الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عبّاس «1» : نزلت في اليهود والمنافقين، وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ: هو قولهم: السَّامُ عليكم، يريدون الموتَ، ثم كشف اللَّه تعالى خُبْثَ طَوِيَّتِهِمْ والحُجَّةَ التي إليها يسترحون، وذلك أَنَّهُمْ كانوا يقولون: لو كان محمد نبيًّا لعذبنا بهذه الأقوال التي تسيئه، وجَهِلُوا أَنَّ أمرهم مُؤَخَّرٌ إلى عذاب جهنم.
وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ
…
الآية: وصِيَّةٌ منه سبحانه للمؤمنين أَلَاّ يتناجوا بمكروه، وذلك عامٌّ في جميع الناس إلى يوم القيامة.
وقوله: إِنَّمَا النَّجْوى أي: بالإِثم مِنَ الشَّيْطانِ وقرأ نافع وأهل المدينة «2» :
«ليحزن» - بضم الياء وكسر الزاي- والفعل مُسْنَدٌ إلى الشيطان، وقرأ أبو عمرو وغيره:
«لِيَحْزُنَ» - بفتح الياء وضم الزاي-، ثم أخبر تعالى أَنَّ الشيطان أو التناجي الذي هو منه، ليس بضارٍّ أحداً إلَاّ أَنْ يكونَ ضُرَّ بإذن اللَّه، أي: بأمره وقَدَرِهِ، ثم أمر بتوكّل المؤمنين عليه تبارك وتعالى.
[سورة المجادلة (58) : الآيات 11 الى 12]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12)
وقوله تعالى: «يا أيّها الّذين آمنوا إذا قيل لكم تفسّحوا في المجلس
…
» الآية، وقرأ عاصم «3» :«في المَجَالِسِ» قال زيد بن أسلم وقتادة «4» : هذه الآية نزلت بسبب تضايق الناس
(1) أخرجه الطبري (12/ 14) برقم: (33760) عن مجاهد، و (12/ 15) عن ابن عبّاس برقم:
(33764)
، وذكره ابن عطية (5/ 276) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 270) ، وعزاه لعبد الرزاق، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.
(2)
وقرأ بقراءة أبي عمرو- الحسن، وعاصم.
ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 278) .
(3)
يعني: جعله عاما في المجالس، وأما قراءة الباقين على التوحيد، فمعناها: في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة.
ينظر: «السبعة» (629) ، و «الحجة» (6/ 280) ، و «إعراب القراءات» (2/ 355) ، و «حجة القراءات» (704) ، و «العنوان» (187) ، و «شرح الطيبة» (6/ 46) ، و «شرح شعلة» (600) ، «إتحاف» (2/ 527) ، و «معاني القراءات» (3/ 60) .
(4)
أخرجه الطبري (12/ 18)، برقم:(33776) عن قتادة، وذكره البغوي (4/ 319) ، وابن عطية (5/ 278) .
في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أَنَّهُمْ كانوا يتنافسون في القُرْبِ منه وسَمَاعِ/ كلامه والنظر إليه، فيأتي الرجلُ الذي له الحَقُّ والسِّنُّ والقَدَمُ في الإسلام، فلا يجد مكاناً، فنزلت بسبب ذلك، وروى أبو هريرة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«لَا يَقُمْ أَحَدٌ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسَ فِيهِ الرَّجُلُ، وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ» «1» . قال جمهور العلماء: سببُ نزولِ الآية مجلس النبي صلى الله عليه وسلم ثم الحكم مُطَّرِدٌ في سائر المجالس التي هي للطاعات ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «أَحَبُّكُمْ إلَى اللَّهِ أَلْيَنُكُمْ مَنَاكِبَ في الصَّلَاةِ، وَرُكَباً في المَجَالِسِ» «2» ، وهذا قول مالك رحمه الله، وقال: ما أرى الحكم إلَاّ يَطَّرِدُ في مجالس العلم ونحوها غَابِرَ الدهر قال ع «3» : فالسنة المندوبُ إليها هي التفسُّحُ، والقيامُ منهيّ عنه في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، حيثُ نهى أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ فَيَجْلِسَ الآخَرُ مَكَانَهُ «4» .
