الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
واختلاف وتعارض كثير
…
». (1)
إلى أن قال: (والخلاصة أنه لا يجب على مسلم أن يقف على تلك الأحاديث وأمثالها، لأنها ليست من أركان الإيمان ولا من أركان الإسلام، ولا يضره في إيمانه وإسلامه الاشتباه في صحتها .. ». (2)
الرد عليه:
أولا: بالنسبة لقوله عن الأحاديث الواردة في نزول عيسى عليه السلام أن بعض أحاديثها صحيحة، فيه تجن على تلك الأحاديث، حيث يفهم من كلامه أن أكثر أحاديثها غير صحيحة ومكذوبة، وهذا بلا شك كلام غير صحيح، بل إن العكس هو الصحيح، وهو أن غالب أحاديثها صحيحة، سواء تلك الأحاديث التي في الصحيحين والتي هي في أعلى مراتب الصحة، أو تلك الأحاديث الأخرى الموجودة في السنن والمسانيد وغيرها من دواوين السنة.
والتي شهد بصحتها أكابر أهل العلم المختصين بالحديث كابن تيمية (3)، وابن كثير (4)، وابن حجر (5) والنووي (6)، والحاكم (7)
والشوكاني (8)
(1) نفس المصدر والصفحة.
(2)
نفس المصدر صفحة (757).
(3)
مجموع الفتاوي (4/ 322)، (4/ 329).
(4)
«النهاية/ الفتن والملاحم» (1/ 131)، (1/ 137).
(5)
«فتح الباري - شرح صحيح البخاري» ، (6/ 492).
(6)
شرح النووي على مسلم (2/ 193 - 194).
(7)
«مستدرك الحاكم» (2/ 595).
(8)
والكتاني (1) والغماري (2) والكشميري (3) والألباني. (4)
ثانياً: أما ادعاءه من أن الأحاديث الواردة في نزول عيسى عليه السلام فيها تعارض، فهي دعوى سبق أن ذكرها في الأحاديث الواردة في المسيح الدجال والأحاديث الواردة في المهدي، وثبت عدم صحتها.
ثم إني لا أدري أين هذا التعارض الذي أشار إليه الشيخ رشيد رضا؟ ولماذا لم يذكر هذا التعارض كعادته في إثارة الاستشكالات والتساؤلات؟ والسبب في نظري في عدم ذكره لهذا التعارض هو عدم الوقوف على حدثين متعارضين حقيقةً، فجعل المسألة مبهمة ولم يبين، أما إن كان يقصد التعارض والاختلاف في مدة بقائه بعد نزوله هل هي أربعين سنة أو سبع سنين؟ فقد ذكرنا أقوال أهل العلم في هذه المسألة، والتي رجحنا أن رواية «أربعين سنة» هي الأصح لأنها رواية الأكثر.
ثم إن هذا الخلاف خلاف جزئي ومعتبر، لأن لكلٍ دليله، ولكن لا يصح أن يكون اعتبار هذا الخلاف حجة يرد بسببها تلك الأحاديث الصحيحة الصريحة المتواترة التي تنص وبدلاله قطعية على نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان وإن اختلف في مدة مكثه في الأرض.
ثالثا: أما بالسنة لقوله عن أحاديث نزول المسيح عليه السلام بأنه ينبغي أن لا تكون سبباً للتقصير في إقامة الدين والدنيا بما شرعه الله، فهذا كلام
(1)«نظم المتناثر في الحديث المتواتر» ، صـ 147.
(2)
«الإذاعة لما كان ويكون بين يدى الساعة» ، (159 - 161).
(3)
«التصريح بما تواتر في نزول المسيح» .
(4)
طيب من الشيخ رشيد رضا، ولا يخالفه أحد في وجوب الأخذ بالأسباب وعدم التواكل، فنحن مأمورون بأن نصدق بنزول عيسى عليه السلام وغيرها من الاعتقادات التي ثبتت بالنص الصحيح الصريح، والمؤمن الحق هو الذي يتوسط ويجمع بين العمل والتصديق من غير إفراط ولا تفريط. (1)
رابعاً: أما بالسنة لقوله، بأنه ليس في القرآن نص صريح بأنه ينزل من السماء، فهي دعوى باطلة، وإلا فما معنى قوله تعالى {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ} (2)، فهذه الآية وما قبلها من الآيات جاءت في الكلام على عيسى عليه السلام، والتي فيها دلاله على نزوله عليه السلام قبل يوم القيامة علامةً على قرب الساعة، ويدل على ذلك القراءة الأخرى {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ} بفتح العين واللام، أي علامة وأمارة على قيام الساعة، وهذه القراءة مروية عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما من أئمة التفسير. (3)
وقال الحافظ ابن كثير: «الصحيح أنه ـ أي الضمير - عائد على عيسى عليه السلام، فإن الباقي في ذكره» (4)، بل وما معنى قوله تعالى {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} (5)، فهي بلا شك عند نزول عيسى عليه السلام.
(1) موقف المدرسة العقلية الحديثة من الحديث النبوي الشريف، شفيق شقير، صـ 338.
(2)
الزخرف، الآية:61.
