الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
متواترة المعنى في مجموعها يعلم مضمون ما فيها من الدين بالضرورة فلا يجديهم الإنكار ولا التأويل». (1)
خاتمة المبحث:
في الحقيقة إن المتأمل لرأي رشيد رضا في الأحاديث الواردة في نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان يعلم علم اليقين بأن رأيه هذا نابع من تأثره بآراء وأفكار شيخه وأستاذه محمد عبده، الذي لم يستطع التخلص من آثار آرائه الكلامية والفلسفية عليه حتى بعد موته بزمن طويل.
حيث يقول محمد عبده عند تفسير قوله تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا} (2)، إن المراد بالتوفي هنا الإماتة العادية، وإن الرفع بعد ذلك هو رفع الروح. (3)
ثم قال، ولصاحب هذه الطريقة في حديث الرفع والنزول في آخر الزمان تخريجان:
أحدهما: أنه حديث آحاد متعلق بأمر اعتقادي، لأنه من أمور الغيب والأمور الاعتقادية لا يؤخذ فيها إلا بالقطعي، لأن المطلوب فيها اليقين، وليس في الباب حديث متواتر.
وثانيهما: تأويل نزوله وحكمه في الأرض بغلبة روحه، وسر رسالته
على الناس، وما غلب في تعليمه من الأمر بالرحمة والمحبة والسلم والأخذ بمقاصد الشريعة. دون الوقوف عند ظواهرها، والتمسك بقشورها دون لبابها، وهو حكمتها، وما شرعت لأجله، فالمسيح عليه السلام لم يأت اليهود بشريعة جديدة، ولكنه جاءهم بما يزحزحهم عن الجمود على ظواهر ألفاظ شريعة موسي عليه السلام، ويوقفهم على فقهها، والمراد منها، ويأمرهم بمراعاته، وبما يجذبهم إلى عالم الأرواح، بتحري كمال الآداب
…
فزمان عيسى على هذا التأويل هو الزمان الذي يأخذ الناس فيه بروح الدين والشريعة الإسلامية، لإصلاح السرائر من غير تقيد بالرسوم والظواهر. (1)
وقال الشيخ رشيد معقبا على كلام أستاذه: «هذا ما قاله الأستاذ الإمام في الدرس مع بسط وإيضاح، ولكن ظواهر الأحاديث الواردة في ذلك تأباه، ولأهل هذا التأويل أن يقولوا: إن هذه الأحاديث قد نقلت بالمعني كأكثر الأحاديث، والناقل للمعني ينقل ما فهمه» وأضاف قائلا: «وسئل عن المسيح الدجال، وقتل عيسى له، فقال: إن الدجال رمز للخرافات والدجل والقبائح التي تزول بتقرير الشريعة على وجهها والأخذ بأسرارها. وأن القرآن أعظم هاد إلى هذه الحكم والأسرار، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم مبينة لذلك فلا حاجة للبشر إلى إصلاح وراء الرجوع إلى ذلك» . (2)
من كل ما سبق نتبين أن المسلك الذي سلكة الأستاذ الإمام وتلميذه مسلك خطر، فالأحاديث في نزول عيسى عليه السلام والدجال أحاديث صريحة صحيحة، وليست من الآحاد في شئ، ثم دعوى أن أحاديث
(1) انظر تفسير المنار (3/ 316 - 317).
(2)
نفس المصدر.
الآحاد لا يؤخذ بها في شئون العقائد دعوى غير مسلمة، فمحور الأمر كله يدور على صحة الحديث، وأخطر من هذا المسلك مسلك التأويل لهذه الأحاديث، وهذا قريب من تأويل الباطنية، وما كان ينبغي له أن يخوض مثل هذا الخوض، وإذا فتح باب التأويل على هذا المنوال، فإن جميع النصوص سيلحق بها هذا الظن، وللناس مشارب مختلفة، فمن يمنع كل واحد إذن أن يؤول كل ما لم يقتنع به، أو ما له هوى في تأويله، من أجل أن يوافق مذهبه وهواه. (1)
وقد بين الشيخ محمد الصديق الغماري فساد هذا التأويل وأنه لا يليق أن يصدر من مصلح من وجوه:
الأول: أنه لا دليل عليه.