ت: وقد روى أبو دَاوُدَ في «سننه» عن سَعِيدِ بْنِ أبي الحَسَنِ قال: «جَاءَنَا أَبُو بَكْرَةَ في شَهَادَةٍ، فَقَامَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ مَجْلِسِهِ فَأَبَى أَنْ يَجْلِسَ فِيهِ، وقال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ ذَلِكَ، وَنَهَى أَنْ يَمْسَحَ الرَّجُلُ يَدَهُ بِثَوْبِ مَنْ لَمْ يَكْسُهُ» «5» وروى أبو داودَ عن ابن عمر قال: جَاءَ رَجُلٌ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فَقَامَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ مَجْلِسِهِ، فَذَهَبَ لِيَجْلِسَ فيه، فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم» «6» انتهى، قال ع «7» : فَأَمَّا القيام إجلالاً فجائز بالحديث، وهو قوله ع حين أقبل سعد بن معاذ:«قُومُوا إلَى سَيِّدِكُمْ» «8» . وواجب على المُعَظَّمِ أَلَاّ يُحِبَّ ذَلِكَ ويأخذ الناس به لقوله ع: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ النَّاسُ قِيَاماً، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» «9» .
ت: وفي الاحتجاج بقضية/ سعد نظر لأَنَّها احْتَفَّتْ بِها قرائن سوّغت ذلك
(1) تقدم تخريجه.
(2)
أخرجه أبو داود (1/ 236)، كتاب «الصلاة» باب: تسوية الصفوف، حديث (672) . [.....]
(3)
ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 279) .
(4)
تقدم تخريجه.
(5)
تقدم.
(6)
أخرجه أبو داود (2/ 674)، كتاب «الأدب» باب: في الرجل يقوم للرجل من مجلسه (4827) .
(7)
ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 290) .
(8)
أخرجه البخاري (7/ 475)، كتاب «المغازي» باب: مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من الأحزاب (4121) ، ومسلم (3/ 1388)، كتاب «الجهاد والسير» باب: جواز قتال من نقض العهد (64/ 11768) ، وأحمد (3/ 22، 71) ، والبيهقي (9/ 97)، كتاب «السير» باب: نزول أهل الحصن أو بعضهم على حكم الإمام أو غير الإمام، إذا كان المنزول على حكمه مأمونا.
(9)
تقدم.
انظر السير، وقد أطنب صاحب المدخل في الإنحاء والرَّدِّ على المجيزين للقيام، والسلامةُ عندي تركُ القيام.
وقوله تعالى: يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ معناه: في رحمته وَجَنَّتِهِ.
- ص-: يَفْسَحِ مجزوم في جواب الأمر، انتهى، وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا معناه:
ارتفعوا، وقوموا فافعلوا ذلك ومن «رياض الصالحين» للنوويِّ: وعن عمرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جَدِّه، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ اثْنَيْنِ إلَاّ بِإذْنِهِمَا» «1» رواه أبو داودَ، والترمذيُّ وقال: حديث حسن، وفي رواية لأبي داودَ:«لَا يَجْلِسْ بَيْنَ رَجُلَيْنِ إلَاّ بِإذْنِهِمَا» وعن حُذَيْفَةَ- رضي الله عنه أَنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «لَعَنَ مَنْ جَلَسَ وَسَطَ الحَلْقَةِ» «2» ، رواه أبو داود بإسناد حسن، وروى الترمذيُّ عن أبي مِجْلِزٍ أَنَّ رَجُلاً قَعَدَ وَسَطَ الْحَلْقَةِ، فَقَالَ حذيفة:«ملعون على لسان محمّد صلى الله عليه وسلم، أو لعن الله على لسان محمّد صلى الله عليه وسلم مَنْ جَلَسَ وَسَطَ الْحَلْقَةِ» «3» قال الترمذيُّ: حديث حسن صحيح، انتهى.
وقوله سبحانه: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ
…
الآية: قال جماعة: المعنى: يرفع اللَّه المؤمنين العلماءَ درجاتٍ فلذلك أمر بالتفسُّح من أجلهم، وقال آخرون: المعنى: يرفع اللَّه المؤمنين والعلماءَ الصنفينِ جميعاً درجاتٍ، لَكِنَّا نعلمُ تفاضُلَهم في الدرجات من مواضعَ أُخَرَ فلذلك جاء الأمر بالتفسح عامّا بالتفسح عامًّا للعلماء وغيرهم، وقال ابن مسعود وغيره «4» :
«يرفع الله الذين آمنوا مِنكُمْ» وهنا تَمَّ الكلامُ، ثم ابتدأ بتخصيص العلماء بالدرجات، ونصبهم بإضمار فعلٍ، فللمؤمنين رفع على هذا/ التأويل، وللعلماء درجات، وعلى هذا التأويل قال مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشَّخِّيرِ «5» : فَضْلُ العلمِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ فَضْلِ العِبَادَةِ، وخيرُ دِينِكُمُ الوَرَعُ، وروى البخاريُّ وغيره عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل ما
(1) أخرجه أبو داود (5/ 175)، كتاب «الأدب» باب: في الرجل يجلس بين الرجلين (4845) ، والترمذي (5/ 89)، كتاب «الأدب» باب: ما جاء في كراهية الجلوس بين الرجلين بغير إذنهما (2752) ، وأحمد (2/ 213) .
