الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث السادس
حجية العقل والنقل
سبب إيراد هذا المبحث هو أن له علاقة وثيقة جداً أيضاً بالموضوع الذي سوف نتناوله وهو «آراء محمد رشيد رضا في أشراط الساعة الكبرى» .
حيث أن رشيد رضا رد غالب الأحاديث الصحيحة التي تثبت أشراط الساعة الكبرى، كالأحاديث التي تثبت خروج المسيح الدجال، والأحاديث التي تنص على خروج المهدي وأحاديث نزول عيسى بن مريم وأحاديث خروج الشمس من مغربها.
ولم يكن رده لهذه الأحاديث الصحيحة الثابتة في الصحيحين وغيرها من كتب السنن لعلةٍ في أسانيدها أو رواتها، ولكن لعللٍ أخرى يراها رشيد رضا أنها كفيله برد الحديث ولو كان صحيح السند ولو كان في الصحيحين.
كأن تكون العلة في الحديث، كما يرى هو مخالفته للعقل والحس أو مخالفته للسنن الكونية والإلهية، أو كأن يكون فيها إشكال أو تعارض كما يقول مما يوجبُ تساقطها وردها.
مثال ذلك رده للأحاديث الواردة في المسيح الدجال، والتي هي في الصحيحين وفي غيرها من كتب السنن، بدعوى «أنها مشكلة وأنها منافية
لحكمة إنذار الناس بقرب قيام الساعة وإتيانها بغتةً، وأنها متعارضة تعارضاً كبيراً فيما بينها، مما يوجب تساقطها». (1)
ومثال ذلك أيضا رده للأحاديث الواردة في المهدي حيث يقول «وأما التعارض في أحاديث المهدي فهوى أقوى وأظهر والجمع بين الروايات فيه أعسر، والمنكرون لها أكثر والشبهة فيها أظهر. ولذلك لم يعتد الشيخان بشيء من روايتهما في صحيحيهما» . (2)
وكذلك رده لحديث «طلوع الشمس من مغربها» في آخر الزمان والذي رواه أبو هريرة ورفعه للنبي صلى الله عليه وسلم والذي هو في الصحيحين.
فرشيد رضا يرد هذا الحديث، بدعوى أنه مشكل وأن أبا هريرة لم يصرح في هذا الحديث بالسماع عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيخشى أن يكون قد سمع ذلك من كعب الأحبار! ! ! (3)
وفي الحقيقة أن الشيخ رشيد رضا لم يَردُ أحاديث أشراط الساعة الكبرى فقط، لأنه كما يقول فيها إشكال وتعارض.
بل رد كذلك أحاديث أخرى كثيرة وهي التي سوف أذكرها في مبحث عقيدته تحت عنوان «المآخذ التي عليه» .
ومنها على سبيل المثال رده للحديث الذي في صحيح البخاري والذي لا مطعن فيه وهو حديث «سجود الشمس عند العرش» .
(1) تفسير المنار، للشيخ محمد رشيد رضا، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية، (6/ 450).
(2)
تفسير المنار (9/ 459).
(3)
تفسير المنار (8/ 211).
حيث يرده رشيد رضا بدعوى أنه من أعظم المتون إشكالاً (1) كما يقول، وكذلك رده للأحاديث التي تثبت سحر النبي صلى الله عليه وسلم والتي هي في الصحيحين، بدعوى أنها تورد شبهةً على الدين (2)، وكذلك رده للأحاديث التي تنص على انشقاق القمر في زمن النبي صلى الله عليه وسلم والتي هي في الصحيحين بدعوى اختلاف المتون مما يوجب تساقطهما، (3) وغيرها الكثير من الأحاديث الأخرى.
وهذا بلا شك مخالف لما عليه أهل السنة والجماعة في تعظيم نصوص السنة النبوية وقبولها إذا صح سندها، وعدم دفعها وردها لمجرد مخالفتها للعقل أو الحس أو غيرها من الاحتمالات والآراء التي لا قيمة لها إذا صح نسبة الحديث للنبي صلى الله عليه وسلم.