الثاني: أنه لو صح لكانت الأحاديث حينئذ مبشرة بانتشار روح المسيحية، وذيوع تعاليمها، وهو نقيض ما صرحت به من انتشار الإسلام عند نزوله، وتعميم تعاليم الكتاب والسنة.
الثالث: أن الرحمة والمحبة والسلم، هي أصل تعاليم الإسلام، ولا يعرف دين حافظ على هذه المعاني، وحض عليها، وأكد حقها مثل دين الإسلام، ونصوصه في ذلك كثيرة جدا، حتى إنها أوجبت الرحمة للحيوان الأعجم، وتوعدت من قسا عليه أوعذبه باللعنة في الدنيا، والعذاب في الآخرة، وخوطب نبي الإسلام بقوله تعالي: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً
(1) انظر (اتجاهات التفسير في العصر الحديث في مصر وسوريا) للدكتور فضل حسن عباس، ص 270.
لِلْعَالَمِينَ (107)} (1) وخوطب أهل الإسلام بقوله تعالي: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} (2)
فليس معقولا والحالة هذه أن تكني الأحاديث عن انتشار المحبة والرحمة والسلم بنزول عيسى، لأن حصة الإسلام في هذه المعاني أكثر وأثرها فيه أظهر.
الرابع: أن أئمة الإسلام وعلماءه من الصحابة وغيرهم، عرفوا مقاصد الشريعة ولبابها، واجتهدوا قدر استطاعتهم، وخلفوا لنا ثروة علمية هائلة لم توجد في دين من الأديان، ولا ظهرت بها أمة من الأمم، ومن المحال شرعا وعادة أن يأتي من الأمة من يفوق الصحابة والتابعين وتابعيهم في فهم الشريعة وأسرارها، أو يساويهم، حتى يقال إن الأحاديث كَنَّت عنه بنزول عيسي، ثم أي علاقة بين فهم شئ وبين نزول شخص! ؟ ولم لم يغير عن هذا الفهم بنزول الخضر مثلا! ؟ .
الخامس: أن اشتهار دعوة عيسى بالرحمة والمحبة والسلم إنما أتى في هذه العصور المتأخرة لما اتصل الغرب بالشرق ودرس المستشرقون كتب الإسلام، وصاروا يتهمون الإسلام بأنه دين القسوة، ولأنه انتشر بالسيف، ويفضلون دينهم بأنه دين الرحمة والمحبة والسلم، فلما ترددت في كتبهم ومحاضراتهم هذه المطاعن، وأيدوها بفقرات من أناجيلهم، رسخ في أذهان مسلمة اليوم أن دين عيسى ما يقوله هؤلاء المستشرقون حتى صار اسم عيسى عندهم عنوانا على المعاني المذكورة، من غير أن يرد شئ من ذلك في الدين،
(1) سورة الأنبياء، الآية:107.
(2)
سورة البقرة، الآية:208.
ومن الجهل القبيح أن تؤل الفاظ الكتاب والسنة بمعان دخيله مستحدثة بعد مئات القرون، نعم أديان الله كلها أتت بالرحمة والمحبة والسلم. لكن دين الإسلام أكثر وأبرز وأظهر، ولم يؤمر عيسى بالجهاد لأنه بعث إلى شعب خاص بدين خاص به، ولم يكلف إبلاغ دينه إلى سائر الناس، وهذا بخلاف الإسلام فإنه لما كان دين العالم كله كان لا بد - بمقتضى تباين استعدادات أفراد الإنسان - أن تقف في طريقة عقول مريضة، ونفوس خبيثة، لا تصفى لمنطق البرهان، ولا تستجيب لدعوة الحق، وكان فرض الجهاد أمرا حتما لا معدل عنه في سبيل إبلاغ الدين إلى بعض العقول وبعض النفوس، والعقلاء متفقون على استساغة الدواء المر لاستئصال شأفة الداء، وقد يقتضي الحال قطع بعض الأعضاء في سبيل سلامة باقيها.
