الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[مسألتان اختلف فيهما النحاة أيهما أرجح]
قال ابن مالك: (وابتداء المسبوق باستفهام أولى من نصبه إن ولي فصلا بغير ظرف أو شبهه خلافا للأخفش، وكذا ابتداء المتلوّ بلم أو لن أو لا خلافا لابن السّيّد).
قال ناظر الجيش: قال المصنف (1): إن حال بين الاستفهام وبين الاسم المشتغل عنه اسم آخر، نحو: أأنت زيد ضربته؟ بطل حكم الاستفهام عند سيبويه؛ لبعده من الفعل (2)، ولم يبطل عند الأخفش؛ لوجود الاستفهام في أول الكلام، والفعل في آخره، فيرفع «أنت» بـ «ضربت» مقدرا وينصب به «زيدا» (3) ويرى هذا أولى من جعل «أنت» مبتدأ أول، و «زيدا» مبتدأ ثانيا خبره ما بعده، وهو وخبره خبر الأول، وهذا عند سيبويه أولى من الوجه الأول؛ فلو كان الحائل ظرفا أو شبهه اتفقا على ترجيح النصب؛ لأن الفصل [2/ 291] بهما مفتقر في مواضع كثيرة (4)، وزعم أبو محمد بن السيد أن نصب الاسم قبل النفي بلم أو لن أو لا راجح على الرفع (5)، وليس بصحيح، لأن تقدم الاسم على فعل منفي بغير «ما» كتقدمه على فعل مثبت؛ فإنهما متقابلان الأمر والنهي، فكما يستوي المتقدم على فعل الأمر والنهي، كذلك يستوي المتقدم على فعلي الإثبات والنفي بغير «ما» ، فلو كان النفي بـ «ما» لم يجز النصب، لأنها من بين حروف النفي مخصوصة بالتصدير (6). انتهى.
وأقول: هاتان المسألتان المذكورتان، ليس هذا موضع ذكرهما؛ أما الأولى: فكان الواجب أن تذكر في قسم ما ترجح نصبه على رفعه عند قوله: (أو ولي هو همزة استفهام)(7)؛ لأنها متفرعة عنها، وأما الثانية: فالواجب أن تذكر في قسم ما ترجح رفعه على نصبه (8)، وستذكر لأنها من فروعه؛ لأنها على رأيه عدمت المانع والموجب -
(1) شرح التسهيل (2/ 144).
(2)
ينظر: الكتاب (1/ 104).
(3)
ينظر: التصريح (1/ 300)، وشرح الرضي على الكافية (1/ 168)، والهمع (2/ 113).
(4)
في الكتاب (1/ 104، 105): «فإن قلت: أكلّ يوم زيدا تضربه، فهو نصب كقولك: أزيدا تضربه كل يوم؛ لأن الظرف لا يفصل في قولك: ما اليوم زيد ذاهبا، وإن اليوم عمرا منطلق؛ فلا يحجزها هنا، كما لا يحجز ثمة» اه.
(5)
ينظر: إصلاح الخلل (ص 132) تحقيق د/ حمزة النشرتي.
(6)
شرح التسهيل للمصنف (2/ 145).
(7)
،
(8)
سبق شرحه.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والمسوي؛ ثم إن الشيخ قد أطال الكلام في المسألة الأولى جدّا؛ فأنا أذكر ما لخصته من كلامه فيها، ثم أذكر كلام ابن السيد في المسألة الثانية، قال الشيخ: خطأ معظم النحويين الأخفش في اختياره النصب على الرفع.
فأما ابن ولادة فمن جهة أن الاشتغال لا يكون بالنظر إلى اثنين أصلا؛ وذلك أن المشتغل لا بد أن يكون خبرا عن الاسم؛ فإذا قلت: أزيد ضربته؟ فـ «ضربته» خبر، وقد كان خبرا قبل الاشتغال حين قلت: زيد ضربت، ولو قلت: أأنت عبد الله ضربته؛ لم يكن «ضربته» خبرا عن «أنت» ، وإنما يكون خبره الجملة؛ فخرج عن الاشتغال، ولا يعترض على هذا بقولك: أزيد أنت ضاربه؟ فيقال فيها: هذا جائز وليس خبرا عن «زيد» ؛ بل «أنت» وما بعده الخبر، وقد أجمعوا على جواز النصب، لأن «أنت» مع «ضارب» بمنزلة «ضرب» ؛ لأنه لا يصح له العمل إلا معتمدا، وإذا كان كذلك فلا فاصل حينئذ.