ثم إن تقديم العقل على النقل من أقوال الفلاسفة ومن نحا نحوهم من المعتزلة وغيرهم من أهل الكلام، وتابعهم به أصحاب المدرسة العقلية الحديثة. (4)
ومما ينبغي اعتقاده أن نصوص الكتاب والسنة الصحيحة والصريحة في دلالتها لا يعارضها شيء من المعقولات الصريحة، ذلك أن العقل شاهد بصحة الشريعة إجمالا وتفصيلا، فأما الإجمال، فمن جهة شهادة العقل
(1) تفسير المنار (8/ 210).
(2)
مجلة المنار (14/ 623).
(3)
مجلة المنار (30/ 262).
(4)
يقول محمد عبده «اتفق أهل الملة الإسلامية إلا قليلا ممن لا ينظر إليه على أنه إذا تعارض العقل والنقل أخذ بما دل عليه العقل
…
» انظر مجلة المنار (13/ 8/613).
بصحة النبوة وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم، فيلزم من ذلك تصديقه في كل ما يخبر به من الكتاب والحكمة.
وأما التفصيل، فمسائل الشريعة ليس فيها ما يرده العقل؛ بل كل ما أدركه العقل من مسائلها فهو يشهد له بالصحة تصديقاً وتعضيداً، وما قصر العقل عن إدراكه من مسائلها، فهذا لعظم الشريعة، وتفوقها، ومع ذلك فليس في العقل ما يمنع وقوع تلك المسائل التي عجز العقل عن إدراكها، فالشريعة قد تأتي بما يحير العقول لا بما تحيله العقول.
فإن وجد ما يوهم التعارض بين العقل والنقل، فإما أن يكون النقل غير صحيح أو يكون صحيحا ليس فيه دلالة صحيحة على المدعي، وإما أن يكون العقل فاسدا بفساد مقدماته.
فمن احتج - مثلا - في إنكار الصفات الإلهية بأن لازم ذلك إثبات آلهة مع الله، فقد احتج بعقل غير صحيح، بل لا يجوز تسمية ذلك عقلاً أصلاً؛ إذ لا يجوز في العقل وجود موجود مجرد عن الصفات؛ بل هو من أعظم الممتنعات العقلية؛ لأنه يستلزم رفع النقيضين، حيث يقال: هو موجود ولا موجود، ولا يقال هذا في حق المخلوق، فلا يستلزم إثبات المخلوق متصفاً بصفات السمع والبصر والكلام والحياة أن يتعدد المخلوق، بحيث تكون كل صفة منها إنساناً قائماً بنفسه، وهذا معلوم البطلان في حق المخلوق، وبطلانه في حق الخالق أظهر وأولي، فهذا عقل فاسد لا يقاوم النقل الصحيح الصريح من آيات الصفات وأحاديثها.
وقد يكون النقل مكذوبا والعقل صحيحاً، كما في حديث يروى عن
أبي هريرة- رضي الله عنه أنه قال: «قيل يا رسول الله: مم ربنا؟ قال: من ماء مرور، لا من أرض، ولا من سماء، خلق خيلاً فأجراها فعرقت، فخلق نفسه من ذلك العرق
…
» (1)(2).
ففي هذا الكذب وأمثاله لا يقال إنه يعارض دليل العقل، فلا يصلح أن يكون دليلا فضلا عن أن ينسب إلى الشرع ليعارض به العقل، علاوة على أن الأدلة الشرعية تنقضه وتبطله.
وقد يكون النقل صحيحاً، إلا أنه لا يدل على المعنى المدعى، فيتوهم التعارض بين المنقول والمعقول، كما في حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني .. الحديث» (3).
فمن فهم من الحديث أن الله تعالى يمرض أو يجوع ويعطش لم يفهم معنى الحديث؛ لأن الحديث فسره المتكلم به، وبين المراد منه، وهو أن العبد هو الذي جاع وعطش ومرض، وأن الله تعالى منزه عن ذلك. (4) «والمقصود
(1) تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة، للشيخ أبي حسن الكناني، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1399 هـ، (1/ 134).