(3)
تفسير القرطبي (16/ 105)، وانظر تفسير الطبري (25/ 90).
(4)
تفسير بن كثير (7/ 222).
(5)
النساء، الآية:159.
فقد روى ابن جرير الطبري رحمه الله عن أبي مالك رحمه الله قال عن هذه الآية: «ذلك عند نزول عيسى ابن مريم عليه السلام، لا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمن به» (1)،
خامساً: أما دعواه أن الاعتقاد بنزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان أنها من عقائد النصارى، فهذا الكلام وإن كان فيه بعض الصحة وهو اعتقاد بعض النصارى بنزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان إلا أنه ليس دليلاً أو مسوغاً ترد بسببه عقيدة من عقائد المسلمين ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع.
ثم إن عقيدة المسلمين في عيسى ورفعه إلى السماء ومن ثم نزوله في آخر الزمان تختلف اختلافاً كبيراً عن ما يعتقده النصارى.
فهم يعتقدون أن عيسى هو ابن الله، وأن اليهود صلبوه وقتلوه، ورفع بعد صلبه بثلاثة أيام إلى السماء وهذا كله بلا شك باطل وغير صحيح.
ثم إنه هناك الكثير من العقائد لدى المسلمين ويعتقد بمثلها النصارى
(1) تفسير ابن جرير الطبري (6/ 18).
(2)
تفسير بن كثير (1/ 514).
بل واليهود، كاعتقادهم بنبوة إبراهيم ويعقوب ويوسف وموسى وغيرهم فهل نترك ما ثبت لدينا بالكتاب والسنة ونرده ولا نؤمن به لا لشيء إلا لأنها من عقائد أهل الكتاب، فهذا كلام غير صحيح ولا يقول به إنسان من عامة الناس فضلاً عن أن يكون من أهل العلم.
سادساً: أما بالسنة لتشكيكه بصحتها بدعوى أنها واردة من ضمن أحاديث أشراط الساعة، وممزوجة بأحاديث الدجال والمهدي، والتي يرى هو أنها كلها مكذوبة وموضوعة. فقد بينا فيما سبق في مبحث المسيح الدجال ومبحث المهدي أن هناك من أحاديث أشراط الساعة ما هو مكذوب ومنها ما هو صحيح فهل من الإنصاف ومن العدل رد الأحاديث الواردة في نزول عيسى عليه السلام بدعوى أنها قد تكون من ضمن تلك الأحاديث المكذوبة، دون الالتفات إلى الأحاديث الأخرى الصحيحة الصريحة المتواترة التي وردت في نزول عيسى عليه السلام.
سابعاً: أما بالنسبة لقوله «إنه لا يجب على المسلم أن يقف على تلك الأحاديث وأمثالها
…
»، ويقصد بها أحاديث أشراط الساعة وأحاديث الاعتقاد. «لأنها ليست من أركان الإيمان ولا من أركان الإسلام، ولا يضره في إيمانه وإسلامه الاشتباه في صحتها .... » ، أي بما أن أحاديث أشراط الساعة ليست من أركان الإسلام ولا من أركان الإيمان فإنه لا يضره إنكار وقوعها وعدم الاعتقاد بها.
وهذا والله إنه لكلامٌ خطير ينبئ عن سوء منهج المدرسة العقلية الحديثة في التعامل مع الحديث النبوي الشريف، وعدم توقيره.
وإن كنا لا نستغرب هذا الموقف من جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده إلا أننا نستغربه من محمد رشيد رضا وهو العالم بالسنة.
وإلا فكيف يرد أحاديث ثابتة عن المعصوم صلى الله عليه وسلم بأصح المسانيد في أصح الكتب بعد كتاب الله، وهما صحيحاً البخاري ومسلم، بدعوى أنها ليست من أركان الإسلام أو الإيمان ولا يضره إنكارها.
فالإسلام ليس محصوراً في أركان الإسلام والإيمان، وهناك الكثير من الأمور التي لا يصح إيمان المرء إلا بها، ويكفر إذا جحدها وليست من أركان الإسلام والإيمان.
مثال ذلك: التصديق بوجود الجن، والتصديق بأن محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، واعتقاد براءة عائشة رضي الله عنها من الزنى وغيرها الكثير.
ورحم الله الشيخ أحمد شاكر عندما قال: «نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان مما لم يختلف فيه المسلمون، لورود الأخبار الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وهذا معلوم من الدين بالضرورة، لا يؤمن من أنكره» . (1)
وقال في تعليقه على مسند الإمام أحمد: «وقد لعب المجددون أو المجردون في عصرنا الذي نحيا فيه بهذه الأحاديث الدالة صراحةً على نزول عيسى بن مريم عليه السلام في آخر الزمان، قبل انقضاء الحياة الدنيا، بالتأويل المنطوي على الإنكار تارة، وبالإنكار الصريح أخرى، ذلك أنهم في حقيقة أمرهم - لا يؤمنون بالغيب أو لا يكادون يؤمنون، وهي أحاديث
(1) من حاشية «تفسير الطبري» (6/ 460) تخريج أحمد شاكر.