وأما ابن مضاء (1) فجعل خطأ الأخفش من جهة «ضربته» يصير مفسرا لعامل يطلب معمولين ملفوظا بهما، وهما «عبد الله» «وأنت» ، والتفسير لا يقوى هذه القوة، واعترض ابن خروف هذا القول بأن التفسير أبدا كذلك، ألا ترى أنك إذا قلت: أعبد الله ضربته؟ فتقدر له فعلا يعمل في فاعل، وفي المفعول المنطوق به، ورد هذا الاعتراض؛ بأن المعمولين هنا منطوق بهما، وهناك لم يلفظ بالمعمول الواحد إلا حين لفظت بالعامل فلم يكونا ملفوظا بهما حتى يفتقرا إلى ما يفسر عاملهما؛ فليس هذا مثل ذلك.
وأما ابن طاهر فجعل خطأ الأخفش من أجل أنك إذا قلت: أعبد الله ضرب أخوه زيدا، برفع «عبد الله» بفعل مضمر يفسره ما بعده، فإنما ذلك بطريق الحمل للفاعل على المفعول؛ وإلا فلم يكن من حقه أن يفسره [2/ 292] إذ لا يصح له أن -
(1) هو أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن سعيد بن حريث بن عاصم بن مضاء اللخمي، قاضي الجماعة أبو العباس، وأبو جعفر الجياتي القرطبي. أخذ عن ابن الرمال: كتاب سيبويه تفهما، وسمع عليه وعلى غيره من الكتب النحوية، واللغوية، والأدبية ما لا يحصى، وروى عن عبد الحق بن عطية والقاضي عياض وغيرهم وعنه ابنا حوط الله أبو الحسن الغافقي.
صنف «المشرق في النحو» و «الرد على النحويين» و «تنزيه القرآن عما لا يليق بالبيان» ، وغير ذلك.
توفي سنة (592 هـ). بغية الوعاة (1/ 323)، تحقيق محمد أبو الفضل.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يعمل فيه، فإذا فسرنا به على ذلك كان على طرف من الضعف؛ فلا يتعدى به أكثر من ذلك، فإذا رفعت «أنت» بفعل
مضمر يفسره الفعل المتصل بسببه وهو التاء؛ فقد تجوزت به الأمر المتوسع فيه، بأن فسرت به عاملا يعمل فيه مع بعده منه، ووقوع الفصل بينهما وهم إنما تسامحوا بذلك حين الاتصال، قال الشلوبين: هذا أيضا يقرب أن يكون مانعا في المسألة من النصب، وأن يكون سيبويه منعه لهذا، ويحتمل أن لم يمنع سيبويه من ذلك إلا ما دام «أنت» مبتدأ؛ وأنه إنما ذكر الوجه في المسألة التي وقعت فيها «أنت» مبتدأ ولم يتعرض لهذا، وكأنه لما كان فيها الفصل بالمبتدأ بين الهمزة التي تطلب الفعل، وبين الكلام صار كأنه لا همزة استفهام فيه (1). انتهى.
وقال الأبذي: قال قوم: لا خلاف بين سيبويه والأخفش في هذه المسألة؛ بل هما مقصدان، إن أدخلت الهمزة على (أنت زيد ضربته)(2) حال رفع زيد؛ اختير الرفع في زيد، ويكون «أنت» مبتدأ؛ وإن أدخلتها حال نصب «زيد» كان النصب مختارا، وكان «أنت» مرفوعا بالفعل الناصب لزيد، وقال الشلوبين: في الحقيقة لا خلاف بينهما، وإنما منع سيبويه من الذي ذهب إليه الأخفش ما دامت «أنت» مبتدأ؛ وكذلك كان يقول الأخفش لو سئل عنه؛ فأما إذا جعلت «أنت» فاعلا بالفعل الذي يفسره «ضربت» (3) المتصل بسببه، فلا ينكر ذلك سيبويه، ولا يمنع منه (4). انتهى.
وهذا الذي قاله الشلوبين لا يبعد عن الصواب؛ إذ لم يقم دليل قاطع على بطلان دعوى الأخفش. هذا ما يتعلق بالمسألة الأولى.
وأما المسألة الثانية؛ فقال ابن السيد: الجحد ينقسم ثلاثة أقسام: قسم لا يجوز فيه إلا الرفع، وهو أن يكون النفي بـ «ما» ، ويتقدم الاسم قبلها كقولك: زيد ما ضربته.
وقسم يختار فيه النصب، وهو أن يكون فيه النفي بلا أو بتأخر الاسم بعد «ما» كقولك: زيدا لا أضربه، وزيدا لم أضربه، وزيدا لن أضربه، وما زيدا ضربته. وقسم في جواز النصب فيه خلاف، وهو كقولك: أزيدا لست مثله؟ (5). انتهى. -
(1) التذييل (3/ 41).
(2)
في (ب): (زيد أنت ضربته).
(3)
في (ب): (ضربته).
(4)
ينظر: التذييل (3/ 42، 43) فقد ذكر أبو حيان كلام الأبدي والشلوبين.
(5)
إصلاح الخلل الواقع في الجمل لابن السيد (ص 132) تحقيق د/ حمزة النشرتي.