السادس: أن دعوى جمود اليهود على ظواهر ألفاظ التوراة دعوى تفتقر إلى دليل، ودون إثباته خرط القتاد، بل يمكننا أن نقول- مطمئنين- عكس ذلك وهو أن اليهود خرجوا على ظواهر ألفاظ التوراة، وتحايلوا في التخلص منها، وذلك كان سبب كفرهم وضلالهم، فقد أخبر الله عنهم أنهم يحرفون الكلم عن مواضعه، وذكر أشياء من تحريفاتهم وتحايلاتهم في مواضع من كتابه الكريم.
السابع: أن الأحاديث أخبرت أن عيسى يقتل الدجال، ويقاتل الناس على الإسلام، وروح عيسى وسر رسالته وتعاليمه ليس فيها قتل ولا قتال.
الثامن: أن النبي عليه الصلاة والسلام، أمرنا أن نبلغ سلامه إلى عيسى عليه الصلاة والسلام حين نزوله، ومحال عقلا تبليغ السلام إلى روح عيسى
وسر رسالته وتعاليمه.
التاسع: أن النبي صلى الله عليه وسلم، أخبر أنه اجتمع بعيسى عليه السلام ليلة الإسراء، وأخبره أنه نازل ليقتل الدجال، ومن المحال العقلي، أن تكون روح عيسى وسر رسالته وتعاليمه اجتمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرته أنها ستنتشر في آخر الزمان، وتقضي على الخرافات والدجال كما يقول فضيلة المصلح العظيم.
العاشر: أن الأحاديث أخبرت أن عيسى ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، واضعا يديه على أجنحة ملكين وأنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، وأن عليه ممصرتين، وأنه يصلى خلف إمام المسلمين، ويقتل الدجال، ويرى المسلمين دمه في حربته ويحج البيت ويعتمر، ويزور القبر النبوي الشريف .. إلخ ويستحيل عقلا أن يقوم شئ من هذه الصفات بروح عيسى وسر رسالته وتعاليمه.
الحادي عشر: أن النبي صلى الله عليه وسلم أفصح من نطق بالضاد وهو- في فصاحته المنقطعة النظير- غير محتاج إلى استعمال الرموز والألغاز في أحاديثه، بل لا يليق به استعمالها، لأنه مبلغ عن الله، ومبين لمراده، ونحن لا ننكر أن في اللغة والقرآن والسنة كنايات واستعارات تمثيلية، ومجازات عقلية وغيرها، لكن لها حد تقف عنده، دلائل عليها، وقرآءن ترشد إليها، فإذا خرجت عن حدها المقرر لها في كلام العرب، صارت ألغازا وأحاجي تورث الكلام قبحا واختلالا، لا حسنا ورونقا، وأين الدليل في أحاديث نزول عيسى على أنه أريديها غير معناها الصريح؟ .
الثاني عشر: أنه لو صح هذا التأويل، لصح تأويل بقية الأشراط بل سائر السمعيات لأنها متماثلة، فما جاز في بعضها جاز في الجميع، والتفريق تحكم، وحينئذ لا يكفر من أول الملائكة والجن والحشر والنشر والجنة والنار بغير معانيها المعروفة كما فعل الفلاسفة، وكذا لا يكفر البهائية والقاديانية المحرفون للنصوص باسم التأويل، ولا شك أن كفر هؤلاء معلوم قطعا لا يتردد فيه مسلم. (1)
وإذا كان من عذر للأستاذ الإمام وهو قلة بضاعته في الحديث فإنه لا عذر للشيخ رشيد وهو الضليع بهذا العلم. فكنا نظن لأول وهلة أنه لن يتابع شيخه فيما ذهب اليه، حيث علق على كلامه بقوله بأن ظواهر الأحاديث تخالفه، إلا أنه عاد فقال: إنها مروية بالمعني أي إن كل راو روى بحسب ما فهم، وكان الإنصاف أن يقول: إن صرائح الأحاديث تخالفه، لأن الأحاديث في هذا الباب صريحة لا تقبل التأويل.
