "أبي"، بمعنى: امتنع وكره، مثل أبيت أزال استغفر الله، لأن معنى:"أبيت" لم أفعل، أو باسم مثل، "غير" في نحو: "غير منفك العالم أسر علمه. ويستعان على إعراب هذا المثال بما سبق في رقم 1 من هامش ص 449 وبما يجيء في رقم 1 من هامش 568.
2 يصح أن تحذف أداة النفي قبل "زال" وأخواتها الثلاث بالشرطين المذكورين، لأن العرب تحذف أحيانا "لا" النافية في جواب القسم، مع ملاحظتها وتقديرها في المعنى، لأن اللبس عندئذ بين المنفي والموجب، مأمون، إذ لو كان الجواب غير منفي في المعنى والتقدير لوجب أن يكون المضارع مؤكدا باللام والنون معا، جريا على الأغلب والأقوى في جواب القسم عند البصريين، وبأحدهما عند كثرة الكوفيين. ومن أمثلة حذف "لا" قوله تعالى:"تا الله تفتأ تذكر يوسف...." أي: لا تفتأ.
جاء في أمالي أبي القاسم الزجاجي - ص 50 في بيت ليلى الأخيلية ترثى توبة، وصدره:"فأقسمت أبكى بعد توبة هالكا...." ما نصه: "تريد: لا أبكى بعد توبة هالكا.... والعرب تضمر "لا" النافية في جواب القسم مع ملاحظتها في المعنى، لأن الفرق بينه وبين الموجب قد وقع بلزوم الموجب اللام والنون، كقولك: والله لأخرجن. قال الله عز وجل: {تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُف
…
} أي: لا تفتأ تذكر يوسف" أهـ.
وقال الشاعر:
فقلت يمين الله أبرح قاعدا
…
ولو قطعوا رأسي لديك، وأوصالي
أما بيت ليلى الأخيلية في رثاء توبة كاملا فهو:
فأقسمت أبكي بعد توبة هالكا
…
وأحفل من دارت عليه الدوائر
أي: لا أبكي ولا أحفل
…
"حفله، وحفل به، يحفل.... اهتم وبالتي".
غاب: لأن زال تفيد مع معموليها استمرار المعنى إلى وقت الكلام ثم ينقطع بعده - كما سبق - أولا ينقطع. والخبر إذا وقع جملة فعلية ماضوية كان منافياً هذا، ومعارضاً له: لدلالته على الماضى وحده دون اتصال بالحال أوالمستقبل1.
4-
ألا يقع خبرها بعد: "إلا"؛ فلا يصح ما زال النجم إلا بعيداً: لأن النفى نقِضَ وزال بسبب: "إلا".
5-
أن يكون مضارعها هو: "يزال" التى ليس لها مصدر مستعمل. أما: "زال" التى مضارعها: "يَزيل" ومصدرها "زَيْل" - فليست من الأفعال الناسخة، وإنما هى فعل تام، متعد، إلى مفعول به، ومعناها: مَيزَ وفصَل. تقول "زال" التارج بضاعته زَيلا: أى: ميَّزَها وفصَلها من غيرها. وذلك "زال" التى مضارعها: "يزول" ومصدرها" "الزوال" فإنها ليست من النواسخ؛ وإنما هى فعل لازم، معناه: هلك وفَنِىَ
…
مثل: زال سلطان الطغاة زوالا؛ بمعنى: هَلَكَ وفَنِىَ هلاكاً، وفناء. وقد يكون معناها: انتقل من مكانه، مثل: زال الحجر؛ أى: انتقل من موضعه
…
وسيجئ آخر هذا الباب حكم خاص بخبرها المنفى، وخبر أخواتها عند الكلام على الأخبار المنفية عامة2.
فتئ: تشترك مع "زال" فى كل أحكامها، أى: فى معناها، وفى شروطها. إلا الأخير؛ - لاختلاف المضارع فيهما وإلا وقوع:"فتئ" تامة فى بعض الأساليب - دون زوال - ومنها: فتئ الصانع عن شئ. بمعنى: نسيه.
برح: تشترك مع "زال" فى كل أحكامها، أى: فى معناها، وفى شروطها، إلا الأخير؛ لاختلاف المضارع فيهما؛ وإلا وقوع "برح" تامة؛ مثل قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ
…
} ، أى: لا أذهب، ولا أنتقل3....
1 راجع ما يتصل بهذا في أول ص 547 و "أ" من هامشها.
2 ص 590.
