الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إن حديث الجساسة من أمور الغيب والدين، فيلزم نفسه بأن يقول بأنه صلى الله عليه وسلم معصوم فيما نقله عن تميم وهو لا يريد هذا.
ولهذا قال: «إن ما قالوه في العصمة» أي عصمته صلى الله عليه وسلم من الخطأ والزلل فيما ينقله عن ربه «لا يدخل فيه هذا» أي لا يدخل في مسألة العصمة من الخطأ والزلل حديث الجساسة، أي يحتمل أن تميم كذب على النبي صلى الله عليه وسلم والنبي صلى الله عليه وسلم صدقه. وهذا كله تناقض في إيراد الاستشكالات والتساؤلات سببه محاولة إثبات أن الحديث مصنوع بأي وسيلة، واستشكال ما ليس بمشكل والله المستعان.
خاتمة رأي رشيد رضا، في أحاديث الدجال:
بعد ما ذكر الشيخ رشيد رضا الاستشكالات والتساؤلات التي ترد على الأحاديث الواردة في خروج المسيح الدجال وحديث الجساسة، والتي حاول من خلالها التشكيك في صحة تلك الأحاديث ثم حكم عليها بالأخير بأنها مصنوعة ومكذوبة لأنها كما يقول «تتعارض تعارضاً كثيراً يوجب تساقطها» . (1)
حيث ختم حديثه بقوله: «بمثل هذه الخرافات كان كعب الأحبار يغش المسلمين ليفسد عليهم دينهم وسنتهم، وخُدع به الناس لإظهاره التقوى ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» .
ثم يتابع فيقول: «وجمله أخبار الدجال قالوا إنها متواترة يعنون التواتر المعنوي، وهو أن لها أصلاً وإن لم يتواتر شيءٌ من روايتها» .
(1) تفسير المنار (9/ 489).
الرد:
اتهم الشيخ رشيد رضا كعب الأحبار (2) بأنه كان من الذين يغشون المسلمين بنشر هذه الخرافات، ويقصد بها أحاديث المسيح الدجال.
وفي الحقيقة أن كعب الأحبار برئ من هذه التهمة التي اتهمه بها الشيخ رشيد رضا، وذلك أن جميع الأحاديث الواردة في المسيح الدجال في الصحيحين ليس هو من رواتها، وليس له رواية واحدة في الصحيحين في المسيح الدجال.
ولا أدري كيف يأتي بعد ذلك رشيد رضا وهو العالم في السنة ويتهم كعب الأحبار بأنه كان يغش المسلمين برواية تلك الأحاديث التي فيها ذكر للمسيح الدجال.
(1) تفسير المنار (9/ 490) وما بعدها.
(2)
هو أبو إسحاق كعب بن ماتع الحميري اليماني العلامة الحبر كان من يهود اليمن وصاحب معرفة وعلم كبير في التواره والإنجيل وأنبياء وروايات بني إسرائيل أسلم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وقدم المدنية في عهد الخليفة عمر بن الخطاب- رضي الله عنه وكان حسن الإسلام متين الديانة سكن في حمص في أخر حياته وتوفي فيها عن مائة وأربعة سنوات (سير أعلام النبلاء 5/ 488).
ثم إننا لا نرتضي تسمية الشيخ رشيد رضا الأحاديث الواردة في المسيح الدجال بأنها «خرافات» .
إنما هي عقيدة ثابتةٌ بالأحاديث الصحيحة الصريحة المتواترة والتي لا يسع المؤمن سوى الإيمان بما جاءت به وتصديقها، وتصديق ما أخبرت به من الأمور والفتن التي سوف تقع في آخر الزمان، كخروج المسيح الدجال، ونزول عيسى ابن مريم عليه السلام وغيرها.
لا سيما وأن المخبر بذلك هو النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم والذي قال الله سبحانه وتعالى في حقه {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)} (1)
فكان الأولى بالشيخ رشيد رضا أن يؤمن ويصدق بما دلت عليه الأحاديث الصحيحة وأن يفوض أمرها وكيفيتها إلى الله تعالى، لا أن يردها باستشكالات وتساؤلات وحجج عقلية يمكن الإجابة عليها، والجمع بينها وبين ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة دون الحاجة لرد أي من الأحاديث الصحيحة.
أما قوله، بأن أحاديث الدجال متواترة تواتراً معنوياً، ولم يتواتر شيء في روايتها، فهو صحيح فإن روايات المسيح الدجال متواترة تواتراً معنوياً كما صرح بذلك كثير من أهل العلم كابن كثير والسخاوي والشوكاني والكتاني وغيرهم، ولم يتواتر شيء من روايتها.
ولكن التواتر الذي يعنيه الشيخ رشيد وهو التواتر في روايتها، ليس شرطاً في صحة الحديث.
(1) النجم آية (3 - 4).
فالذي عليه أهل السنة والجماعة الإيمان بكل ما صح سنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم ـ سواء كان متواتراً أو آحاداً، وقد تقدم إيضاح ذلك في الفصل التمهيدي في مبحث حجية خبر الواحد في الاعتقاد.
فكيف والأحاديث الواردة في المسيح الدجال متواترة كما يقول الشيخ رشيد تواتراً معنوياً، وهو نفسه يرى أن الأحاديث المتواترة تواتراً معنوياً تفيد العلم اليقيني.
ثم إن الشيخ رشيد رضا نفسه أيضا يرى أن الأحاديث الأحادية المتفق على صحتها لذاتها، كأكثر الأحاديث المسندة في صحيحي البخاري ومسلم، جديرة بأن يجزم بها جزماً لا تردد فيه ولا اضطراب وتعد أخبارهم مفيدة لليقين. (2)
بل إنه رحمه الله يرى أن الخبر الواحد إذا احتفت به القرائن فإنه يفيد العلم (3) وهذا في الحقيقة تعارض في منهجه في التعامل مع الحديث، فهو
(1) مجلة المنار (19/ 342).
(2)
نفس المصدر السابق (19/ 342).
(3)
مجلة المنار (19/ 348) باختصار.
يشكك في أحاديث المسيح الدجال لأنها متواترة تواتراً معنويا، ولم يتواتر شيء من روايتها.
وهنا يصرح بأن الأحاديث المتفق على صحتها لابد من الجزم بصحتها دون تردد أو اضطراب، وأن أحاديث الآحاد إذا احتفت بها القرائن فإنها تفيد العلم.
أما قوله أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كشف له ذلك مجملاً غير مفصل كما كشف له غير ذلك من الفتن، ولم يوح به عن الله تعالى! !
فلا ندري ماذا يقصد الشيخ رشيد رضا بقوله: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كشف له، ولم يوح به عن الله تعالى.
فهو هنا يفرق بين معنى الكشف والوحي، ولكنه لم يبين هذا الفرق، حتى نحكم على قوله إن كان صحيحاً أو باطلاً.
ثم إنه في قوله هذا أوقع نفسه في أمرين كلاهما مر بالنسبة له، وذلك أنه يرى أن السنة وحي من الله تعالى حيث يقول « .. وأعني بالوحي هنا القرآن
…
وكذلك الأحاديث النبوية عند من صحت عنده فصدق بالرواية»
فهو يرى أن السنة تعتبر وحي من الله وهذا هو الصحيح وذلك لقوله تعالى {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)} (1)
ولكن هنا لابد له من إبطال أحد القولين وذلك إما أن يقول إن السنة الصحيحة ليست بوحي ويناقض كلامه السابق وهذا لا يصح، وإما أن