الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يدعي الإلهية وهو بشر، ينافي جلال الرب وعظمته وكبريائه وتنزيهه عن النقص، فكان أمره عند الرب أحقر من أن يذكر وأصغر وأدحر من أن يجلي عن أمر دعواه ويحذر، ولكن انتصر الرسل لجناب الرب عز وجل فجلوا لأممهم عن أمره وحذروهم ما معه من الفتن المضلة والخوارق المنقضية المضلة، فاكتفى بإخبار الأنبياء، وتواتر ذلك، عن سيد ولد آدم إمام الأتقياء عن أن يذكر أمره الحقير بالنسبة إلى جلال الله في القرآن العظيم، ووكل بيان أمره إلى كل نبي كريم، فإن قلت: فقد ذكر فرعون في القرآن وقد ادعى ما أدعاه من الكذب والبهتان، فالجواب أن أمر فرعون قد انقضى وتبين كذبه لكل مؤمن وعاقل، وهذا أمر سيأتي وكائن، فيما يستقبل فتنةً واختباراً للعباد، فترك ذكره في القرآن احتقاراً له، وامتحاناً به». (1)
قلت: وهذا القول هو الأقرب إلى النفس والله أعلم، فهو أحقر وأذل من أن يذكره الله تعالى بصريح اسمه.
ووكل بيان كذبه ودجله إلى رسله عليهم الصلاة والسلام فبينه النبي صلى الله عليه وسلم أوضح بيان، وبين صفاته وما يجئ به، وبين كيفية الاعتصام والوقاية من شره ودجله.
موقف الشيخ رشيد رضا من أحاديث الدجال:
يقول الشيخ رضا: «إن أحاديث الدجال مشكلة من وجوه:
(أحدها) ما ذكرناه آنفا من منافاتها لحكمة إنذار القرآن الناس بقرب الساعة وإتيانها بغتة.
(1) الفتن والملاحم (ج 1/ 106).
(ثانيا) ما ذكر فيها من الخوارق التي تضاهي أكبر الآيات التي أيد الله بها أولى العزم من المرسلين أو تفوقها، وتعد شبهة عليها، كما قال بعض علماء الكلام، وعد بعض المحدثين ذلك من بدعتهم.
ومن المعلوم أن الله ما آتاهم هذه الآيات إلا لهداية خلقه، التي هي مقتضى سبق رحمته لغضبه، فكيف يؤتى الدجال أكبر الخوارق لفتنة السواد الأعظم من عباده؟ فإن من تلك الروايات أنه يظهر على الأرض كلها في أربعين يوما إلا مكة والمدينة، وقد روى أبو نعيم في الحلية عن حسان بن عطية (1) من ثقات التابعين أنه لا ينجو إلا اثنا عشر ألف رجل وسبعة آلاف امرأة (2). وقال الحافظ وهذا لا يقال من قبل الرأي فيحتمل أن يكون مرفوعا أرسله، ويحتمل أن يكون أخذه عن بعض أهل الكتاب أ. هـ» (3) وهو الصحيح المختار عندي.
(ثالثهما) وهو من متعلقات ما قبله أن ما عزي إليه من الخوارق مخالف لسنن الله تعالى في خلقه، وقد ثبت بنصوص القرآن القطعية أنه لا تبديل لسنته تعالى ولا تحويل. وهذه الروايات المضطربة المتعارضة لا تصلح لتخصيص هذه النصوص القطعية ولا لمعارضتها.
(رابعها) اشتمال بعض هذه الأحاديث على مخالفة بعض القطعيات
(1) حسان بن عطية المحاربي، مولاهم، أبو بكر الدمشقي، ثقة فقيه عابد، من الطبقة الرابعة، مات بعد العشرين ومائة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. (انظر تقريب التهذيب 1/ 162).
(2)
الحلية لأبي نعيم (6/ 77).
(3)
فتح الباري (13/ 99).