3 لا صلة بين "برح وأبرح" الناسختين، طبقا للبيان الموضح لهما هنا، وأبرحت التامة في قول العرب:"لله درك فارسا، وأبرحت جارا"، بمعنى: عظمت فارسا وعظمت جارا. يقال أبرح الرجل، إذا جاء بالبرح - بسكون الراء - أي: بالعجب "والبيان في جـ 2 باب: "التمييز" م 87 ص 390" فجملة: "أبرحت" فعل وفاعل. "وجارا": تمييز.
انْفَكَّ: تشترك مع "زال" فى كل أحكامها إلا فى الشرط الأخير؛ لاختلاف المضارع فيها. وإلا استعمال. "انفك" تامة، بمعنى: انفصل؛ مثل: فككتُ حلَقَات السلسلة فانفكت، أى: انفصلت
…
دام: تفيد مع معموليها استمرار المعنى الذى قبلها مدة محددة؛ هى مدة ثبوت معنى خبرها لاسمها؛ نحو: يفيد الأكل ما دام المرء جائعاً: ويضر ما دام المرء ممتلئاً. ففائدة الأكل تدوم بدوام وقت معين، محدد، هو: وقت جوع المرء. والضرر يدوم كذلك بدوام وقت معين، محدود، هو: وقت الامتلاء، ولا بد فى دوام ذلك الوقت المحدد من أن يستمر ويمتد إلى زمن الكلام.
شروط إعمالها:
1-
يشترط فيها الشروط العامة.
2-
أن تكون بلفظ الماضى1، فى الرأى الأرجح، وقبلها ما المصدرية الظرفية2.
1 تبعا للرأي الأرجح. كما سيتضح في رقم 2 من هامش الصفحة التالية.
2 هي التي تؤول مع ما بعدها بمصدر مع نيابتها عن ظرف زمان بمعنى: مدة، أو: وقت أو زمن، أو نحو هذا من كل ما يدل على الزمان، ويكون هذا المصدر المؤول معمولا للمضارع الذي قبلها، مثل: أشار كك ما دامت أمينا. "وقد سبق الكلام عليها وعلى المصدر المؤول، في الموصول الحرفي "ص 411" ولتقريب فهمها يفترضون أن أصل الجملة: أشار كك مدة ما دمت أمينا، فكلمة "مدة" ظرف زمان مضاف. وكلمة "ما" مصدرية، تسبك مع الجملة التالية لها بمصدر. تقديره "دوامك" وهذا المصدر المؤول هو المضاف إليه. ثم حذف الظرف المضاف، وناب عنه المضاف إليه من غير سبك "وهو: "ما" مع الجملة التي تليها" وصار هذا المضاف إليه منصوبا على الظرفية، لنيابته عن الظرف المحذوف، كما ناب، المصدر الصريح عن الظرف في مثل. قابلتك غروب الشمس، أي: وقت غروب الشمس، فقد حذف الظرف المضاف، وناب المصدر المضاف إليه عنه، فصار منصوبا.
فإن تقدم على "دام""ما" المصدرية فقط - أي: "ما" المصدرية غير الظرفية - كانت فعلا تاما، بمعنى: بقي واستمر. نحو: يسرني ما دمت، أي: دوامك وبقاؤك - ومثله: يسرني ما دمت شجاعا، أي: يسرني دوامك شجاعا. ولا يصح أن تكون "ما" مصدرية ظرفية في هذا المثال، فليس المراد يسرني المدة، وإنما المراد: يسرني الدوام والاستمرار، وفرق كبير بين الاثنين: لأن الذي يسر هو الدوام، لا المدة
…
وكذلك إن سبقها "ما" النافية كانت فعلا تاما، بمعنى: بقي واستمر طويلا. نحو: ما دام الضيف. أي: ما بقي واستمر، وكذلك إن لم تسبق مطلقا بلفظة "ما" النافية أو غير النافية"، نحو: دام الظلم فأهلك أعوانه، ونحو: دام محمد صحيحا "صحيحا: حال منصوبة، وليست خبرا".
وإذا أسندت لضمير رفع متحرك وجب ضم الدال، وحذف الألف1.
3-
أن يسبقهما معاً كلام تتصل به اتصالا معنويًّا، بشرط أن يكون جملة فعلية مضارعية2.
4-
ألا يكون خبرها جملة فعلية ماضوية؛ لأن دام مع معموليها تفيد استمرار المعنى إلى وقت الكلام، والجملة الماضوية تفيد انقطاعه فيقع التنافى3.
5-
ألا يتقدم خبرها عليها وعلى "ما"؛ لأن "ما" المصدرية الظرفية4 لا يسبقها شئ من صلتها التى تسبك معها بمصدر. أما توسطه بينها وبين "ما" فجائز.
