الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عليهِم، ويطلبون شهيداً عليهم من أنفسهم، وفي الحديث الصحيح:«إنَّ الْعَبْدَ- يَعْنِي الكَافِرَ- يَقُولُ: يَا رَبِّ، أَلَيْسَ وَعَدْتَنِي أَلَاّ تَظْلِمَنِي؟ قَالَ: فَإنَّ ذَلِكَ لَكَ، قَالَ: فَإنِّي لَا أَقْبَلُ عَلَيَّ شَاهِداً إلَاّ مِنْ نَفْسِي، قَالَ فَيُخْتَمُ على فِيهِ، وَتَتَكلَّمُ أَرْكَانُهُ بِمَا كَانَ يَعْمَلُ، قَالَ: فَيَقُولُ لَهُنَّ: بُعْداً لَكُنَّ، وَسُحْقاً، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أَدَافِعُ» «1» الحديثَ، قال أبو حَيَّان «2» : حَتَّى إِذا ما جاؤُها: «ما» بعد «إذا» زائدة للتوكيد، انتهى.
[سورة فصلت (41) : الآيات 22 الى 25]
وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (23) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (24) وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (25)
وقوله تعالى: وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ يحتمل أنْ يكون من كلام الجلود، ويحتمل أنْ يكون من كلام الله عز وجل، وجمهور الناس على أَنَّ المراد بالجلود الجلودُ المعروفةُ، وأمَّا معنى الآية فيحتمل وجهين:
أحدهما: أن يريد وما كنتم تَتَصَاونُونَ وتَحْجِزُونَ أَنْفُسَكُمْ عن المعاصي والكُفْر خوفَ أَنْ يشهد، أو لأَجْلِ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ
…
الآية، وهذا هو منحى مجاهد «3» ، والمعنى الثاني أنْ يريد: وما يمكنكم ولَا يسَعُكُمْ الاخْتفاءُ عن أَعْضَائِكُمْ، والاستتارُ عنها بكُفْرِكُمْ ومعاصيكم، وهذا هو مَنْحَى السُّدِّيِّ «4» ، وعن ابن مسعود قال: «إِنِّي لمستترٌ بأستارِ الكعبةِ، إذْ دَخَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ: قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِيٌّ أَوْ ثَقَفِيَّانِ وقُرَشِيٌّ، قَلِيلٌ فِقْهُ قُلوبِهِمْ، كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، فَتَحَدَّثُوا بِحَدِيثٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَترَى اللَّهَ يَسْمَعُ مَا قُلْنَا؟
فَقَالَ الآخَرُ: يَسْمَعُ إذَا رفَعْنَا، وَلا يَسْمَعُ إذَا أَخْفَيْنَا، وَقَالَ الآخَرُ: إنْ كَانَ يَسْمَعُ مِنْهُ شَيْئاً فإنّه يسمعه كلّه، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ فَنَزَلَتْ هذه الآيةُ: وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ، وقرأ حتى بلغ: وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ» «5» .
(1) ينظر: «الدر المنثور» (5/ 35) .
(2)
ينظر: «البحر المحيط» (7/ 471) .
(3)
ذكره ابن عطية في «تفسيره» (5/ 11) .
(4)
أخرجه الطبري (11/ 100) برقم: (30493) ، وابن عطية (5/ 11) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (5/ 680) .
(5)
أخرجه البخاري مختصرا (8/ 424) كتاب «التفسير» باب: وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ (4816) ، (8/ 424- 425) -
قال الشيخ أبو محمَّدِ بْنُ أبي زَيْدٍ في آخر: «مُخْتَصَرِ المُدَوَّنَةِ» له: واعلم أنَّ [الأجساد التي أطاعت أو عصت، هي التي تُبْعَثُ يومَ القيامة لتجازى، والجلودُ التي كانَتْ في الدنيا، والألسنةُ]«1» ، والأيْدِي، والأرجُلُ هي التي تشهد عليهم يوم القيامة على مَنْ تشهَدُ، انتهى.
قال القرطبيُّ في «تذكرته» «2» : واعلم أَنَّ عند أهل السنة أَنَّ تلك الأجسادَ الدُّنْيَوِيَّةَ تُعَادُ بأعيانها وأعراضِهَا بلا خلافٍ بينهم في ذلك، انتهى، ومعنى أَرْداكُمْ: أهلككم، والرَّدَى: الهَلَاكُ وفي صحيحُ «البخاريِّ» و «مسلم» عن جابر قال: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقولُ قبل وفاته بثلاثٍ: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَاّ وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ عز وجل» «3» وذكره ابن أبي الدنيا في «كتابٍ حَسَنِ الظنّ بالله عز وجل» ، وزاد فيه:«فَإنَّ قَوْماً قَدْ أَرْدَاهُمْ سُوءُ ظَنِّهِمْ بِاللَّهِ، فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ تبارك وتعالى: وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ انتهى، ونقله أيضاً صاحب «التذكرة» .
وقوله تعالى: فَإِنْ يَصْبِرُوا مخاطبة للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمعنى: فإنْ يصبروا أوْ لا يَصْبِرُوا، واقتصر لدلالة الظاهِرِ على ما ترك.
وقوله تعالى: وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا معناه: وإنْ طَلَبُوا العتبى، وهي الرضَا فما هم مِمَّنْ يُعْطَاها ويَسْتَوْجِبُهَا قال أبو حَيَّان «4» : قراءة الجمهور: «وَإنْ يَسْتَعْتِبُوا» مبنيًّا للفاعل «5» ، و:
مِنَ الْمُعْتَبِينَ مبنيًّا للمفعول، أي: وإِنْ يعتذروا فما هم من المَعْذُورِينَ، انتهى.
- كتاب «التفسير» باب: وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (4817)، (13/ 504) كتاب «التوحيد» باب: قول الله تعالى: وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ، وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ (7521)، ومسلم (4/ 2141) كتاب «صفات المنافقين وأحكامهم» باب:(5/ 2775)، وابن حبان (2/ 116) كتاب «البر والإحسان» باب: الإخلاص وأعمال السر (390) ، والحميدي (1/ 47)(87)، والترمذي (5/ 375) كتاب «تفسير القرآن» باب: ومن سورة حم السجدة، (3248- 3249) ، وأحمد (1/ 381، 408، 426، 442، 443) .
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(1)
سقط من: د.
(2)
ينظر: «التذكرة» (1/ 227) .
(3)
أخرجه مسلم (4/ 2204) كتاب «الجنة وصفة نعيمها وأهلها» باب: الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت، حديث (81/ 2877) من حديث جابر.
(4)
ينظر: «البحر المحيط» (7/ 472) .
(5)
ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 12) ، و «البحر المحيط» (7/ 472) ، و «الدر المصون» (6/ 64) . [.....]