(2)
علم العقيدة عند أهل السنة والجماعة، الدكتور محمد يسري، ص 360، دار طيبة، الطبعة الأولى، 2006.
(3)
أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب باب فضل عيادة المريض (4/ 1990)، رقم (2569).
(4)
علم العقيد عند أهل السنة والجماعة، الدكتور محمد يسري، ص 361.
هو بيان أنه إذا ظهر تعارض بين الدليلين النقلي والعقلي، فلا بد من أحد ثلاثة احتمالات:
الأول: أن يكون أحد الدليلين قطعياً والآخر ظنياً، فيجب تقديم القطعي نقلياً كان أم عقلياً، وإن كانا ظنيين فالواجب تقديم الراجح، عقلياً كان أم نقلياً.
الثاني: أن يكون أحد الدليلين فاسداً، فالواجب تقديم الدليل الصحيح على الفاسد سواء أكان نقلياً أم عقلياً.
الثالث: أن يكون أحد الدليلين صريحاً والآخر ليس بذاك، فهنا يجب تقديم الدلالة الصريحة على الدلالة الخفية، لكن قد يخفي من وجوه الدلالات عند بعض الناس ما قد يكون بيناً وواضحاً عند البعض الآخر، فلا تعارض في نفس الأمر عندئذٍ.
أما أن يكون الدليلان قطعيين - سنداً ومتناً - ثم يتعارضان، فهذا لا يكون أبداً، لا بين نقليين، ولا بين عقليين، ولا بين نقلي وعقلي» (1).
وخلاصة اعتقاد أهل السنة في الباب «أن الأدلة العقلية الصريحة توافق ما جاءت به الرسل، وأن صريح المعقول لا يناقض صحيح المنقول، وإنما يقع التناقض بين ما يدخل في السمع وليس منه، وما يدخل في العقل وليس منه» (2).
(1) منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد لعثمان علي حسن (1/ 366).
(2)
(درء تعارض العقل والنقل)، لتقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، دار الكتب العلمية، بيروت، 417 هـ، تحقيق عبداللطيف عبد الرحمن، (1/ 231، 232).
وقد أعمل الصحابة رضي الله عنهم هذا الأصل، وتلقاه عنهم التابعون، وتواترت عبارات أهل العلم بهذا المعنى.
قال ابن تيمية رحمه الله: «فكان من الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان أنه لا يقبل من أحد قط أن يعارض القرآن برأيه ولا ذوقه ولا معقوله ولا قياسه ولا وجده، فإنهم ثبت عنهم بالبراهين القطعيات، والآيات البينات أن الرسول جاء بالهدى ودين الحق، وأن القرآن يهدي للتي هي أقوم» (1).
وقال الإمام الشافعي رحمه الله: «كل شيء خالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سقط، ولا يقوم معه رأي ولا قياس، فإن الله تعالى قطع العذر بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليس لأحد معه أمر ولا نهي غير ما أمر هو به» (2).
وقال الإمام مالك رحمه الله: «أو كلما جاء رجل أجدل من الآخر، رد ما أنزل جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم» (3).
ومن ثمرات الالتزام بهذه القاعدة، إثبات عصمة الشرع الحكيم إذ ليس فيه ما يخالف العقل الصحيح، وسد باب التأويل والتفويض، واستقامة الحياة على الوجه الأتم الأكمل عند نفي التعارض بين وحي الله تعالى وخلقه، فتنعم البشرية بهدي الله وشرعه وتنتفع بما أنعم على خلقه. (4)
(1) مجموع الفتاوي (13/ 28).
(2)
(كتاب الأم) لمحمد بن إدريس الشافعي، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية، 1393 هـ، (2/ 193).
(3)
(شرح أصول اعتقاد السنة) لهبة الله ابن الحسن بن منصور اللألكائي، دار طيبة، الرياض، 1402 هـ، تحقيق أحمد سعد حمدان (1/ 144).
(4)