ومما سبق نعلم أن جميع أفعال هذا الباب تستعمل ناقصة وتامة إلا ثلاثة أفعال تلتزم النقص؛ وهى: فتئ - زال - ليس" -.
كما نعلم أن كل فعل ناقص "ناسخ" لا يعمل هو وما قد يكون لمصدره من
= ومن المفيد أن نشير إلى أن الفعل "دام" قد يكون ناقصا مع تقدم "ما" المصدرية الظرفية عليه، فليس من اللازم نقصانه عند وجودها، فقد يكون تاما لا يعمل كما في قوله تعالى:{خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ} ، فالمعول عليه في الحكم بالنقصان أو عدمه هو أنها لا تعمل بغير أن يتحقق الشرط. لكن وجود الشرط لا يستلزم حتما أن تعمل، فمع وجوده يجوز إهمالها وإعمالها على حسب المعنى، إذ لا يلزم من وجود الشرط وجود الشرط وجود المشروط "كما يقول علماء المنطق"، ولكن لا يوجد المشروط بدون وجود الشرط، كالرؤية لا تكون إلا بوجود العين. لكن وجود العين لا يقتضي الرؤية، إذ يصح أن تكون العين مغلقة، أو ائمة، أو محتجبة عن الإبصار لسبب
…
1 يوضح هذا ما سبق في آخر رقم 2 من هامش ص 165 خاصا بالفعل: "كان".
2 كقول الشاعر:
ونكرم جارنا ما دام فينا
…
ونتبعه الكرامة حيث مالا
…
وهذا الشرط نص عليه صاحب شرح المفصل "في ص 114 من الجزء السابع" حيث قال: "أما: "دام" فلا تستعمل إلا بلفظ الماضي - كما كانت "ليس" كذلك - ولا يتقدمها إلا فعل مضارع، نحو: لا أكلمك ما دام زيد قائما" أهـ.
أما قوله تعالى: {وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} فلهم فيه كلام يخرجه عما نحن فيه - وقد أشرنا لهذا الشرط في رقم 3 من هامش ص 412. واشتراط مضيها هو الأرجح- كما قلنا - ويعارض فيه بعض النحاة، محتجا بأن لها مضارعا ناسخا هو: "يدوم" ولها مصدر ناسخ كذلك. "راجع الصبان في هذا الموضع". وهذا الرأي ضعيف مردود، لقيامه على فهم نظري محض لا تؤيده الشواهد. والصحيح أنها فعل ماض جامد إذا سبقته "ما" المصدرية الظرفية.
3 راجع ما يتصل بهذا في "أ" من هامش ص 547.
4 والمصدرية غير الظرفية أيضا - راجع حكم النوعين في ص 413 -.
إلا بشروط مفصَّلة؛ فلا يكفى الاقتصار على ما يذكره كثير من النحاة من تقسيم هذه الأفعال الناسخة ثلاثة أقسام مجْملة؛ بحسب ما يلزم لها من شروط أولا يلزم، حيث يقولون:
"ا" قسم يعمل بدون شرط وهوثمانية أفعال:
كان - أصبح - أضحى - أمسى - ظل - بات - صار - ليس.
"ب" قسم يعمل بشرط أن يسبقه نفى، أوشبه نفى، وهوأربعة أفعال: زال - برح - فتئ - انفك.
"حـ" قسم يعمل بشرط أن يسبقه "ما" المصدرية الظرفية وهوفعل واحد: "دام"
…
لأن هذا التقسيم غير سلم، لاعتباره القسم الأنول غير محتاج إلى شروط، ولأنه ترك فى القسمين الأخيرين شروطاً هامة لا يصح أهمالها. وقد عرفنا تفصيلها1.
بقى أن نعود إلى مسألة أشرنا إليها من قبل2؛ هى: أن النسخ ليس مقصوراً على الأفعال الماضية وحدها، بل يشمهلا ويشمل ما قد يكون معها من مشتقات إنْ وجدت؛ فتعمل بالشروط التى للماضى.
وتفصيل هذا أن الأفعال الناسخة ثلاثة أقسام:
"ا" قسم جامد، أى: لا يتصرف مطلقاً، ولا يوجد منه غير الماضى، وهوفعلان:"ليس بالاتفاق، و"دام"3 فى أشهرها الآراء.