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(2)
أخرجه أبو داود (2/ 674)، كتاب «الأدب» باب: الجلوس وسط الحلقة (4826) ، والترمذي (5/ 90)، كتاب «الأدب» باب: ما جاء في كراهية القعود وسط الحلقة (2753) .
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(3)
انظر الحديث السابق.
(4)
ذكره ابن عطية (5/ 279) .
(5)
أخرجه الطبري (12/ 19) ، وابن عطية (5/ 279) .
بَعَثَنِي اللَّهُ بهِ مِنَ الهدى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضاً، فَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَبِلَتِ الماء، فَأَنْبَتَتِ الْكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ المَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا، وَسُقُوا، وَزَرَعُوا، وَأَصَابَ مِنْهَا طَائِفَةً أخرى إنَّما هِيَ قِيَعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءَ، وَلا تُنْبِتُ كَلأً فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ في دِينِ اللَّهِ عز وجل، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْساً وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ عز وجل الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» انتهى «1» .
وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ روي عن ابن عباس وقتادة في سببها: أَنَّ قوماً من شباب المؤمنين وأغْفَالِهِمْ كَثُرَتْ مناجاتُهم للنبي صلى الله عليه وسلم في غير حاجة، وكان صلى الله عليه وسلم سَمْحاً، لا يَرُدُّ أحداً، فنزلت هذه الآية مُشَدِّدَةً عليهم «2» ، وقال مقاتل: نزلتْ في الأغنياء لأنّهم غلبوا الفقراء على مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم ومجالسته «3» ، قال جماعة من الرواة: نُسِخَتْ هذه الآيةُ قبل العمل بها، لكنِ استقر حُكْمُهَا بالعزم عليه، وصَحَّ عن عليٍّ أَنَّهُ قال: ما عَمِلَ بها أَحَدٌ غيري، وأنا كنتُ سَبَبَ الرخصة والتخفيفِ عن المسلمين، قال: ثم فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنَّ هذه الْعِبَادَةَ قد شَقَّتْ/ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ لي: يَا عَلِيُّ، كَمْ ترى أَنْ يَكُونَ حدُّ هذه الصَّدَقَةِ؟ أَتَرَاهُ دِينَاراً؟
قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَنِصْفُ دِينِارٍ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَكَمْ؟ قُلْتُ: حَبَّةٌ مِنْ شَعِيرٍ، قَالَ: إنَّكَ لَزَهِيدٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ الرُّخْصَةَ «4» ، يريد لِلْوَاجِدِينَ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَجِدْ فَالرُّخْصَةُ لَهُ ثَابِتَةٌ بقوله:
«فَإنْ لَمْ تَجِدُوا» قال الفخر «5» : قوله عليه السلام لعليٍّ: «إنَّكَ لَزَهِيدٌ» معناه: إنك قليل المال، فقدّرت على حسب حالك، انتهى.
(1) أخرجه البخاري (1/ 211)، كتاب «العلم» باب: فضل من علم وعلّم (79) ، ومسلم (4/ 1787)، كتاب «الفضائل» باب: بيان مثل ما بعث النبي صلى الله عليه وسلم من الهدى والعلم (15/ 2282) ، والنسائي في «الكبرى» (3/ 427)، كتاب «العلم» باب: مثل من فقه في دين الله تعالى (5843/ 1) .
(2)
ذكره البغوي (4/ 310) ، وابن عطية (5/ 279) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 272) ، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه. [.....]
(3)
ذكره البغوي (4/ 310) ، وابن عطية (5/ 279) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 272) ، وعزاه لابن أبي حاتم.
(4)
أخرجه الترمذي (5/ 406- 407)، كتاب «التفسير» باب: ومن سورة المجادلة، حديث (3300)، وقال: حسن غريب.
(5)
ينظر: «الفخر الرازي» (29/ 237) .