الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الخامس
مجلة المنار
كان السيد محمد رشيد رضا من قبل هجرته إلى مصر يتمنى أن ينشئ مجلة تحل محل مجلة «العروة الوثقى» والتي توقفت بعد ثمانية عشر عدداً، وتكون بنفس القيمة العلمية لها، وتسير على نفس النهج الذي سارت عليه، حيث تدعو إلى الإصلاح ومعالجة أوضاع المسلمين وحل مشاكلهم وما يستحدث من المسائل الشرعية.
فعرض فكرته على أستاذة الإمام محمد عبده، فوافق الأستاذ ولكن بعد أن اقترح ثلاثة أمور:
الأولى: وهي أن لا تتحيز لحزب من الأحزاب.
الثانية: وهي أن لا يرد على أي جريدة من الجرائد التي تتعرض له بالذم أو الانتقاد.
الثالثة: وهي أن لا يخدم أفكار أحد من الكبراء.
فوافقه رشيد رضا على اقتراحاته الثلاثة، ثم بعد ذلك شاوره في اختيار اسم لها وعرض عليه مجموعة من الأسماء ومن بينها المنار، فاختار المنار.
وصدر العدد الأول من المجلة في 22/ شوال سنة 1315 هـ الموافق 17/ مارس سنة 1898 م.
أي بعد ثلاثة أشهر تقريبا من وصوله إلى مصر. (1)
وكتب رشيد رضا في افتتاحية العدد الأول منها: «أما بعد: فهذا صوتٌ صارخ بلسانٍ عربي مبين، ونداءُ حق يقرع سمع الناطق بالضاد مسامع جميع الشرقيين
…
يقول أيها الشرقي المستغرق في منامه، المبتهج بلذيذِ أحلامه، حسبك حسبك، فقد جاوزت بنومك حد الراحة .... ». (2)
وفي مقدمة الطبعة الثانية للعدد الأول يقول عن أغراض المنار «أغراضها كثيرة يجمعها الإصلاح الديني والاجتماعي والسياسي لأمتنا الإسلامية، هي ومن يعيش معها وتتصل مصالحة بمصالحها، وبيان اتفاق الإسلام مع العلم والعقل، وموافقته لمصالح البشر في كل قُطر وكل مصر وإبطال ما يورد من الشبهات عليه، وتفنيد ما يعزى من الخرافات إليه ..... » . (3)
وكانت في بداية إنشائها تصدر كل أسبوع على شكل «الجريدة اليومية» وتتكون من ثماني صفحات، وبعد عام من الصدور صارت على شكل «مجلة» تصدر كل أسبوع أيضاً، ثم أصبحت في العام التالي تصدر مرتين في الشهر، وبعد سنتين ونصف أو ثلاث أصبحت تصدر كل شهر عربي مرة.
وكان الشيخ رشيد يكتب على الصفحة الأولى «المنار مجلة شهرية تبحث في فلسفة الدين وشؤون الاجتماع والعمران» .
(1) انظر «تاريخ الأستاذ الإمام» رشيد رضا (1/ 103).
(2)
مجلة المنار (1/ 1 - 2).
(3)
مجلة المنار (12/ 1).
وكانت المنار في بداية صدورها تطبع في مطابع خاصة، ثم اشترى الشيخ رشيد مطبعة خاصة للمنار، يطبع فيها المجلة وغيرها من كتبه ومطبوعاته.
ولم يمر سبعة أعوام على المجلة حتى ذاع صيتها واشتهرت بين أوساط المثقفين وطلبة العلم، وحرص الناس على اقتنائها وقراءتها، فكانت في عصرها أكبر وأشهر مجلة إسلامية في العالم، ولا تزال تحتل هذه المكانة المرموقة في الصحافة الإسلامية حتى اليوم على الرغم من مرور أكثر من سبعين عاماً على انقطاعها. (1)
وكانت المجلة تستهل عددها بتفسير القرآن الكريم، والذي كان محمد عبده يلقيه في جامع الأزهر، ثم يقيده رشيد رضا بعد ذلك وينشره في المجلة، وبعد وفاة الإمام أصبح رشيد رضا هو الذي يكتب التفسير في أعداد المجلة.
ثم بعد ذلك يأتي قسم «فتاوى المنار» حيث تنشر فيها الإجابة على الأسئلة التي ترد إلى المجلة من جميع أقطار العالم الإسلامي.
بالإضافة إلى أبواب أخرى في المجلة مثل «باب البدع والخرافات» ، «باب المراسلة والمناظرة» «وباب تراجم الأعيان» و «باب» الآثار العلمية والأدبية» و «باب للأخبار والآراء» .
وكانت أغلب المقالات والبحوث يكتبها رشيد رضا بنفسه، وقد ينشر بعض المقالات والبحوث المميزة التي يرسلها إليه العلماء والمثقفون لنشرها
(1) انظر «الصحافة الإسلامية في القرن التاسع عشر» للأستاذ سامي عبد العزيز العومي - دار الوفاء - المنصورة - مصر - 1992 م.
في المجلة فينشرها.