أما احتمال الرواية بالمعني، الذي أورده الأستاذ رشيد، فكنا نود أن لا يصدر عن مثله، لأنه لا يخطر على بال مسلم فضلا عن أن يكون عالما! وهل يخطر على باله أن واحدا وثلاثين صحابيا، فيهم ستة من حفاظهم المشهورين وهم: أبو هريرة وابن عباس وأنس وجابر وعائشة وأبو سعيد الخدري وفيهم عبدالله بن عمر الذي كان يكتب كل ما سمعه عن النبي صلى الله عليه وسلم في جده ومزاحه، وفيهم عبد الله بن مسعود الذي كان إذا روى حديثا شك في حفظه، اغرورقت عيناه، وانتفخت أوداجه، ثم قال: أو مثله أو
(1) عن عقيدة أهل الإسلام بتصرف، انظر ص 77.
نحوه أو شبيه به كلهم يتواطأون على رواية الحديث بالمعني من غير أن يبينوا ذلك؟ فأين حفظ حفاظهم؟ وأين كتابة من كان يكتب منهم؟ وأين حرصهم على تأدية اللفظ الذي سمعوه، رجاء حصول النضرة وجزيل الثواب؟ ثم لا يخفى أن نزول عيسى وما يحيط به من الأحداث أمر غيبي، يتوقف على النقل، ولا يدرك بالاستنباط فلا تتأتي روايته بالمعني حسب فهم الراوي، لأنه لا يمكنه أن يدرك باستنباطه أن عيسى ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، ويقتل الدجال بباب لد، ويقاتل الناس على الإسلام، ولا يقبل الجزية إلى آخر ما ذكر من أوصافه، والأحداث الواقعة عند نزوله وبعده، فلولا أنهم سمعوها بصريح العبارة، ما أدركوها بمجرد الإشارة، إلا أن يقال وأخذوا بعضها عن الاسرائيليات، وضموه إلى ما سمعوه من الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن هذا القول لا يجوز ولا يصح، لأنه ينطوي على اتهام الصحابة بعدم العدالة، أو الغفلة والاختلاط، وذلك باطل، لأن الله عدلهم ورسوله، فهم مبرأون من كل ما يشين رضي الله عنهم ثم ما الذي دعاهم إلى رواية هذا الحديث بالمعني؟ أعجزوا عن حفظ ألفاظه؟ مع أنهم حفظوا القرآن وآلاف الأحاديث، أم تركوا فهم المراد إلى ذكاء السامع؟ لكن هذا أمر غيبي نقلي بحت، أم أرادوا تضليلنا عن مراد الرسول؟ وهذ لا يليق بعامي فضلا عمن أثنى عليهم الله ورسوله، ثم إن رواية الحديث بالمعنى على القول بجوازها، لا تدخل في جميع
الأحاديث بل بعضها، وهذا مما لا تتأتى فيه.
والحاصل أن الشيخ رشيدا لم يرشد في إصلاح موقف شيخه، بل زاده
تورطا وتوريطا فهو على رأي المثل «زاد الطين بلة» . (1)(2)
وفي ختام هذا المبحث أقول: إن القارئ لآراء محمد رشيد رضا ليعجب من كيفية تعامله مع السنة النبوية، وكيف أنه يصطنع المشكلات والشبهات والافتراضات والظنون والأوهام والتشكيكات من أجل رد هذا الحديث أو ذاك، ومن ذلك محاولته رد جمله من الأحاديث الصحيحة لا لشيء إلا لاحتمال أنها رويت بالمعنى، وقد نسي أو تناسى أن معظم هذه الأحاديث التي حاول ردها لشبهة الرواية بالمعنى قد رواها جملة من الصحابة وبنفس الألفاظ دون اختلاف فيما بينها، وإن كان هناك خلاف في بعض ألفاظ الأحاديث، فهو خلاف لفظي لا يخرج الحديث عن مراده ومعناه، وهي في بعض الأحاديث كما قلنا لا كلها.
(1) المرجع السابق ص 82.
(2)
بتصرف من رسالة الماجستير التي بعنوان «الاتجاه العقدي في تفسير المنار» لاستاذنا الدكتور محمد علي الزغول حفظه الله.