1 ويشير ابن مالك إلى عمل "كان" بقوله:
نرفع كان المبتدأ اسما والخبر
…
تنصبه، ككان سيدا عمر
أي: كان عمر سيدا، ويذكر أخواتها بقوله:
ككان: ظل، بات، أضحى، أصبحا
…
أمسى، وصار، ليس، زال، برحا
فتى، وانفك، وهذي الأربعة
…
لشبه نفي، أو لنفي متبعه
أي: أن الأربعة الأخيرة في الترتيب تتبع نفيا أو شبه نفي، ومعنى تتبعه: تليه وتجيء بعده، "فلا بد أن نتبعها النفي، أي: نذكرها بعده" ثم قال:
ومثل كان: "دام" مسبوقا بما
…
كلعط ما دمت مصيبا درهما
أي: أن الفعل: دام" في العمل مثل "كان" في عملها بشرط أن يسبقه "ما المصدرية الظرفية"، ولم يذكر أنها "مصدرية ظرفية" لضيق الوزن الشعري، فاكتفى بمثال يحويها، وهو: أعط درهما ما دمت مصيبا، أي: مدة دوامك مصيبا الدرهم، أو مصيبا المحتاج.
2 في ص 546 و 547.
3 انظر رقم "2" من هامش ص 565.
"ب" قسم يتصرف تصرفاً شِبْه كامل؛ فله الماضى، والمضارع، والأمر، والمصدر، واسم الفاعل، دون اسم المفعول وباقى المشتقات؛ فإنها لم ترد فى استعمال الفصحاء؛ وهوسبعة:"كان - أصبح - أضحى - أمسى - بات - ظل - صار" فمن أمثلة "كان" للماضى: كان الوفاء شيمةَ الحر، وللمضارع: يكون الكلامُ عنوانَ صاحبه، وللأمر: كونوا أنصار الله. وللمصدر قول العرب: كوْنك شريفاً مع الفقر خير من كونك دنيئاً مع الغنى. وقول الشاعر:
ببذلٍ وحلم سادَ فى قوْمهِ الفتى
…
وكَوْنُكَ إيَّاهُ عليكَ يسيرُ
ولاسم الفاعل:
وما كلُّ من يبَدِى البشاشة كائناً
…
أخاكَ إذَا لم تُلْفِه لكَ مُنْجدَا
وهكذا. وبقية الأفعال السبعة مثل "كان" فى هذا لتصرف الشبيه بالكامل والذى يسمونه أحياناً: "الكامل نسبيًّا".
"حـ" قسم يتصرف تصرفاً ناقصاً؛ وهوالأربعة المسبوقة بالنفى، أوشبهه "أى: زال - برح - فتئ - انفك" فهذه الأربعة ليس لها إلا الماضى، والمضارع، واسم الفاعل؛ مثل: لا زالت الأمطارُ موردَ الأنهار. ولا تزال الأنهارُ عمادَ الحياة. وليس النيل زائلاً1 عمادَ الزراعة فى بلادنا، ومن هذا قول الشاعر:
قضي الله يا أسماء أن لست زائلا
…
أحبك، حتى يغمض العين مغمض2
1 لو قلنا: ما زائل النيل عماد الزراعة في بلادنا فأين خبر المبتدأ الذي هو كلمة "زائل"؟ أيكون خبره الاسم والخبر معا أم أحدهم؟ الراجح - عند الصبان - أن خبره هو اسمه فقط، فتكون كلمة "النيل" اسم "زائل" وفي الوقت نفسه خبر له باعتباره مبتدأ ولا اعتراض بأن خبر المبتدأ لم يتمم الفائدة الأساسية، لأن عدم إتمامه الفائدة ناشيء من أمر عرضي هو نقصان المبتدأ.
فهذا نوع من المبتدأ الناسخ، يستغنى عن خبر المبتدأ، اكتفاء باسم الناسخ مع بقاء خبر الناسخ على حالة من الضبط الذي يستحقه باعتباره خبر الناسخ. "راجع الصبان في هذا الباب عند بيت ابن مالك:"وغير ماض مثله قد عملا...." وقد أشرنا لهذه الصورة في رقم 2 من هامش ص 444 وفي 3 من هامش ص 562.
2 تقدم البيت في رقم 1 من هامش ص 165 لمناسبة هناك. وفيما سبق يقول ابن مالك:
وغير ماض مثله قد عملا
…
إن كان غير الماض منه استعملا
أي: أن الفعل غير الماضي إن وجد واستعمل فإنه يعمل مثله، فغير الماضي يشمل المضارع والأمر وكذلك يشمل ما يوجد من المشتقات الأخرى.
هذا، ولا يصح في كلمة:"مثل" النصب على أنها حال من فاعل: "عمل" إلا للضرورة، أو على رأي ضعيف، لما يترتب على هذا من تقديم معمول الفعل المسبوق بالحرف:"قد" وهو ممنوع في القول الأصح - كما سبق في رقم 1 هامش ص 52 نقلا عن الخضري -.