الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الخامس
منهجه العقدي في تفسير المنار
للشيخ محمد رشيد رضا في تفسيره المنار منهج عقدي واضح في تفسير آيات العقيدة، يتضح ذلك من خلال الاطلاع على ما كتبه في تفسيره لبعض الآيات الواردة في الحث على الإيمان والتوحيد، وكذلك الآيات الواردة في الأسماء والصفات، أو الآيات الواردة في القضاء والقدر، أو التي تحث على التفكر والتدبر، ويمكن القول بأن منهجه العقدي في التفسير يتميز بما يلي:
أولا: عدم الالتفات إلى أسباب النزول في تفسير آيات العقيدة:
يرى الشيخ رشيد رضا أن معرفة أسباب النزول إنما يحتاج إليه في آيات الأحكام، أما آيات العقيدة والتوحيد فلا يحتاج إلى معرفة سبب نزولها.
(1) تفسير المنار (2/ 33).
أساس من الأسس التي قام عليها منهج المنار في تفسير آيات العقيدة.
فعند تفسير قوله تعالى (1): {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163)} (2)
قال الأستاذ الإمام: «نبههم سبحانه وتعالى إلى أن المنافع التي يرقبونها من شركهم إنما هي بيده الكريمة وحده، كأنه يقول: إذا أنتم تركتم ما أنتم فيه لأجله تعالى فهو بتفرده بالالوهية يكفيكم كل ضرر تخافونه، ويعطيكم برحمته الواسعة كل ما ترجونه، فإن بيده ملكوت كل شيء، وكل ما تعتمدون عليه من دونه فليس محلاً للاعتماد، بل اعتمادكم عليه من قبيل الشرك، فيجب أن تطرحوه جانباً، وتعتقدوا أن الإله الذي بيده أزمة المنافع والقادر على دفع المضار وإيقاعها هو واحد لا سلطان لأحد على إرادته، ولا مبدل لكلمته، ولا أوسع من رحمته، وإنما أكد أمر الوحدة هذا التأكيد تحذيراً من طرق الشرك الخفية، على أنها أساس الدين وأصله، ثم قال: أرأيت هذا الاتصال المحكم بين الآية وما قبلها؟ إن بعض المفسرين قد قطع عراه وفصمها وجعل الآية جواباً لقوم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: انسب لنا ربك .. (3)
فهو إن صح رواية لا يزيدنا بياناً في فهم الآية ولا يصح أن يجعل سبباً لنزولها، لا سيما بعد الذي علم من اتصالها بما قبلها كما يليق ببلاغة القرآن، ومثل هذا السبب
(1) ومن أمثلته أيضاً ما جاء في تفسير الآية رقم (48) من سورة النساء، انظر تفسير المنار 5/ 147. وأيضا ما جاء في تفسير آية (144) من سورة البقرة، انظر تفسير المنار 2/ 10 - 11، وانظر 1/ 428 - 429.
(2)
سورة البقرة آية 163.
(3)
انظر تفسير الجلالين ص 33، وتفسير البيضاوي ص 33، وتفسير أبي السعود 1/ 184، وتفسير الخازن 1/ 101، وحاشية الصاوي على الجلالين ص 73.
يجعل القرآن مبدداً متفرقاً لا ترتبط أجزاؤه، ولا تتصل أنحاؤه. ومثله ما قالوه في سبب الآية التي بعد هذه الآية، فإنها جاءت على سنة القرآن من وصل الدليل بالدعوى، ولكنهم رووا في سببها روايات منها أن آية {وإلهكم إله واحد} ، نزلت بالمدينة، ثم سمع بها مشركوا مكة فقالوا ما قالوا وعجبوا كيف يسع الخلق إله واحد، وطلبوا الدليل على ذلك. كأنهم لم يكونوا قد سمعوا عليه دليلاً، وكأن هذه الدعوى لم تكن طرأت على أذهانهم ولا طرقت أبواب مسامعهم، على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد أقام فيهم يدعوهم إلى هذا التوحيد عشر سنين ونيفاً، وسبق لهم التعجب منه {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5)} (1) ومعظم ما نزل بمكة آيات وبراهين عليه، فكيف نسلم أن ما نراه في التنزيل المدني من آيتين متصلتين إحداهما في التوحيد والأخرى في دليله، قد كان من الفصل بينهما أن نزل الدليل بعد المدلول بزمن طويل وسبب متأخر؟ .
وأضاف الأستاذ الإمام بعد بيان اتصال الآية بما قبلها وتقرير معناها: ومن هنا يظهر أنها لا يصح أن تكون جواباً للذين قالوا: انسب لنا ربك، أو صف لنا ربك، لأن هذا السؤال إنما يصدر عمن لا يعرف شيئاً من صفات هذا الرب العظيم، أو ممن يبغي أن يعرف مقدار علم المسؤول بهذه الصفات، ويجب أن يكون جوابه بذكر العلم والحكمة والإدارة والقدرة، وهي صفات لا تعقل الألوهية إلا بها، وسببه أن أولئك الكفار لم يكونوا يكتمونها ولا يشركون مع الله أحداً فيها، وإنما أشركوا في الألوهية بعبادة غير الله تعالى
(1) سورة ص آية 5.