ولعل من أبرز من كتب في المنار ونشرت كتاباته «مصطفى صادق الرافعي (1) ومصطفى لطفي المنفلوطي (2) وحافظ إبراهيم (3) وشكيب أرسلان (4)
ومحمد الخضر حسين (5) وعبد القادر المغربي (6) وغيرهم من قادة
(1) وهو عالم بالأدب، شاعر، من كبار الكتاب في عصره، أصله من طرابلس الشام، له العديد من المؤلفات أشهرها (وحي القلم) طبع في ثلاث مجلدات وتاريخ آداب العرب طبع في مجلدين وكتاب في إعجاز القرآن والبلاغة النبوية طبع في مجلد واحد وكتاب المعركة طبع في مجلد واحد وهو رد على كتاب الدكتور طه حسين في الشعر الجاهلي (الأعلام للزركلي)(7/ 235).
(2)
وهو نابغة في الإنشاء والأدب، شاعر وكاتب، ولد في منفلوط في مصر، من مدن الوجه القبلي بمصر درس في الأزهر واتصل بمحمد عبده اتصالا وثيقاً، له العديد من المؤلفات من أشهرها (مختارات المنفلوطي)(الأعلام للزركلي)(7/ 240).
(3)
وهو شاعر مصر القومي، ومدون أحداثها نيفاً وربع قرن يلقب بشاعر النيل عين رئيساً في القسم الأدبي في دار الكتب المصرية عام 1911 م واستمر فيها إلى قبيل وفاته له العديد من المؤلفات منها ديوان حافظ طبع في مجلدين والبؤساء وغيرها (الأعلام للزركلي)(6/ 76).
(4)
وهو عالم بالأدب والسياسة، مؤرخ، من أكابر الكتاب في عصره، يُنعت بأمير البيان، من أعضاء المجمع العلمي العربي، من أشهر مؤلفاته (رشيد رضا أو إخاء أربعين سنة) و (الحلل السندسية في الرحلة الأندلسية) و (غزوات العرب في فرنسا وشمالي إيطاليا) ولماذا تأخر المسلمون (الأعلام للزركلي)(3/ 173).
(5)
وهو عالم إسلامي أديب وباحث وممن تولوا مشيخة الأزهر، من مؤلفاته (الخيال في الشعر العربي) و (حياة اللغة العربية) و (الحرية في الإسلام) و (بلاغة القرآن)، (الأعلام للزركلي)(6/ 114).
(6)
وهو عالم ومفسر وكاتب صحفي، وكان عضو في المجمع العلمي العربي له العديد من المؤلفات منها (الاشتقاق والتعريب) و (البيانات) و (مجموعة مقالات له في جزءين)(أعلام الأدب أدهم الجندي) ج 2/ 120.
الفكر والإصلاح في المجتمع.
ولم تقتصر المجلة على البحوث الدينية، بل نشرت كثيرا من المقالات والبحوث في الطب والصحة والأدب والشعر والاجتماع والطبيعة وغيرها من المواضيع المهمة.
وهكذا استمرت المنار في الصدور أربعين عاماً حتى وفاه مؤسسها الشيخ محمد رشيد رضا في عام 1935، حيث بذل كل ما في وسعه من أجل نجاحها وانتشارها واستمرارها، فكانت منارةً للعلم والإصلاح والثقافة والفتيا، وكانت سبباً في شهرة السيد رشيد رضا والأستاذ محمد عبده ولقد وصلت أعداد مجلة المنار في تلك الفترة كافة أنحاء العالم الإسلامي حتى أنها وصلت الهند وأندونيسيا.
وبعد وفاة مؤسسها السيد رشيد رضا توقفت المجلة عن الصدور لمدة سبعة أشهر، ثم بعد ذلك أسندت رئاسة تحريرها إلى الشيخ «بهجت البيطار» . (1)
(1) هو محمد بهجت بن محمد البيطار، ولد عام 1894 م في دمشق عالم، وقاضي، ومصلح، وخطيب، ومؤلف، يعتبر من دعاة السلفية في الشام، كان مدير المعهد العلمي في مكة في عهد الملك عبد العزيز آل سعود ومدرساً في الحرم المكي وكان عضو في رابطة العلماء في دمشق ودَرس في كلية الشرعية في دمشق، توفي عام 1976 م في دمشق «رجال من التاريخ، علي طنطاوي» دار المنار - جدة - السعودية - ط الثامنة 1413 هـ.
فقام على تحريرها وإعادة إصدارها، وحاول إكمال التفسير الذي كان ينهض به الشيخ رشيد فأتم تفسير سورة يوسف ثم توقفت المنار مره أخرى لمدة تقترب من الثلاث سنوات، ثم أسندت أسرة الشيخ رشيد إصدار المجلة إلى الشيخ «حسن البنا» (1) فأصدر منها ستة أعداد على مدى أربعة عشر شهراً ثم توقفت بعد ذلك في عام 1940 م. (2)
(1) هو حسن بن أحمد بن عبد الرحمن البنا، مؤسس جماعة الأخوان المسلمين بمصر، ولد في المحمودية بمصر سنة 1906 م، وكان خطيباً مفوهاً ينحو منحي الوعظ والإرشاد في خطبة، توفي عام 1949 م بعدما تصدى له ثلاثة أشخاص فأطلقوا عليه النار فتوفي «الأعلام 2/ 183» .
(2)
انظر إبراهيم العدوي «رشيد رضا الإمام المجاهد» الدار المصرية للتأليف - القاهرة. وأحمد الشرباصي «رشيد رضا، الصحفي، المفسر، الشاعر» مطبوعات مجمع البحوث الإسلامية - القاهرة - 1977 م.